عقلانية رأس الفاتيكان وسماحته... قراءة في الجذور والتاريخ

مرهف سقا

عقلانية رأس الفاتيكان وسماحته... قراءة في الجذور والتاريخ!!!
مرهف سقا / مرحلة الدكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
لم تكن تصريحات رئيس الفاتكان الصليبية تفاجئني، وشعرت عندما سمعت بها كأني أسمع صوت ترجيع بقرة أكلت طعاماً يابساً من القرن الرابع عشر الميلادي، ثم علك في القرن التاسع عشر الميلادي ثم أرجع إلى الفم ليعاد هضمه في القرن الواحد والعشرين الميلادي، ولكن نظراً لمرور القرون عليه يبس فحصل منه صوت الهضم المزعج للآمنين.
الغريب الذي أدهشني هو أن رأس النصارى يتكلم عن العقل والسماحة والأمن، ولا يستحي من تاريخ قومه الدموي وتاريخ دينه المحرف، فكم من جريمة ارتكبت بمباركة "الرب" بزعمهم، منها ما كان ضد بعضهم، فهل ينسى المسيحيون ما قام به الكاثوليك في عهد الإمبراطور دقلديانوس، الذي تولى الحكم عام 248م, ففي عهده تم تعذيب الأرثوذكس في مصر، حيث ألقوا في النار وهم أحياء، كما تم رمي جثثهم للغربان لتأكلها, وإن عدد الذين قتلوا في عهده يقدر بحوالي مليون مسيحي, كما تم فرض الضرائب الباهظة عليهم, مما جعل الكنيسة القبطية في مصر تعتبر ذلك العهد عهد الشهداء وبه أرخوا التقويم القبطي تذكيرا بالتطرف المسيحي.
أين النصارى من مذبحة باريس بتاريخ 24-8-1572م، والتي قام بها الكاثوليك ضد البروتستانت، وذهب ضحيتها عشرات الألوف حتى امتلأت شوارع باريس بالدماء ودعونا من جرائم الصليبية ضد بعضهم، ولنتكلم بعناوين عن أهم جرائمهم وإرهابهم ضد المسلمين، فهل ينسى النصارى أن محكمة الكنيسة عام 1052م هددت بطرد المسلمين من أشبيلية إذا لم يقبلوا بالديانة المسيحية، ومن خالف ذلك يقتل.
وهل يذكرون أنواع التعذيب والقتل الذي كان يمارس على المسلمين بقرار محاكم التفتيش التي أنشأت عام 1481م، وخلال أعوام قتل أكثر من 340 ألف، وهناك ألوف تم حرقهم وهم أحياء من أجل تنصيرهم وإبادتهم وممارسة التطهير العرقي.
يقول وليم جايس: (إن العالم لم يعرف الاضطهاد الديني قبل ظهور الأديان الموحدة, لقد كانت المسيحية في الواقع أول مذهب ديني في العالم يدعو للتعصب وإفناء الخصوم).
ثم ما تزال رائحة دماء المسلمين تفوح من الحروب الصليبية، عبر التاريخ إلى الآن، وهي أول وأكبر جريمة إرهابية عبر التاريخ الإنساني، فبالسلاح الأبيض قتل في يوم واحد عشرات الآلاف من النساء والأطفال والرجال والعلماء، وسالت الدماء وارتفع مستواها كأنك تخوض نهراً طافياً.
وعندما تهيأ جيش الغزو الإيطالي الصليبي لغزو ليبيا، كان شعاره الصليب، وكان بابا الفاتكان بلباسه الكهنوتي يقف بإجلال أمام الجيش، ثم يقبل الصليب ويبدأ الجنود بالإنشاد، قائلين: أماه لا تحزني.... أماه لا تقلقي.... أنا ذاهب إلى طرابلس.... فرحا مسرورا.... لأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة.....ولأحارب الديانة الإسلامية.... سأقاتل بكل قوتي لمحو القرآن.
