المهر

رفيق يونس المصري

المهر

 

هناك مسائل تهمنا نحن المسلمين في حياتنا اليومية، مثل أجور المفتين الجدد، وأجور الدعاة الجدد، ومسائل النفقة والمهر أو الصداق أو الخلع من الجوانب المالية. هذه الأمور يعرضها علينا أساتذة ومؤلفون يتخذون صفة عامة، وليسوا من أهل الاختصاص في الفقه المالي أو الاقتصاد الإسلامي مثلاً. لماذا ينسى الفقهاء الماليون أو الاقتصاديون المسلمون، أو لماذا يحجمون عن تناول مثل هذه المسائل من زوايا أخرى غير الزوايا الموروثة؟

 

فالمهر في آثارنا وأخبارنا يدور بين الصفر واللانهاية. فهناك آثار تندبنا إلى تيسير المهر وتقليله وجعله مجرد مبلغ رمزي، كالذي يتزوج امرأة على خاتم من حديد، أو على تعليمها فاتحة الكتاب. وهناك بالمقابل من يرى أن المهر لا حدّ له ويمكن أن يبلغ مستويات عالية جدًا. فما الموقف من مسألة المهر هذه؟

 

أنا أرى في بعض الحالات أنه إذا كان هناك توافق بين الخطيبين، وكان الرجل لا يملك من المال إلا القليل، ويرجى أن يوفقه الله ويأخذ بيده في المستقبل القريب، ويفتح عليه ببركة زوجته وأولاده، هذا يمكن تزويجه بمهر قليل أو معدوم. وقد ينجح زواجه ويمن الله عليه وعلى زوجه ويفتح عليه بالرزق والكفاية له ولمن يعول.

 

وفي حالات أخرى تقع على الطرف الآخر قد يكون مهر المرأة عاليًا يتناسب مع حالة الزوج، ولا يكون هناك غضاضة في ارتفاع المهر إلى مستويات قد يراها من هم في طبقات اجتماعية أخرى أنها مستويات فاحشة جدًا.

 

وبين هذين الطرفين مستويات متباينة أخرى كثيرة. لكني كثيرًا ما أشاهد في الواقع أن هناك من المشايخ من لا يطبق النظريات التي يرددها، ويغالي في المهر إذا كان الأمر يتعلق بابنته، ويقلل منه إذا كان الأمر يتعلق بابنه. وتراهم يضمّون إلى المهر ملحقات أخرى قد تكسر الظهر، تحت مسميات من الأعراف والتقاليد التي ما أنزل بها من سلطان. وفوق ذلك يطالبون الزوج بحفلات مرتفعة التكاليف، في صالات محددة، وتتسع لعدد كبير من المدعوين. ومن العجيب أن أهل المرأة قد يكتفون أحيانًا عندما يتعلق الأمر بهم بحفلة بيتية  صغيرة لا تتعدى عشرة أشخاص، فإذا ما تعلق الأمر بحفلة الزوج تراهم يطالبونه بعدد كبير من جانبهم يجب دعوتهم إلى الحفل، وقد تستغرب أن يصبح العدد بالمئات، وتراهم يخرجون من نظرياتهم ومستوياتهم المعيشية ويتظاهرون بأنهم فجأة صاروا من أهل الجاه والعظمة والثراء!

 

على أنه أيًا ما كان الأمر فأنا أرى عدم المبالغة في مهر المرأة، كي لا تصبح المرأة سلعة، كما هو المشاهد الآن في واقعنا المستمد من النظام الرأسمالي، ولا يمكن لنا أن نتصور أن ارتفاع مقدم المهر أو مؤخره يرفع قدر المرأة أو يحميها من تصرفات الزوج، فقد يتصرف الزوج بطرق تجعل المرأة تنخلع من مهرها، وتزيد له عليه إذا أرادت التخلص منه مهما كان الثمن.

 

فاقتصدوا في المهور، وتجنبوا الإسراف والترف والبذخ والتبذير، ولا تقلدوا غيركم من أتباع النظم الأخرى في هذا الباب أو في أبواب أخرى، واجعلوا هامشًا للعفة والتعفف، فالنظرة إلى الشيخ المقتصد غير النظرة إلى الشيخ الأرستقراطي المترف. وهناك في الإسلام أجور، قد تتعلق بالفتوى أو بالدعوة أو بالنفقة أو بالمهر، لا يطبق فيها مبدأ تعظيم الأجور على إطلاقه، بل قد يحسن الاقتصاد في هذه الأجور، أو الاستغناء عنها كلية. لقد نقل القرآن الكريم عن الأنبياء والرسل، أنهم لا يريدون أجرًا ولا مالاً، ولا يريدون المشاححة والمشاحنة مع الناس، إنما يريدون شيئًا آخر أعظم من هذا بكثير. 

 

جدة في 22/12/1431هـ

        28/11/2010م

                                                                    رفيق يونس المصري