النظام المصرفي في الدولة الإسلامية دراسة تاريخية

خالد إسماعيل نايف الحمداني

مجلة إسلامية المعرفة
العدد: 023 > بحوث و دراسات

النظام المصرفي في الدولة الإسلامية دراسة تاريخية

د. خالد إسماعيل نايف الحمداني

المقدمة:
نالت الدراسات السياسية والإدارية والعسكرية في التاريخ الإسلامي حظاً موفوراً واهتماماً كبيراً من قبل الباحثين المُحدثين، فنجد كماً هائلاً من دراسات التاريخ الإسلامي اهتمت بالجوانب المذكورة ، ولا زالت جوانب أخرى في التاريخ الإسلامي بحاجة إلى مزيد من الدراسة والبحث ومنها على سبيل المثال: الجوانب الفكرية والاقتصادية والاجتماعية . ومن هنا جاءت هذه المحاولة في التاريخ الاقتصادي لإبراز الأثر الاقتصادي للصيارفة في الدولة الإسلامية منذ نشأتها حتى القرن الرابع الهجري.
ويجد الباحث معلومات متناثرة عن الصيرفة في كتب التاريخ العام ومعلومات أكثر في كتب النظم المختلفة خاصة الإدارية والماليـة،وكذا تناولتها كتب الأدب واهتمت بها كتب الفقه من حيث بيان الوجه الصحيح في التعامل المصرفي، واعتنت بها أيضاً كتب الحسبة والأموال إ من بين مهام المحتسب مراقبة الصيارفة، واهتمت بها الدراسات الحديثة فهي وإن كانت قليلة ولكنها مهمة نذكر منها دراسة الدكتور عبد العزيز الدوري: تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، الذي تناول الجهبذة والصيرفة وتطورها حتى القرن الرابع الهجري، وتتناولها أيضاً الأستاذ الدكتور عبد المجيد الكبيسي في بعض دراساته خاصة: "أسواق بغداد حتى العصر البويهي"، و"أصول النظام النقدي"، وتناولتها الدكتورة أمل عبد الحسين عباس باهتمام أكبر في رسالتها للدكتوراه في جامعة بغداد عنوان : "الصيرفة والجهبذة في العراق من القرن الثاني حتى القرن الرابع الهجري".
ونظراً لأهمية الموضوع والرغبة في مواصلة جهد من سبق جاء هذا البحث لإبراز قضية مهمة في التاريخ الاقتصادي تتبعنا فيها المعنى اللغوي والاصطلاحي للصيرفة والصيارفة والصراف . ثم تناول البحث التطور التاريخي للصيرفة وأنواع الصيرفة في الدولة الإسلامية والمهام التي تكفل بها الصيارفة. وتناول البحث اهتمام مسؤولي الدولة الإسلامية بالصيرفة وأثر الصيرفة في استقرار النشاط الاقتصادي وازدهاره في الدولة الإسلامية.
معنى المصرف لغة واصطلاحاً:
يمكن التوصل إلى المعنى اللغوي لكلمة المصرف من خلال معرفة معنى الصراف والصيرفي والصيرف. فهي جميعاً تأتي بمعنى صرف الدراهم أي الذي يقوم بتصريفها،وهي أيضاً"فضل الدرهم على الدرهم والدينار على الدينار" ولما كانت العملة الفضية (الدراهم) والذهبية (الدينار) هي السائدة في الدولة العربية الإسلامية فقد جاء معنى الصرف أيضاً"بيع الذهـب بالفضة" وجاءت بمعنى تحويل العملة "صرف الدراهم بالدنانير" . ويستعمل الصرف بين العملة الواحدة أيضاً: يقال: "بين الدرهمين صرف أي فضل لجودة فضة أحدهما" وورد الصيرفي أيضاً بمعنى "صراف الدراهم ونقادها" ؛ أي الذي يبين فضل بعضها على بعض في القيمة والنقاوة والجودة. ويفهم مما تقدم أن معنى الصرف لغوياً هو تبديل العملات النقدية وتحويلها من عملة إلى أخرى أو نقد العملة الواحدة، ومن هنا يبرز معنى المصرف فهو المكان الذي تتم فيه علية الصرف المذكورة أعلاه. فنرى أن الصيرفة مهنة قائمة بذاتها تميزت عن المهن الأخرى لكونها اختصت بالقيمة النقدية للأشياء، والصيرفي هو الشخص الذي اتخذ الصيرفة مهنة وكسباً له قائمة على أساس التعامل النقدي.
أما معنى الصراف اصطلاحاً فكثرت الأقوال فيه وأبدى كل رأيه حسب اختصاصه وعلمه، وسنذكر هنا بعض الأقوال المشهورة لأناس من مختلف ضروب المعرفة والاختصاص متأثرين بأعمالهم وعلومهم، فأُطلق مثلاً اسم الفلاس على الصيرفي ويعني به الشخص الذي اتخذ عملية بيع النقود مهنة خاصة به، و"الفلاس هذه نسبة إلى من يبيع الفلوس وكان صيرفياً" وأورد السمعاني وهو الذي ركز على الأنساب رأيه فقال" الصراف...هذه نسبة لجماعة يبيعون الذهب بالفضة أو يزنون ويبيعون الذهب بالذهب متفاضلاً"، والصيرفي عند الفقهاء هو بيع الثمن بالثمن جنساً بجنس كبيع الذهب بالذهب أو بغير جنس كبيع الذهب الفضة ، وورد عند آخرين منهم بمعنى عقد بيع تكون فيه السلع المتبادلة من معدن نفيس ، وقال النسفي "الصرف فضل الدرهـم على
الدرهم، ومنه اشتق اسم الصيرفي، والصراف لتصريفه بعض ذلك في بعض وذكر القلقشندي ،صاحب كتاب صبح الأعشى في فن الإنشاء، أنَّ الصيرفي الذي يتولى قبض الأموال وصرفها وهو مأخوذ من الصرف وهو صرف الذهب والفضة في الميزان"، ويسمى أحياناً الناقد أو الناقذي ، إذ ورد "خذوا من فلان الناقد وفلان كل ما عندهما من الورق والعين الساعة" .
