في طلب التفسير

د. منير الشواف

 سـعادة الدكتور خلف الجراد                             المحترم

رئيس التحرير ـ صحيفة تشرين

 

طالب التفسير عارف ـ الأفغاني وعبده

 

طالعنا الدكتور الأستاذ عبد الكريم الأشتر بمقال رائع عنوانه: (في طلب التفسير) على صفحة مدارات في جريدة تشرين الغراء في العدد 9642 تاريخ 19/8/2006, استجابة مع رغبته أعلق بما يلي:

ـ إن الدكتور الأشتر ليس أستاذاً في علوم اللغة العربية وآدابها فحسب , بل هو مثقف مطلع على التاريخ المعاصر لما سمي بعصر النهضة , ولا يخفى عليه من هما جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده , ولكنه يحب أن يلقي بحصة في مياه راكدة حتى ينبثق من حولها دوائر تتسع فتشمل ما ذكره من أسماء أولم يذكر , بل يريد أن يكشف حقائق تاريخية مغمورة ساعد على طمسها الثقافة المضللة التي عششت في أدمغة المتعلمين والمثقفين , حيث لا يمكن أن يستوعبوا ما يعرفه الأستاذ الأشتر لأنه يخشى من صدمه مغايرة لكل الدراسات الرسمية الإقليمية والدولية التي أعطت هالة كبيرة للأفغاني وعبده وهما لا يستحقانها , لما عرف عن الدكتور الأشتر من الأدب الجم وكراهيته للمهاترات , وخاصة عندما تكون ثقافة النخبة على خلاف ما اكتشف وعرف من أكاذيب مضللة في التاريخ المعاصر .

ـ إن الدكتور الاشتر يريد من غيره أن يفسر علاقة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في الماسونية والاستخبارات البريطانية في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين , وهل أفضل منه يستطيع أن يفسر ذلك . ولكني تماشياً مع رغبته في أن أكون البادئ بالتفسير المطلوب الذي هو أستاذ فيه , معتمداً على المراجع التاريخية التي يعرفها الدكتور حق المعرفة وهي : كتب الأساتذة د. محمد محمد حسين وخاصة كتابه (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر) وكتب الدكتور محمود شاكر, والدكتور عمر فروخ ، والأستاذ أنور الجندي ، والأستاذ النقاش , والدكتور حسين حمادة ، هذه الكتب التي فضحت بالوثائق علاقة , هذا الرجل المغمور المسمى جمال الدين الأفغاني بالماسونية العالمية , ويكفي أن تقرأ كتاب مذكرات جمال الدين الأفغاني , لتطلع على صورة طلب انتسابه والموقع بيده ، إلى أن ترقى في الماسونية ليكون رئيساً للمحفل الاسكتلندي البريطاني , بعد أن فشل في أن يكون ذا كعب عال في رئاسة المحفل الماسوني الفرنسي , ويكفيه فخراً أن الدكتور ( برنت ) البريطاني كان مرافقاً له بحجة أنه طبيبه الخاص , ولكنه في الحقيقة كان الملهم له فكرياً والموجه له عقائدياً وتكتيكياً .؟

ـ أما من الناحية الفكرية , فلم يأتي جمال الدين الأفغاني بأي فكر بنّاء على الإطلاق بل كان يعتقد ويروج إلى نظرية الحلول ووحدة الوجود والطبيعة , التـي سبقه إليهـا الحلاج وابن عربي ، حيث أقدما على السطو على

 

 

 

 

الفكر الفلسفي الإغريقي واقتنصا منه أفكاراً كثيرة كما فعل هيجل وماركس في تفسير الوجود , والمصيبة الكبرى أن هذا الفكر المنحرف انطلى على كثير ممن أسموهم الناس علماء مسلمين . وكانت دعوته أينما حل ضد وحدة المسلمين وتخدم السياسة البريطانية , توطئة لمعاهدة ( سايكس ـ بيكو ) ولمرحلة العميل البريطاني لورنس . والمعروف عن جمال الدين الأفغاني أينما حل من أقصى الشرق إلى الغرب تلتقطه الدوائر الثقافية الغربية وتروج له ولعلمه ولأفكاره علماً أنه لم ينقل ولم يعرف عنه كتاب في الإسلام من حيث التشريع .

ـ استطاع جمال الدين الأفغاني أن يؤثر على محمد عبده وأن ينسبه إلى الماسونية عن طريق مجلس زوجة ملك مصر أحمد فؤاد الأول الأميرة ( نازلة ) والمعرف أن مجلسها كان بإشراف المندوب السامي البريطاني في مصر ( اللورد كرومر ) وجميع مرتادوا هذا المجلس ممن أسموهم علماء أو مفكرين كانوا مربوطين بسوء أو حسن نية إلى المحفل الماسوني البريطاني , وكان هذا المجلس بطريقة غير مباشرة , يدعوا الناس إلى ترك الجهاد والقتال ضد الانجليز في مصر والشرق الأوسط , عن طريق ما أسموه بالدعوات الإصلاحية الاجتماعية التي قادها محمد عبده وسعد زغلول وأمثالهم , وتتلمذ عليها الماسوني الكبير طه حسين الذي أسموه عميد الأدب العربي .عندما ترأس تحرير مجلة الكاتب لأصحابها اليهود آل صروف وأبو نظارة ومن يستطيع أن يعود إلى بعض أعدادها يجد أنها كلها تحض على العطف على اليهود ومنظرهم البائس عندما كانوا ينزلون من البواخر مهاجرين , من أوروبا إلى أرض فلسطين , ولا غرابة ذلك على طه حسين فهو تربى في مدرسة المستشرق الهولندي (مرجليوث) وعمل مبشراً للثقافة الغربية والحضارة الفرعونية الحاقدة على العرب والمسلمين , وعاش ومات خادماً للحضارة والثقافة الغربية , وكان صنيعة لها .

وعلى كل لا أرغب أن أخوض كثيراً في قائمة طويلة من أدباء ومفكرين اجتمع أكثرهم في مصر تحت الولاية البريطانية بعد أن غادروا بلاد الشام وأسسوا الصحف والمجلات المرتبطة جميعها بالدوائر الغربية البريطانية والفرنسية وأسموها ثقافة الإصلاح حيث أسس آل زيدان وآل تقلا وآل البستاني الصحف المشهورة في مصر الأهرام والهلال والأخبار وصحف كثيرة أخرى .

الموضوع يطول يا دكتور أشتر وأنت تعرف أكثر مما أنا كتبت لأن معرفتي التاريخية المتواضعة لاتصل إلى غبار علمك . ولكني ساهمت قليلاً بأن أفتح شهيتك الخجولة لتخرج كنوز المعلومات التي تعرفها حق المعرفة حتى تزيل الهالة المضللة التي أحاطت بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده , وغيرهم من أقرانهم اللذين مارسوا دوراً تخريبياً على هذه الأمة الكريمة , فالعلم يا دكتور أمانة وتبليغه بالشكل المبين واجب ومسؤولية في الدنيا والآخرة , ومن يكتمها فإنه آثم قلبه .

 

آملاً أن لا تكتم العلم الذي تعرفه

د. منير الشواف

دمشق: 27/8/2006