إدخال الإسلام في البحوث

د. رفيق المصري

إدخال الإسلام في البحوث

د. رفيق المصري

عندما سافرت إلى فرنسا للدراسة العليا، تخوفت من كتابة الأطروحة أو الرسالة، وما كنت أكتب وقتها رسائل ولا بحوثًا، كنت أكتب رسائل إلى أمي! وربما لم أكن أحسن كتابتها، وكانت أمي تسامحني وتتغاضى عني! فكيف أكتب الآن دفعة واحدة رسالة علمية أقدمها إلى جامعة، ثم تشكّل لي لجنة لمناقشتي فيها أمام الجمهور؟ قلت في نفسي : أدرس الإسلام، وأستعين به، لعل شيئًا ينقدح في ذهني، وتكون لي فيه إضافة علمية أستطيع أن أقول معها إني كتبت رسالة علمية.

 

كتبت مرة مقالاً نشرته في مجلة ( الإسلام اليوم ) عنوانه : ( عوامل الإنتاج بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد الرأسمالي : رؤية جديدة مستلهمة من الفقه الإسلامي )، نشر في العدد 9-10 لعام 1992م. لمَ لا يستلهم العقل من النقل؟ لمَ لا يستلهم علم البشر من علم الله؟!

 

درست في فرنسا وحدي القرآن والتفسير والحديث والسيرة والعلوم الإسلامية، واطلعت على بعض الرسائل العلمية في الأمور المالية، وعلى قليل من المساهمات وقتها في مجال الرسائل العلمية.

 

شبهت عملي هذا كمن أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لغرض دنيوي، فقد روت لنا السيرة أن بعض الصحابة أسلموا للمال، لكي يغدق النبي الكريم عليهم المال، ويعطيهم عطاء من لا يخشى الفقر. لكن ما هو أهم في هذه الآثار والأخبار أنها نقلت لنا أنهم أسلموا للمال في أول الأمر، ثم بحمد الله حسن إسلامهم!

 

كثير من الطلبة اليوم والباحثين يفعلون مثلي، أو أنا أفعل مثلهم، وهذا لا عيب فيه بادئ ذي بدء. لكن العيب إذا استمريت على التكسب بالإسلام من ناحية المال، أو من ناحية العلم والبحث العلمي. ومع ذلك أنا أنظر إلى ما يكتبه الشخص، وقد لا أنظر، بل ولا أعلم إلى ما يقبضه الشخص، فإن كان ما يقوله أو يكتبه حسنًا في ذاته فلمَ لا آخذ به وأؤيده وأعتدّ به وأستفيد منه؟

 

هبْ أن شخصًا لم يتكلم في حياته بكلمة نقد واحدة، لكنه  في أواخر حياته حدثته نفسه، بعد أن اختمر ونضج وتحرر من بعض الضغوط والقيود، أن ينتقد نقدًا جادًا وحادًا. وصل هذا النقد إلى القراء، منهم من قال : هذا الشخص يكتب الآن ولا أحد يصدقه! ومنهم من أخذ على نفسه أن ينظر فيما كتب، لعل الحق يكون معه، وإن جاء كلامه متأخرًا، فأن تأتي متأخرًا خير لك ولغيرك من أن لا تأتي أبدًا. أنا أنظر إلى أقواله وأتحقق منها، إن كنت قادرًا على النظر أو التحقق، وإلا وسعني السكوت، حتى يفتح الله علي بالعلم والنظر والمناظرة.

 

نعم قد يعاب على من يكتب باسم الإسلام كتابات مهلهلة، ولا يكلف نفسه عناء الدراسة والتعمق والفحص والتدقيق، يفعل ذلك فقط لمجرد كتابة مقال، أو رسالة علمية، أو بحث ترقية، ولو كان ما يكتبه يسوّد الوجه! وما أكثر هؤلاء الذين يعوضون عن الرصانة العلمية بإظهار العواطف وتملق الأساتذة واستعطافهم، لكي يمرروا لهم بحوثهم، مهما كانت ضعيفة، ومهما كانت كاذبة.

 

هؤلاء يسيئون إلى الإسلام والمسلمين عن قصد أو غير قصد. ولا أتجنى إذا قلت لك إن هذا التيار الضعيف علميًا المتملق نفسيًا واجتماعيًا هو السائد في دنيانا، ولهذا لا عجب أن يقال : إن هذا الباحث لا أعرفه، أو إن هذا الكتاب لم أقرأه، أو أن هذا الناقد ربما يكتب في أواخر حياته يستجدي وظيفة عند التقاعد، أو يبتز مالاً، أو يطلب دنيا، أو ينشد استراحة محارب في ظل الإسلام!

 

من الناس من يكتبون ذكرياتهم ومذكّراتهم، وينشرونها بعد موتهم، وبعد موت من يكتبون عنهم، وبعد رحيل ذوي النفوذ والتكبر والتجبر. ومع ذلك يقبل الناس على قراءتهم بشغف  والانتفاع بما كتبوا، ويقرؤون أعمالهم بنهم، فهم مهمومون بمعرفة الحقوق والحقائق، يريدون معرفتها، ويحرّضون الناس على معرفتها، ولو بعد موتهم وموت من يكتبون عنهم ورحيل من يخافونهم أن يبطشوا بهم!

 

ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم : إذا قامت القيامة وفي يده فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليفعل!

 

فلنعذر أصحاب الذكريات والمذكّرات، ولنقلْ في أنفسنا وأمام الناس : الحمد لله أنهم كتبوا وتجرأوا، وسعوا إلى بيان الحقيقة ولو بعد حين. ما أدراك ربما لم يكونوا يعرفونها قبل سنة واحدة!

 

إذا أعطانا الإسلام في الأول فلنعطه في الآخر، وعطاؤنا سيكون للمسلمين لا للإسلام، لأن الإسلام غني عن العالمين!