ومن المحتمل أن يكون إضفاء هذه التسمية على الصراف تشبهاً بنقد الحديث وغربلته لبيان صحته وذلك لتشابه عمل الاثنين الذي يتطلب الدقة والتمحيص والتثبيت قبل إبداء الرأي. وخلط بعض الباحثين بين الجهبذ والصراف فنراهم يطلقون أحياناً كلمة الجهبذة والجهابذة على الصرافين والجهبذ في الأصل هو كاتب خراج معروف زمن الساسانيين وكان هذا معروفاً للمسلمين في العصر الأموي والعباسي واستعان بعض الولاة بالجهابذة لجباية الضرائب في بعض المقاطعات، وفي القرن الثالث الهجري(التاسع الميلادي)تطوّر استخدام هذه الكلمة إذ تحوّل بعض الجهابذة من كتاب خراج إلى أصحاب بيوت مالية وذلك على إثر تعيين بعض التجار لجهبذة بعض المناطق مثل تعيين يوسف بن فنجاس جهبذاً للأهواز في وزارة علي بن الفرار الأولى(296-299هـ/908-910م).والغاية من تعيين هذا التاجر جهبذاً هو حاجة الدولة إلى المال قبل موعد الجباية فيقوم الجهبذ بتسليفها ثم يستوفي أمواله بعدئذ من ضرائب الأهواز فبدأ الجهابذة يمارسون أعمال الصرافين،وبدأ الجهبذ يعرف بأنه(الناقذ الخبير بغوامض الأمور والعارف بطرق النقد) فمن المحتمل أن يكون هذا الخلط بين الصيرفة والجهبذة ناجماً عن تقـارب وتمـازج الحرفتين وتعامل كل منهما العملات النقدية وتحويلها فأعمالهما متقاربة وربما كان بعض الجهابذة يمارسون عمل الصرافين. وشبَه بعض المؤرخين المحدثين الصرافين بأصحاب البنوك وعملهم بعمل البنوك الحديثة ،وخالفهم آخرون في الرأي فأكدوا أنم المصارف في العهد العباسي تختلف اختلافاً كبيراً عن المصارف الحديثة من حيث أن أغلبها مصارف خاصة يملكها الأفراد وأن أعمالها أقل تخصصاً من المصارف الحديثة .
التطور التاريخي للنظام المصرفي في الدولة الإسلامية:
ترجع ممارسة مهنة الصيرفة في البدان العربية إلى حقب تاريخية متقدمةى، فكان سكان العراق القدماء سباقين إلى ممارسة هذه المهنة، إذ زوال العراقيون القدماء الصيرفة كأساس لتنظيم حياتهم الاقتصادية ، وأفراد حمورابي (1728-1686ق.م) في شريعته ما يقارب 120 مادة من مجموع 282 مادة للمعاملات المالية والشؤون التجارية من بينها المعاملات المصرفية والائتمان وأمور التجارة والاستثمار وغيرها من المعاملات المالية .
وعثر على مجموعة من الرقم الطينية في العهد الآشوري في حدود منتصف الألف الثاني (ق.م) تدور حول معاملات مصرفية خاصة بالائتمان التجاري والبيع الآجل ، واشتهرت عائلة آل يجبيي في عهد البابليين بأعمالهم المصرفية التي بدأت عام (685 ق.م) واستمرت حوالي أربعمائة سنة وكانوا يقومون بالنسيئة والتحويل والعقود التجارية والمالية والقروض من مدينة إلى أخرى .
واستمر النشاط المصرفي في العراق وهذا ما نلمسه من نشاط المدائن في الفترة التي سبقت الإسلام في مجال التبادل التجاري والمعالات المصرفية المتعلقة بتبادل العملات المتداولة وهي المسكوكات الفضية والذهبية ثم نقل الصيارفة مركزهم إلى الكوفة في العهد الإسلامي .
ولم تقتصر ممارسة الصيرفة على سكان العراق بل عرفها العرب في الجزيرة العربية قبل الإسلام فكانت أبرز النشاطات الائتمانية التي مارسها العرب هي المصرف والصيرفة ،وبرزت من بينهم فئة تخصصت في هذه الحرفة مستفيدين من موقعهم المتوسط بين الساسانيين الذين كانت عملتهم الفضة والبيزنطيين الذين استخدموا العملة الذهبية فأخذ العرب يقومون بأعمال الصيرفة ،فكانت هذه المهنة مصدراً مهماً من مصادر تراكم الثروة لديهم ومصدراً لتحويل النشاطات التجارية والزراعية في الوقت نفسه، وهناك إشارات إلى وجود صرافين في أسواق المدن العربية قبل الإسلام مثل مكة ويثرب والحيرة والأنبار وغيرها .
وعند ظهور الإسلام في بلاد العرب وقيام الدولة الإسلامية أباح الدين الإسلامي التعامل المصرفي، فقد سأل بعض الصحابة الرسول الكريم عن الصرف فأجاب: ((إن كان يداً بيد فلا بأس ولا يصلح نسيئة ، وقال أيضاً : "لا تبيعوا الذهب بالذ1هب إلا مثلاً بمثل ولا تشقوا بعضها ببعض "وورد عنه: ((الورق بالذهب ربَاً ألا هاء وهاء)) . وقد مارس عدد ن الصحابة مهنة الصيرفة منهم الزبير بن العوام الذي كان يأخذ الورق من التجار ويكتب لهم سفاتج إلى البصرة والكوفة فيأخذون أجود من ورقهم ، وكذلك ورد عن عبد الله بن عباس أنه كان يأخذ الورق بمكة من التجار والمسافرين على أن يكتب لهم إلى الكوفة ليأخذوا مثل ورقهم .