وذكرت منظمات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية حرب الإبادة التي تعرض لها المسلمون في البوسنة والهرسك وكوسوفو، حيث ذكرت تلك التقارير: اغتصاب أكثر من 50 ألف مسلمة، تم زرع نطف الكلاب في أرحام المسلمات. تدمير 614 مسجدا بالكامل.
تدمير 534 مسجد تدميرا جزئياً. تدمير مئات المدارس الإسلامية. ولا يمكن نسيان المجازر الجماعية مثل سربنيتشا وغيرها، والتي تمت تحت مرأى ومسمع هيئة الأمم المتحدة وقواتها ومنظمات حقوق الإنسان وكذلك المسلمين.
ثم نأتي على الحروب التي قام بها النصارى في اندونيسيا التي لم يرحموا فيها طفلاً رضيعاً وأماً ضعيفة وعجوزاً جائعاً أو طالباً في مدرسته، فكثير من المسلمين يجهلون هذه الأعمال الإرهابية الإجرامية التي حصلت وخاصة منها ما بين عام 1998 وعام 2000، بسبب التعتيم الإعلامي ومساندة الدول الكبرى للنصارى، ولكن الحقائق لا بد أن تظهر، فقد أحرقت مدارس دينية تعلم القرآن والفقه واللغة العربية، وأبيد طلابها وأساتذتها عن بكرة أبيهم، وقطعت رؤوسهم ووضعت فوق رماح طويلة ورقص النصارى بها، أما بعض الأساتذة المدرسين فقد نشروا بالمنشار ما بين أقدامهم إلى رؤوسهم، ومنهم من مثل به وبقرت بطنه وأخرج قلبه وكبده بالأيدي وأكل، نعم ولك أن لا تصدق ولكن عندما تظهر الحقيقة في المستقبل ستصدق.
ثم حرب بوش الصغير الصليبية في القرن الواحد والعشرين، وأنتم تعلمون ما يحصل بالمسلمين في مما لا حاجة لشرحه.
فقد عرضت القناة الأولى الألمانية تقريرا في برنامجها الأسبوعي بانوراما بتاريخ 24-6-2004، والذي أعده جون جوتس وفولكر شتاينيهوف, عن دور بعض الطوائف التنصيرية في العراق، جاء فيه: سيكون العراق مركز الانطلاق للحرب المقدسة.
نقلت وكالة الأسوشيتد برس يوم 12-4-2004 من خطبة لقسيس في الجيش الأمريكي، ألقاها في يوم الفصح في مدينة الفلوجة العراقية: نحن لسنا في مهمة سهلة، لقد أخبرنا الرب بأنه معنا على طول الطريق, ولسنا خائفين من الموت، لأن السيد المسيح سيعطينا حياة أبدية.
هذه جوانب من تاريخ الصليبية السمحة والمسالمة التي يتكلم عنها رأس الفاتيكان، الذي يدين العنف باسم الدين!!!.
أما عن عقلانيته وبالأخص عقلانية عقيدته، فهذا المضحك، يقول أن إرادة الله في عقيدة المسلمين لا توافق العقل، إذن فحاكموا هذا النص الإنجيلي للعقل مع المقارنة، ففي (مرقس10:27): (الله قادر على كل شيء فيما عدا ما يناقض جلاله وكماله) ثم يقول: (لأن كل شيء مستطاع عند الله) وفي (سفر القضاة1: 19) قال: (وكان الرب مع يهوذا فملك الجبل ولكن لم يطرد سكان الوادي لأن لهم مركبات حديد) والمعنى أن الله في معية يهوذا انتصر على الأعداء فوق الجبال ولكنهما لم يستطيعا الانتصار على الأعداء بالوادي لمجرد أن الأعداء بالوادي كانوا يمتلكون مركبات حديد.
