أثر السياق في التفسير

أثر السياق في التفسير

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

فإن الألفاظ المستخدمة في الكلام تتقيد دلالتها بالمعنى المناسب لسياقها في الكلام، فإذا خرجت المفردة عن المعنى المناسب لسياقها في الكلام أخرجت الكلام كله عن المعنى المراد منه، وهذه قاعدة بدهية في علم الدلالة وقواعد التفسير، فالسماء مثلاً في وضعها اللغوي تدل على العلو المطلق، فكل ما علاك سماء، ولكن يختلف معنى السماء عندما توضع في سياق الكلام بحسب السياق الذي سيقت به، فالسماء في قوله تعالى: ((وهو الذي أنزل من السماء ماء)) [الأنعام: 99] غير السماء في قوله تعالى: ((والسحاب المسخر بين السماء والأرض)) [البقرة 164]، وهكذا يتغير مدلول السماء في كل آية بحسب سياقها وما يناسبها من معنى.

كما يظهر اعتناء العلماء بالسياق في التفسير في الإعراب فهم يعتنون بتقدير المحذوف المناسب من الضمائر ليتصل المعنى ويتناسب البيان، ويعبرون عنه بقولهم (حذف اختصاراً) ومثال ذلك في تفسير قوله تعالى: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء: 79) يقول ابن عطية في تفسيره: (وقوله {وكنا فاعلين} مبالغة في الخير وتحقيق له، وفي اللفظ معنى، وكان ذلك في حقه وعند مستوجبه منا فكأنه قال {وكنا فاعلين} لأجل استجابة ذلك، وحذف اختصاراً لدلالة ظاهر القول عليه على ما حذف منه).

ومثال آخر في تفسير قوله تعالى: ({أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} [القصص:61] يقول ابن عاشور في تفسيره: (ومعنى {مِنَ الْمُحْضَرِينَ} أنه من المحضرين للجزاء على ما دل عليه التوبيخ في {أَفَلا تَعْقِلُونَ} [ القصص: 60] والمقابلة في قوله {أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً} المقتضية أن الفريق المعين موعودون بضد الحسن، فحذف متعلق {الْمُحْضَرِينَ} اختصارا كما حذف في قوله {وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} [الصافات: 57] وقوله {فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} [ الصافات: 127، 128].

ولعل من أهم القضايا التي ينبغي لفت النظر إليها عند البحث في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم هي قضية السياق القرآني وأثره وفي ضبط الدلالة المستنبطة من المفردة القرآنية، وهذا السياق بمفهومه العام يعني مناسبة دلالة المفردة – محل البحث – لما قبلها وما بعدها، يقول الرازي في ذلك: (وإنما حسن تفسير لفظ معين لشيء معين إذا حصل بين ذلك اللفظ وبين ذلك المعنى مناسبة، أما إذا لم تحصل هذه الحالة كان ذلك التفسير فاسداً)، ثم ضرب الرازي مثلاً لهذه القاعدة بقوله في تفسيره لقوله تعالى: ((إن الله يأمر بالعدل والإحسان...)) الآية [النحل: ]، فقال: (فإذا فسرنا العدل بشيء والإحسان بشيء آخر وجب أن نبين أن لفظ العدل يناسب ذلك المعنى، ولفظ الإحسان يناسب هذا المعنى، فلما لم نبين هذا المعنى كان ذلك مجرد تحكم)، أقول: والحكم في هذه المسألة هو السياق الذي تنتظم فيه المفردات، هذا مع مراعاة الوضع اللغوي وتصريف الدلالات للمفردة القرآنية.

ولنضرب مثالاً لذلك في قوله تعالى: ((فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان)) [الرحمن:37]، إذ جعل بعضهم تفسير هذه الآية ما رآه من صورة منشورة على الشبكة العنكبوتية لإحدى وكالات الفضاء لانفجار نجم عملاق اسمه عين القط وجاء الانفجار على شكل صورة وردة جورية ذات أوراق حمراء قانية محاطة بوريقات خضر، ولم يكتف بذلك بل إن هذا الكاتب حصر مدلول الآية بهذه الصورة فقط ورفض غيرها من التفاسير، ومحل الشاهد هنا هو مخالفته لسياق الآية والوضع اللغوي، فإن الآية هنا جاءت في سياق أحداث يوم القيامة، بدليل الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: ((فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جانّ)) [الرحمن: 39]، فالتنوين في (يومئذٍ) تنوين بدل، أي فيوم تنشق السماء وتقوم الساعة لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان، ثم الآية التي تليها: (يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام)) [الرحمن 41]، فهل هذه الوقائع في الدنيا أم في الآخرة؟ فإن مشهد انفجار النجوم سنة كونية منذ القدم وليس حادثة طارئة لا تتكرر؛ أما مشهد انشقاق السماء يحصل في الآخرة وقد دل لذلك آيات عديدة في القرآن الكريم ومن ذلك ((وانشقت السماء فهي يومئذٍ واهية)) [الحاقة:16]، وقوله تعالى: ((ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً)) [الفرقان 25]، وقوله تعالى : ((إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت)) [الانشقاق1- 2].

كما أن هذا الكاتب خالف اللغة في عدم التفريق بين الانفجار والانشقاق، وعدم التفريق بين النجم والسماء.

إذن فيجب على الباحث في الإٌعجاز العلمي أن يضع نصب عينيه عند بيان وجه الإعجاز العلمي في الآية القرآنية قضية السياق القرآني ومناسبة مدلول الآية لما قبلها وما بعدها ومناسبة مدلولة المفردة القرآنية لسياق الآية وجو السورة التي فيها حتى لا يقع بما يتعمده الفاسقون – مثلاً - لتبرير تركهم للصلاة بقوله تعالى: ((فويل للمصلين)) ويقفون ولا يكملون قوله تعالى: ((الذين هم عن صلاتهم ساهون)) والحمد لله رب العالمين.