وبعد اتساع الدولة الإسلامية وتمصير الأمصار نشطت المعاملات المصرفية في المدن العربية تبعاً للاستقرار الاقتصادي الناجم عن الرخاء والازدهار السياسي والاقتصادي للدولة، فنشطت الصيرفة في أسواق المدن مثل البصرة والكوفة والفسطاط والقيروان وواسط وبغداد وسامراء وغيرها من المدن الإسلامية وكان للكوفة دور بارز في المعاملات المصرفية وازدهارها إذ أن صرافي المدائن انتقلوا بعد الفتح الإٍسلامي للعراق إلى الكوفة وعاودوا نشاطهم المصرفي وكان لذلك أثر طيب على الكوفة إذ نظمت أعمال الصيارفة وأتقنت المهنة وكان لصيارفها فضل كبير في تقدم الصيرفة في العراق وفي بغداد بشكل خاص . ووصل النشاط المصرفي أقصاه في بغداد بعد بنائها حيث أصبحت مركزاً لدولة مترامية الأطراف فكثر سكانها ، وتنوعت معاملاتها المالية بالإضافة إلى تعداد دور الضرب وتسرب الموال الأجنبية إليها، كل ذلك ساعد على إنعاش أعمال المصارف في بغداد.
وكانت الصيرفة تمارس ن قبل الصرافين ومن قبل الدولة أيضاً حيث كان بيت المال بمثابة مصرف رسمي متميز لإقراض الناس وتسليفهم ،وشهدت بداية القرن الرابع الهجري نشاطاً مصثرفياً واضحاً حيث اتخذت المصارف بشكل بيوت مالية أوجدتها ضرورات النشاط التجاري، وكذلك لتعامل المسؤولين مع تلك المؤسسات ،وانتشرت المصارف انتشاراً كبيراً في أنحاء الدولة الإسلاميـة فأصبح في كل مدينة مصرف، بل أصبحت هناك أسواق مخصصة للصيارفة مثل سوف درب العيون في الكرخ ببغداد ، وازدحم الصرافون في أسواقهم فأورد ناصر خسرو في (رحلته) انه كان بسوق الصرافين بمدينة أصفهان مائتا صراف وكانوا جميعاً يجلسون في سوق واحدة تسمى سوق الصرافي ، بالإضافة إلى ذلك كان للمصارف فروع في مدن أخرى فعمل ذلك على زيادة ربط مدن الدولة اقتصادياً.
ولسبق العراق غيره إلى المعاملات المصرفية نرى ارتباطاً وثيقاً بين الحجاز ومصر والشام والأندلس بالمؤسسات المصرفية العراقية ، وكان للمنافسة بين العباسيين في بغداد والفاطميين في مصر وشمال إفريقيا دورٌ حيث شجع الفاطميون انتقال أرباب رؤوس الأموال إلى مصر، وكان بينهم عدد من الصيارفة العراقيين وسَهَّل انتقالهم وجود فروع ، مصرفية في صر للمصارف العراقية .
وظائف المصارف وأعمالها:
تقويم النقود:
وهي مهمة ذات أهمية كبيرة يقوم بها الصيرفي قبل أن ينجز أية معاملة مالية،فيعمد أولاً إلى تقدير قيمة النقد الشرائية وتسمى هذه العملية عند بعضهم بالنقاد ،من نقد الدرهم وهو التمييز بين جيدها ورديئها،وكما قلنا فهي عملة مهمة وشاقة في الوقت نفسه ولكن لكثرة المعاملة المصرفية أصبح لـدى الصيارفة خبرة في اختبار النقود واتبعوا في ذلك وسائل متعددة بسيطة وأخرى معقدة تبعاً لنوعية النقود ونوعية الغش والتدليس المستخدمة فيه . وتتضح أهمية الصرافين أكثر إذا علمنا أنهم الجهة الوحيدة التي تتولى تقويم النقود ومدى جودتها وزنها وقيمتها بين النقود المتداولة .
ومن الطرائق المستخدمة من قبل الصيارفة في اختيار النقود وتقويم قيمتها النقدية:
1-الاعتماد على ثقل الدينار وصوته" فإن للذهب من الثقل وتلزُّم الأجزاء صفة لا يدانيها فيها ما يغش به، وكذلك صوته إذا نقر فإنه رخيم معتدل فإذا غش بالنحاس أو الفضة ظهر في صوته دقة واحدة تدل على صلابة وصلت في مجلسه .
2-يوضع الدينار بين الأسنان فإذا كان ليناً دل على جودته أما إذا كان صلباً كان رديئاً .
3-الاعتماد على حمي الدينار بالنار فإذا اسوَّد أو اخضرَّ كان مغشوشاً .
4-التعليق، وهي من أكثر الطرق سلامة وهي أن يدق الذهب بعد إضافة الملح فإن تغير لونه شُك في نقاوة الدينار .
5-وهناك طريقة بسيطة أوردها الجاحظ وهي أن يقرب الدينار من الشعر ويلاحظ مدى التصاق الدينار وصعوبة استمراره فإذا كان جيداً صَعُبَ استمرار التصاقه .
6-استعمال محاك المنتقد ، الذي يختبر به جودة القطع النقدية.
7-يقوم الصيرفي بكسر الدينار ، وملاحظة غشه أو قطعه بالكار وملاحظة التدليس والغش الموجود فيه.
أما بالنسبة إلى تقويم الدراهم واختبارها فهناك طرق كثيرة وعديدة لكشف زيف الدرهم ومدى نقاوته وكان الدرهم المغشوش يسمى بـ(الزيوف) ، ومن هذه الطرق المذاق حيث أن مذاق الفضة الصافية عذب ومذاق المغشوش مر ، وكذلك بواسطة كسر الدرهم الذي شك بصحته وملاحظة غشه، وهناك طريقة الحمي أيضاً فإذا اسودَّ الدرهم كان مغشوشاً، وطريقة سبك الروباس ، وأيضاً طريقة قياس الوزن للقطع النقدية في الهواء والماء ثم تُقارن النسبة .
ب) تحويل العملات النقدية وصرف الصكوك والسفاتج:
يقوم الصيارفة بعمل مهم وهو أساسٌ وجوهري بالنسبة للتعامل المالي حيث كانوا بمثابة العمود الفقري للأسواق بما يقدمونه من خدمات كبيرة للتجار، فهم الذين يتحملون مسئولية تبديل العملات النقدية وتحويلها من فئة إلى أخرى ويقومون أيضاً بصرف الصكوك والسفاتج.