واقرأ هذا النص الذي يوضح مكانة المرأة في الإنجيل وحاكمه للعقل أيضاً، ففي (اللاويين12: 1ـ 5): (وإن ولدت أنثى تكون نجسة أسبوعين كما في طمثها ثم تقيم ستة وستين يوماً في دم تطهيرها). فالحمد لله على نعمة الإسلام الذي حمانا من هكذا جهالات فأين المرأة عندنا منهم.
واقرأ دون أن تضحك ما في (رؤيا يوحنا اللاهوتي 13: 1 ـ 2): (ثم وقفت على رمل البحر فرأيت وحشاً طالعاً من البحر له سبعة رؤوس وعشرة قرون وعلى قرونه عشرة تيجان كقوائم دب وفمه كفم أسد وأعطاه التنين قدرته وعرشه وسلطاناً عظيماً)، ولكن إياك أن تظن بأنك تقرأ قصة خيالية صينية أو من قصص سندباد، بل أنت تقرأ الكتاب المقدس الذي كون عقل رأس الفتيكان وحاشيته.
أما احترامهم للأنبياء فاقرأ إلى دينهم الذي يؤسس ثقافتهم وتكون أخلاقياتهم، ففي (سفر الملوك الأول 1:1ـ 3) قال: (وشاخ الملك داوود... وكانوا يدثرونه بالثياب فلم يدفأ، فقال له عبيده: ليفتشوا لسيدنا الملك عن فتاة عذراء، فلتقف أمام الملك، ولتكن له حاضنة، ولتضطجع في حضنك فيدفأ سيدنا الملك، ففتشوا عن فتاة جميلة في جميع تخوم إسرائيل فوجدوا أبشيج الشونمية فجاؤوا بها إلى الملك..) والتتمة يستحي المرء من ذكرها، ولا تنسوا أيضاً ما كتب في (سفر التكوين19: 33) عن قول الإنجيل في ابنتي لوط عليه السلام: (فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها..)، نسأل الله العفو والعافية؛ ولذلك فإن زنا المحارم في أوربا وأمريكا له أصله عندهم، فلا غرابة من الشذوذ الجنسي عند أساقفتهم وبطاركتهم التي ملأت آذاننا نتناً حتى قام رأس الفاتكان السابق يوحنا بالاعتذار رسمياً عن جرائم تلامذته الجنسية في استراليا؛ وهذه الثقافة هي التي يصدرونها للعالم المتخلف بزعمهم لأنها ثقافة البلاد الحرة والعقلانية، والبلاد المحبة للسلام.
وإذا كان وصفهم لأنبيائهم هكذا فلا غرابة في تهجمهم على خاتم الأنبياء وأشرف المرسلين سيدنا محمد صلى الله وسلم عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم!!.
ولعلكم قرأتم بعض ما كتبه المستشرقون والعلمانيون عن قتل المرتد في الإسلام واعتبارهم لها جريمة مخالفة لحرية العقيدة والتعبير عن الرأي، مع أن قتل المرتد له شروط وأحكام مضبوطة ولكن ما رأيكم بحرية العقيدة والرأي في التوراة وهي العهد القديم عند النصارى، ففي (سفر التثنية 13: 6 ـ 11) يقول: (وإذا أغواك سراً أخوك ابن أمك، أو ابنك أو امرأة حضنك أو صاحبك الذي مثل نفسك قائلاً نذهب ونعبد آلهة أخرى لم تعرفها أنت ولا آباؤك من آلهة الشعوب الذين حولك القريبين منك أو البعيدين عنك من أقصى الأرض إلى أقصاها فلا ترض منه ولا تسمع له ولا تشفق عينك عليه ولا ترق له ولا تستره، بل قتلاً تقتله حتى يموت لأنه التمس أن
يطوحك عن الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية)، نعم يقتله قتلاً بدون استتابة ولا تحرٍّ ولا رحمة.
وقد جاء في القوانين المجرية: مادة 46، كل من رأى مسلما يصوم أو يأكل على غير الطريقة المسيحية أو تمنع عن أكل لحم الخنزير أو يغتسل قبل الصلاة أو يؤدي شعائر دينية, وأبلغ السلطات بذلك، يعطى له جزء من أملاك هذا المسلم مكافأة له.