وكان دور الصيارفة أوضح في أسواق المدن التي توجد فيها مختلف العملات النقدية حيث يُعدم التعاملُ النقديُّ في مثل هذه الأسواق في حالة عدم وجود الصيارفة، ويكون تبديل العملات المتداولة في الأسواق التجارية إما بتحويل العملات الأجنبية إلى العملات المتداولة في الدولة العربية الإسلامية أو بتحويل الدراهم إلى الدينار وحسب ضرورة التعامل المالي.
ولعبت عدة عوامل في إكثار تدفق العملات الخارجية إلى الدولة العربية الإسلامية، منها الجبايات التي ترسل من الأقاليم إلى الدولة فهناك الدراهم القطريفية والمحمدية والخوارزمية والمسيبية ، وتصرف هذه القيم النقدية من قبل صيارفة الدولة في الأسواق ( الجهابذة) أو عند المصرفيين الموجودين في الأسواق، ومن العوامل الأخرى ما يرد به التجار من الخارج من عمل نقدية غير متداولة في الأسواق المحلية .
وكانت قيمة النقود متذبذبة في أسواق التعامل المالي، فتارة يصل الدينار إلى عشرة دراهم، وتارة يصل إلى ثلاثمائة درهم ، وكان تدفق معدني الذهب والفضة له أثر في زيادة أسعار العمل النقدية وانخفاضها فعرقلة الطرق وسوء العلاقات السياسية يؤدي إلى انقطاع تدفق هذا المعدن أو ذاك فيؤدي إلى تغيير نسبة التبادل فيها.
ولا يُخفى أن القدرة الشرائية للنقد تعتمد على قوة اقتصاد الدولة الإسلامية وعلاقتها المالية مع البلدان الأخرى ،ويرى البعض أن هناك علاقة وطيدة بين الكمية المضروبة في دور الضرب وأسعار تبادل الدنانير والدراهم ، وكان لتدخل الدول وتحديد أسعار التبادل أثر في قيمة النقود. كما حصل في القرن الرابع الهجري عام 389هـ حين قررت الدولة سعر الدينار بثلاثمائة درهم.
أهم المعاملات التي يقوم بها الصيارفة:
المراطلة:
وهي عملية بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة بمثله وزنا ويكون ذلك بوضع الذهبين في كفتي الميزان فإذا استوت الكفتان كان ذلك الوجه الصحيح للمعاملة ، استناداً إلى الحديث الشريف"الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء" ، وقال أيضاً"لاتبيعوا بالذهب إلا عينا بعين ولا الورق بالورق إلا عيناً بعين، إني أخشى عليكم الرماء ولا تبيعوا الذهب بالورق إلا هاء وهلم ولا الورق بالذهب إلا هاء وهلم" . روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الذهب بالذهب وزناً بوزن مثلاً بمثل. الفضة بالفضة وزناً بوزن مثلاً بمثل فمن زاد أو استزاد فهو ربا" .
وعن سعد بن عبادة"كنا نبايع اليهود عام خيبر الأوقية من الذهب بالدينارين والثلاثة فنادى رسول الله لا يحل الذهب إلا وزنا بوزن" .
وعن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) قال:"الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر مثلاً بمثل يداً بيـد فمـن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء" . وهناك شروط وضعها الفقهاء في صحة عملية المراطلة وهي تَسَاوي وزن القيمتين وكذلك المساواة في جودة النقد المراطل به، ولا يجوز أن يقترن مع المراطلة عقد بيع، قال مالك فمن أتي بذهب هاشمية إلى صراف فقال له راطلني بها بذهب عتيق هي أكثر عدداً من عددها وانقص وزناً من الهاشمية، فكان إنما أعطاه فضل عيون القاتمة الهاشمية بمكان عدد العتيق وفضل عيونها .
المبادلة:
وهي عملية بيع النقد بمثله ، والمعاملة بالمبادلة تكون قليلة ومحدودة لأنها عددت فقط بالمعدود من الدراهم والدنانير وهو في العدد جائز عند مالك فيما قل مثل الدينارين والثلاثة والدرهمين والثلاثة إذا استوى العددان فإن كثر العدد لم يصلح ، ووضع الفقهاء ضوابط لهذا النوع من المعاملات النقدية وفي المبادلة أن تتم المعاملة يداً بيد لا يفارق أحدهم الآخر قبل أن يتم قبض المبلغين وأن تجري المبادلة دون شروط مسبقة .
الصرف:
وهي عملية بيع الفضة بالذهب ، وهناك ضوابط فقهية حددت سلامة هذه المعاملة المالية منها أن تذكر حصة كل دينار وعملة الصرف، فتقول أبيعك هذه العشرة دنانير كل دينار بعشرة دراهم، وعقد المصارفة يجب أن يتم حالاً وفي المجلس، وكل أمر يؤخر عملية التقابـض هـذه مـن شأنه أن يبطل البيع لقول الرسول:(ص)"لاتبيعوا منها غائباً بناجز" . بالإضافة إلى تحويل العملات النقدية كان يقوم الصيرفي بتصريف الصكوك والسفاتج وبذلك ساعد على إحداث السيولة النقدية وسمح بانتقال الأموال وحافظ عليها من الضياع والسرقة. والصكوك وسيلة من وسائل الائتمان وهو أمر خطي بدفع مقدار من النقود إلى الشخص المسمى فيه ، وكان الصك يستعمل على الصعيدين الرسمي والشعبي وكانت الرسمية منها تستخدم لدفع الرواتب وأرزاق الجند وقد استخدم عمر بن الخطاب الصك وختم أسفله ، وكانت بعض الصكوك الحكومية تصرف في بيت المال، وقد يؤجل صرف الصك لعدم توفر المال الكافي فقد امتنع صاحب الديوان صرف صك يزيد بن المهلب قائلاً له:"إن خراجك لا يفئ به الخراج" ، وقد تصرف هذه الصكوك عند الصيارفة وكان حاصل الصيرفي درهماً في كل دينار في بعض الأحيان بمثابة رسم على صرف الصكوك، وكان الصك يقوم مقام سند الدين على الأشخاص إذ أورد الصابي أن الوزير علي بن الفرات يصك لشخص آخر، وقال هذا صك عليّ بن فرات بثلاثة آلاف درهم فيجعلها بنفقته .
وشاع استعمال السفتجة في الدولة الإسلامية وهي من وسائل الائتمان أيضاً ويقصد بها الحوالات أو ورقة مالية أو خطاب ضمان ويعني:"أن يعطي رجل مالاً لآخر وللآخر مالٌ في بلد المعطي ...فيوفيه إياه فيستفيد أمن الطريق" ، وكان نطاق استخدام السفنتجة أوسع منـه من الصكـوك، إذ أن مجالها أوسع من البلد الواحد الذي غالباً ما كانت تتم فيه الصكوك ، أما السفاتج فتنظم مثلاً من قبل أحد صيارفة العراق ويحولها إلى أي جهة مالية معروفة، وكان لها دور في توثيق العلاقات بين المؤسسات المصرفية في أقاليم الدولة الإسلامية، وتعتبر السفنتجة من أرقى أنواع التعامل المالي المصرفي وهي تشبه إلى حد كبير شكل الحوالة التجارية أو ما يسمى بالكمبيالة .
وكان مصدر الصيارفة لقاء هذه الخدمات الواسعة أرباحٌ طائلة فيذكر"أن رجلاً كتب إلى مغنٍّ رقعة إلى صراف يعامله بخمسمائة دينار فذهب المغني إلى الصيرفي وأعطاه الرقعة فسأله الصيرفي: أنت الرجل المسمى في التوقيع؟، قال: نعم، فقال الصيرفي: أنت تعلم أمثالنا يعاملون للفائدة وربحنا أن يعطي في كل دينار درهم ، وكذلك قام الصيارفة بالتوسط بين الناس ودور الضرب فكانوا يأخذون الذهب والفضة من الناس لسكها ثم يدفعون لهم نقوداً تعادلها في القيمة الاسمية وبذلك يستفيدون من الفرق بين القيمتين .
ائتمان الودائع:
ومن الوظائف الأساسية التي كانت تقوم بها المصارف هي قبول الودائع وائتمان الأموال، ويُذكر إن استوداع الأمانات كان شائعاً منذ صدر الإسلام فيروي ابن سعد عن ودائع الزبير ابن العوام التي بلغت مليونين ومائتي ألف درهم حيث يقول:" الرجل كان يأتيه بالمال ليستودعه إياه فيقول الزبير:لا، ولكن هي سلف إني أخشى عليه الضيعة" وكان الصرافون يقبلون الودائع ويعملون على تسهيل عمليات الائتمان وبخاصة في البصرة فقد ذكـر نـاصر خسروا إن المعاملات التجارية فيها تجري كما يلي" كان كل من لديه مال يعطيه للصراف ويأخذ منه صكاً ثم يشتري به ما يلزمه أو يحول الثمن على الصراف وبذلك لا يستخدم المشتري شيئاً أثناء إقامته بالمدينة سوى صك الصراف ، وقد توسعت عمليات الصرف هذه بتوسع النشاط التجاري والزراعي وزيادة دخل الفرد فكان الصرافون يقبلون أحياناً الودائع من الموسرين ، ويذكر أنهم كانوا يتقبلون ائتمان مختلف الودائع النقدية والعينية وقطع المجوهرات والمعادن الثمينة .
وكانت تمثل هذه الودائع المصدر الأول لأموال الصرافين ، فيما رأى البعض ، ضرورة عدم المبالغة في أهمية الودائع في تكوين رؤوس أموال الصرافين لأن أغلب الناس كانوا يميلون إلى خزن ثرواتهم وتجميدها، ولكن فيما يبدو ومن خلال استعراض ائتمان الأموال وملاحظة كثرتها إنما كانت تشكل مصدراً مهماً من مصادر أموال الصرافين، فقد ذكر أن أبا علي خازن معز الدولة كانت له مبالغ ضخمة عام( 359هـ 961م) فكان مجموعها مائتي ألف دينار منها خمسون ألف عند أحد الصيارفة في درب العيون في بغداد ، وربح أيضاً في خلافة المقتدر (295-320هـ) من ضمان بعض الضياع عشرة آلاف دينار قام بإيداعها عند أحد الصيارفة ، وكان لدى أحد تجار بغداد عشرة آلاف دينار موزعة عند عدد من الصيارفة .
وجاء عن أبي العلان الأهوازي الكاتب:" نظرت في الضمان وتصرمت السنة فربحت عشرة آلاف دينار...فأثبتها عند الصارف ، فيبدو أن عملية الائتمان كانت موجودة وبمبالغ ضخمة فكانت تشكل مورداً يمول رأسمال الصرافين. وكان الصرافون يتحملون مسئوليات وواجبات تجاه الودائع فكانوا يعملون جادين في سبيل الحفاظ على الأموال المودعة ويتخذون الوسائل كافة للحفاظ على الأمانات، وزيادة في الحفاظ والضمان كان عند المصرفيين سجلٌ خاصٌ يدون فيه أسماء الأشخاص المودعين أموالهم وقيمة ودائعهم، وكان بالمقابل عند بعض أصحاب الودائع مثل هذا السجل حفظاً لسلامة أموالهم المودعة خصوصاً إذا كانت موزعة عند عدد من الصيارفة ، وهناك سجل يثبت هذه الأموال برموز فأورد التنوخي عن ابن أبي علان الأهوازي قال" سلمت إليه رقاع الصيارف بالمال وأخذت منه حجة بإزالة المطالبة وانصرفت .