مادة 47، على كل قرية مسلمة أن تشيد كنيسة وأن تؤدي لها الضرائب المقررة، وبعد الانتهاء من تشييد الكنيسة يجب أن يرحل نصف مسلمي القرية، وبذلك يعيش النصف الآخر معنا كشركاء في العقيدة, على أن يؤدوا الصلاة في كنيسة يسوع المسيح الرب بطريقة لا تترك شبهة في اعتقادهم.
مادة 48، لا يسمح للمسلم أن يزوج ابنته رجلا من عشيرته، وإنما يتحتم أن يزوجها رجلا من الجماعة المسيحية.
مادة 49، إذا زار شخص ما مسلما، أو إذا دعا مسلم شخصا لزيارته فيجب أن يأكل الضيف والمضيف معا لحم خنزير هذه بعض النصوص المؤسسة لعقلانية رأس الفاتيكان وأعقل رجال القوم، وفي الإنجيل الكثير مما تدمى له القلوب ويعرق له الجبين من الخزايا والخرافات.
ولكن عدت لأقول: إن رأس الفاتيكان وحاشيته ليس غريباً عليهم القيام بهذه الإسقاطات على غيرهم، ومهاجمتهم الإسلام، فمواقف رأس الفاتيكان قديمة من الإسلام، ولكن يتضح موقف الفاتيكان ورأسه من القضايا الإسلامية بجلاء من خلال الاجتماع السري الذي عُقد في مدينة كاستيل جوندولوفو الإيطالية بحضور البابا في سبتمبر من عام 2005م، وحضره الأسقف جوزيف فيسيو من فلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية، الذي نقل عنه أن البابا تحدث في الاجتماع المغلق عن الإسلام.
ذكر فيسيو "إن البابا أعرب عن رأيه في الإسلام بخلاف كل الأديان الأخرى بقوله أنه لا يمكن إصلاحه، وهو لن يتوافق أبداً مع الديمقراطية، لأن حدوث ذلك يقتضي إعادة تفسير جذرية للإسلام، وهذا مستحيل بسبب طبيعة القرآن نفسه وعلاقة المسلمين به".
وعندما ناقشه أحد الأساقفة أن ذلك ما يزال ممكناً، اعترض البابا بوضوح كما ينقل عنه الأسقف جوزيف فيسيو قائلاً إن البابا علق على ذلك بهدوء ووضوح قائلاً "هناك مشكلة أساسية في هذا الرأي".
كما ذكر الباحث سمير خليل سمير الذي حضر أيضاً الاجتماع السري "إن البابا يرى إمكانية تغير الإسلام، في حالة واحدة وهي إعادة تفسير القرآن بشكل جذري وكامل، وإعادة النظر بالكامل في مبدأ عصمة الوحي ".
قال أحد الصحفيين في منتصف هذا العام بعدما سأل رأس الفتكان بشكل مباشر ومفاجئ " هل إن كان الإسلام دين سلام.."، رفض البابا أن يصف الإسلام بدين السلام، قائلاً: "إنني لا أرغب في استخدام الكلمات الكبيرة لوصف أمور عامة.. إن الإسلام بالتأكيد يحتوي على عناصر يمكن أن تميل إلى السلام، ولكنه أيضاً يتكون من عناصر أخرى.. ولابد لنا أن نختار دائماً أفضل العناصر".
واليوم يخرج علينا بكلمات تهاجم الإسلام والمسلمين،ويدعي في بيانه أنه يحترم بعمق المسلمين ويأمل أن يفهم المسلمون المعنى الحقيقي لكلماته.
لا أدري هل نحن لا نفهم، أم أننا دون مستوى البشر، وعلى كل حال فإني أرى أن يعرض رأس الفتكان وحاشيته على مصحة نفسية ليخرج من عقده المركبة كالشعور بالذنب والتبرير والإسقاط... لعله يشفى، نسأل الله العافية.