تعدّ الأموال المودعة خير معين للصيارفة في تسيير معاملاتهم المالية إذ تهيئ لهم سيولة نقدية تمكنهم من إعطاء القروض، وتضع بأيديهم فئات متعددة من العملات التي جاءتهم من ودائع التجار الأجانب، فهي توفر للصيرفي فرصة باستثمارها في مشاريع اقتصادية مثل الدخول في المضاربات وتأسيس الشركات ، ويذكر أن سحب الودائع كان بواسطة صكوك تنظم لهذا الغرض .
منح القروض:
كانت من الأعمال التي يقوم بها الصيارفة منح القروض للمحتاجين والتجار الذين يلجأون إليهم في تسيير معاملاتهم التجاريـة،ووردت عدة أخبـار عن وجود مثل هذه المعاملات لاسيما إقراض التجار، فكان على أبي بكر بن جعفر أحد تجار الكرخ ببغداد قسطٌ يدفعه إلى ابن عيدان الصيرفي من مشاهير صرافي درب عون فأخَّر دفع المبلغ لضرورة ألَّمت بالتاجر ، وجاء عن أبي العلان الأهوازي قال"انفذت إلى وكلائي في الحال فاستدعيتهم فقلت لهم خذوا من فلان الناقد ، وأورد التنوخي أخباراً عديدة عن حالات إقراض من الصيارفة إلى أناس عاديين غير تجار فعن طالوت بن عباد الصيرفي قال:"كنت بالبصرة..فإذا ابن الخياطة ينبهني من فراشي..فقال قمرت الساعة خمسمائة دينار أقرضني إياها.. فأخرجت خمسمائة دينار فدفعتها إليه" ،وجاء في المنتظم"خرج أبو عبد الله بن أبي بكر الآدمي القاري من مترله وأخذ من بعض الصيارف قرضاً بألف درهم" وكانت هناك قروض كثيرة يعطيها لأهل الكوفة الصيرفي معالي بن خنيس.وربما أنقذت هذه القروض بعض الناس من مأزق، أورد ابن بطوطة عن رجل من أهل الشام أنه:"أخذ مرة من بعض تجار دمشق ستة آلاف درهم قرضاً فلقيه ذلك التاجر بمدينة حماه من أراضي الشام فطلبه بالمال وكان قد باع ما اشترى به من المتاع بالدين فاستحيا من صاحب المال ودخل إلى بيته وربط عمامته بسقف وأراد أن يخنق نفسه وكان في أجله تأخير فتذكر صاحباً له من الصيارفة فقصده وذكر له القضية فسلفه مالاً ودفعه للتاجر .
ولم تقتصر القروض على التجار وعامة الناس وإنما ورد عن بعض الخلفاء والمسئولين في الدولة أنهم اقترضوا مبالغ احتاجوها،"لما ولي الخلافة أبو العباس السفاح قدم عليه بنو الحسن بن علي أبي طالب فأعطوهم الأموال وقطع لهـم القطائع... فاستقرضهم أبو العباس من أبي مقرن الصيرفي وأمر له بها "، وكذلك استعانت الدولة بالصيارفة في تمويل مشاريع عمرانية" عقد المنصور عند باب الشعير وجرى ذلك على يد حميد القاسم الصيرفي" ولكن يبدو إن القروض التي كان يقدمها الصيارفة كانت إلى التجار أكثر منها من عامة الناس وبدرجة أقل إلى الدولة العربية الإسلامية.
أنواع المصارف.
المصارف الرسمية:
كان بيت المال في الدولة الإسلامية مؤسسة اقتصادية كبيرة تقوم بمهام مصرفية كبيرة ذات مردود إيجابي على عامة أبناء المجتمع باعتباره ملكاً للأمة. وقد تنوعت المهام المصرفية التي قام بها بيت مال المسلمين بحسب التطورات والمستجدات الاجتماعية والاقتصادية وأحياناً بحسب الظروف الطارئة فكان بيت المال بمثابة مصرف رسمي عام يؤدي عدة مهام في آن واحد فهو أحياناً يقدم سلفة مستعجلة لمعالجة بعض الأوضاع الطارئة وتتوقف قيمة السلفة ومقدارها بحسب حالة السيولة في بيت المال وتقدير القائمين على الدولة الإسلامية لأهمية هذا الأمر دون غيره وفي كثير من الحالات يقدم سلفاً وقروضاً مستعجلة لإنعاش أوضاع المزارعين فقد أقرض الحجاج بن يوسف الثقفي الفلاحين في العراق مليوني درهم من بيت مال واسط ، وكذلك فعل الخليفة عمر بن عبد العزيز (99هـ-101هـ) عندما أقرض فلاحي العراق لتحسين حالتهم المالية ،واتبع الخليفة العباسي الأول عبد الله بن محمد(32-/749م-136هـ/653م) النهج نفسه تجاه الفلاحين فاسقـط في إحـدى السنـوات الخراج عن بعض المزارعين وأقرضهم مائتي ألف درهم لسوء موسمهم الزراعي ، وأقدم الخليفة المتوكل( 232هـ/846م-247هـ/861م)على تسليف الفلاحين في منطقة باسورين مبلغاً مقداره عشرة آلاف دينار لمواجهتهم فاقة بسبب هطول الثلوج ، وقدمت عشرة آلاف دينار أخرى في خلافة المعتضد (279هـ /892م-289هـ/901م)لفلاحي الصلح والمبارك في المنطقة الممتدة بين واسط والبصرة ،وعمل كل ذلك على رفع مستوى الإنتاج الزراعي.
أما أساليب تسديد السلف الزراعي فكانت متباينة، فالحجاج أضاف القرض إلى الخراج في جبايته ، وفي زمن السفاح كانت مدة السلف سنة واحدة ، وبعضهم استرجع القرض بعد شهور ، ومنهم من أخَّره، ومنهم من أخره إلى وقت الحصاد .
فضلاً عن القروض والسلف الزراعية كان يقوم بيت المال بعمليات التمويل للتجار تشجيعاً لهم، فأقرض عمر بن الخطاب (هنداً بنت عتبة من بيت المال سلفاً مقداره أربعة آلاف درهم تتاجر فيها) ، وكذلك اقترض عبيد الله بن عمر من بيت مال البصرة أيام أبي موسى الأشعري مالاً اشترى به بضاعة أخذها إلى الحجاج فكان بيت المال للمتاجرة ثم دفع ما اقترضه إلى بيت مال الحجاج فكان بيت المال يقوم بدور المقاصة لتسهيل المعاملات التجارية .
وكان بيت المال يقدم القروض العقارية لغرض البناء وإقامـة العمـران؛ فأورد مسكويه إلزام مسئولي الدولة أصحاب العقارات التي تضررت لتمادي الزمن عليها أو لتضررها نتيجة الفتن أو الظروف الطبيعية المختلفة، فألزموا بضرورة إعادة تعميرها، ومن لم يستطع اقتراض من بيت المال ليربح منه عند الميسرة...
ومن لم يوثق منه بذلك أو كان غائباً أقيم عنه وكيل .
فضلاً عن القروض المذكورة التي يقدمها بيت المال كان يقوم بتقديم قروض شخصية، فقد اقترض الخليفة أبو بكر الصديق (11هـ/623م-13هـ/634م)من بيت المال"إني استلفت من بيت مال المسلمين مالاً فإذا مت فليبع حائطي وليرد إلى بيت المال .
وكذلك فعل الخليفة عمر بن الخطاب ( 13هـ/634م-22هـ/642م) "إني استلفت من بيت مال المسلمين ثمانين ألفاً فليرد من مال ولدي" ، وكان هذا بعد أن طُعن عمر، وكانت هناك قروض كثيرة لأشخاص معروفين فكان يقدم بيت المال المبالغ التي يطلبونها، فقد أقترض سعد بن أبي وقاص مبلغاً من المال في خلافة عثمان بن عفان ، واستلف المهلب بن أبي صفرة مبلغاً قدره ثلاثمائة ألف دينار من بيت المال ، واقترض الجراح بن عبد الله من بيت المال عشرة آلاف درهم في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز . ولم تقتصر القروض على الأشخاص المعروفين بل شمل عامة الناس، فقد أقرض بيت المال الجند كما حدث في خلافة المأمون، كما حصلت قروض مختلفة للكتاب والعمال ، وكانت تسترد هذه القروض من آخذيها أو وكلائهم أو بعد بيع عقاراتهم.
ومن الأعمال الأخرى التي كان يقوم بها بيت المال التعامل بالنقد فقد كان يبيع النقود الزائفة والمسموحة، وأصبح بيت المال منذ عهد الحجاج مسئولاً عن سك نقود الدولة كافة إلا أن أعمال بيت المال المذكورة لم تمنع المسئولين في الدولة العربية الإسلامية من تأسيس مصارف حكومية تقوم بمهام ذات قيمة كبيرة للدولة وقت الرخاء الاقتصادي ولحل الأزمات الاقتصادية وقت حدوثها، فقد أسس الوزير علي بن عيسى مصرفاً رسمياً لمواجهة أزمة مالية حدثت في سنة 300هـ فاستدعى صرَّافَيْن من أهل الذمة ، وكانا ثريين وطلب منهما تأسيس مصرف رسمي مهمته تسليف الدولة ما تحتاج من نقود معتمدين على واردات الأهواز كضمان لهما"قال علي بن عيسى إني أحتاج في كل هلال إلى مال أدفعه... وأريد أن تسلفاني في أول كل شهر مائة وخمسين ألف درهم ترتجعانها من مال الأهواز في مدة الشهر، فإن جهبذة الأهواز إليكما فيكون هذا المال سلفاً لكما". وبقي هذا المصرف يقوم بمهمته طوال ست عشرة سنة .
المصارف الخارجية:
كان أصحاب المصارف هم الأشخاص الذين يملكون أموالاً طائلة يوظفونها في الأعمال المالية والإقراض، وكانوا في الوقت نفسه يمارسون التجارة وغيرها من الأعمال الاقتصادية، وكانوا يستفيدون من الودائع التي يأخذونها عندهم ويستثمرونها في الأعمال المالية، فورد أن الزبير بن العوام كان لديه ما يشبه البنك إذ معظم أمواله من الودائع .
وكان أغلب الصيارفة هم نصارى انتقلوا من الكوفة بعد فتحها إلى المدن الأخرى خاصة بغداد والبصرة وساهموا مساهمة فعالة في الأعمال المصرفية ، فورد عن الجاحظ"ما عظم النصارى في قلوب العوام أن منهم كتاب السلاطين...وأطباء الأشراف...والصيارفة .
وزاحم النصارى في الصيرفة اليهود، قال المقدسي وهو يتكلم عن إقليم الشام:"وأكثر الجهابذة والصباغين والصيارفة بهذا الإقليم يهود .
وأكد آدم متز، صاحب كتاب الحضارة في القرن الرابع الهجري، أن حرفة اليهود في الشرق هي الاتجار بالعملة، وكان ثلاثة جهابذة يهود في الدولة العربية الإسلامية في القرن الرابع الهجري يسمون جهابذة الحضرة لارتباط عملهم مع مسئولي الدولة، فكان نشاط النصارى واليهود ملحوظاً في الدولة مما يدل على روح التسامح السائدة في الدولة العربية الإسلامية، وكان للمسلمين دور كبير في الصيرفة ولخشية التعامل بالربا عمد المسلمون إلى الجمع بين التجارة والصيرفة .
وكان للصرافين وجود في معظم أسواق المدن مثل بغداد والبصرة والكوفة والقيروان والفسطاط وأصفهان وغيرها، وكان للصرافين أسواق خاصة بهم مثل سويق درب عون ببغداد ، وسوق الصرافين في اصفهان كل ذلك يدلّ على أهمية الصراف بالنسبة للتعامل الاقتصادي في الدولة.
وكان لبعض المصارف الخاصة فروع في الأقاليم حيث ورد أن مصرف الزبير بن العوام كان مركزه المدينة وله فروع في الكوفة والبصرة ، وكانت هذه المصارف قريبة الشبه بالبنوك الحديثة من حيث تعاملهم فهي تقوم بالإقراض والتسليف وكذلك يتقبلون الودائع من الناس، وكانوا يقومون بدور الوسيط بين الناس ودور الضرب، حيث يأخذون الذهب والفضة من الناس لسكها ثم يدفعون لهم نقوداً تعادلها في القيمة ، وكان التجار هم أكثر المتعاملين مع الصيارفة، بل كان أهل المصارف يساهمون في شركات تجارية تضامنية مع عدد من التجار .
ويمكن القول أن الصيارفة قدموا خدمات كبيرة للتجار فكانوا خير مساعد ومشجع لنشاطهم التجاري، من حيث التصريف النقدي والتسليف والقروض، بل كان وجودهم حفظاً لأموال التجار وحماية لمعاملتهم النقدية من خلال استعمالهم السفاتج والصكوك فسهلوا بذلك التبادل التجاري بين أقاليم الدولة الإسلامية .
وكذلك كان للمصارف الخاصة تعامل مع الدولة فساهم الصيارفة أحياناً في حل الأزمات المالية التي تمر بها الدولة، فأورد الطبري أن أحد الصيارفة ساهم بمشاريع عمرانية في سنة 157هـ في خلافة المنصور، وكذلك اقترض السفاح من الصراف أبي مقرن ألف درهم لسد حاجة الدولة المالية ، واستعان علي بن الفرات بصرافين من أهل الذمة سنة296هـ محاولة لحل أزمة مالية ، واستعان الوزير علي بن عيسى بيوسف بن فنخاص وهـارون بـن عمران الصرافين ، وكذلك اقترض الوزير عبد الله بن محمد الكلوذاني عام 318هـ، من أبي بكر بن؟ قرابة مائتي ألف دينار بربح درهم في كل دينار، واقترض أيضا الوزير الحسين بن قاسم من الصراف المذكور .
واهتمت الدولة الإسلامية بشؤون الناس ومصالحهم فأولت الصيارفة وأعمالهم أهمية بالغة نظراً للدور المهم الذي يلعبه هؤلاء في الأسواق والمعاملات المالية فجعلتهم تحت عين المراقبة ووضعت الضوابط لأعمالهم وفرضت العقوبات على المخالفين منهم، وكذلك وضح الفقهاء ضوابط محددة لعمل الصيارفة خشية وقوعهم في الربا، فكانت حسبة على الصيارفة حيث كان يراقب عملهم خشية ترويجهم العملة المزيفة ومراقبة موازينهم ومنع تعاملهم بالربا، وأوكلت للمحتسب مهمة متابعة أسواق الصيارفة للوقوف على المعاملات الجارية فيها ، وأصدرت الدولة عقوبات على المخالفين تراوحت بين الحبس والتعزير ، ولم تقتصر عملية المراقبة على المحتسب بل تعدتها إلى الأمراء فورد عن ناصر الدولة أنه بلغه أن الصيارفة يربون رباء ظاهراً فأحضرهم وحذرهم وأحلفهم فتحسن قبيح أمرهم قليلا ، وذلك سنة 331هـ.
وأخيراً يمكن القول بأن المصارف الخاصة لعبت دوراً مهماً في التعامل المالي وتشجيع المعاملات الاقتصادية وتسهيلها، وكانت تعتمد على شخصية مالكها فإن مات انحلت بعد موته . وترى من خلال الأعمال والوظائف التي كانت تقوم بها المصارف الخاصة أنها أشبه بالبنوك الحديثة.
الخاتمة والاستنتاج:
لعبت المصارف دوراً كبيراً في زيادة نشاط اقتصاد الدولة العربية الإسلامية، فكان لها الفضل الأول في إدامة حيوية أسواق الدولة واستمرار التعامل التجاري بين أطراف الدولة والمركز.
فالقروض التي قدمها الصيارفة للتجار ساعدتهم على القيام بمهامها التجارية وتوسيعها وأبقت على قوة التعامل التجاري، فساهمت إلى حد ما في ازدهار الأسواق وانتعاشها، ثم بعملية الائتمان حفظت الأموال من الضياع وأبعدت عنها أيدي اللصوص. ومن جهة أخرى استثمرت هذه الودائع بإقامة المشاريع التجارية فجنّبت الدولة بذلك من الوقوع في أزمات اقتصادية وساعدتها بالوقوف على أقدامها في مواقف عديدة.
وكان تصريفها للعملات عملاً شجع التجار الأجانب على دخول الأسواق التجارية في الدولة الإسلامية واستمرار تعاملهم التجاري مع الأسواق الإسلامية.
ومما زاد في تقدم خدمات الصيارفة في الميدان الاقتصادي أنهم كانوا أنفسهم مشتغلين بالعمل التجاري ومؤسسين لشركات تضامنية خدمت السوق الإسلامي.
ولا يُنسى الدور الذي لعبه الصيارفة في سياسة الإصلاح النقدي في خلافة عبد الملك بن مروان(65هـ/648م-86هـ/605م) إذ قاموا بسحب العملات النقدية وإرسالها إلى دور ضرب النقود لتضرب على النمط الإسلامي.
وهكذا كان من الطبيعي إذاً أن يكون للصيارفة أسواق في كل مدينة، بل أن تكون لهم مصارف خاصة وأن يكون لبعض المصارف فروع في المدن الأخرى. وبذلك كانت المصارف بمثابة حلقة وصل اقتصادية بين المدن الإسلامية.
ويمكن القول من خلال الاعتماد على وظيفة الصيرفة إنّها قريبة الشبه بالبنوك والمصارف الحديثة؛ أي أن الصيارفة كانوا يقومون إلى حد ما بما تقوم به المصارف في الوقت الحاضر من مهام، كتحويل العملات وصرف الصكوك والسفاتج وتقويم النقود وقبول الودائع وغيرها. على أن الصيرفة في الدولة الإسلامية تختلف من حيث طبيعة العمل عن المصارف الحديثة إذ إنّها لا تتعامل بالفائدة(الربا) وكانت هناك رقابة إدارية صارمة للحيلولة دون ارتكاب الصيارفة لمخالفات شرعية في التعامل المصرفي