تحديات التمويل الإسلامي

د. معبد علي الجارحي

تحديات التمويل الإسلامي
د. معبد علي الجارحي
يتعرض هذا المقال للعلاقة بين المصارف التقليدية والمصارف الإسلامية، قبل أن يعرج إلى بيان التحديات التي تواجه الصيرفة الإسلامية في سبيل تحقيق المزيد من النجاح والانتشار. ومن حيث العلاقات بين مؤسسات الصيرفة والتمويل الإسلامية والتقليدية فإنها تبدو مفيدة للطرفين من أوجه عدة. وتمكنت المجموعتان في ظل آلية السوق من التفاعل وتطوير علاقات عمل وتحالفات متعددة. فمن ناحية، هناك دروس متبادلة بين التمويل الإسلامي والتقليدي إذ يشتركان في تشابه حقل الأعمال واهتماماتها. وقدم الاختلاف بين أساليب التمويل التي يستخدمها الطرفان فرصا ممتازة للتعاون والعمل المشترك. ومن المجالات التي يحدث فيها ذلك بصورة يومية، التمويل المشترك وعمليات السوق المالية. وكانت المؤسسات المالية التقليدية هي البادئة بدخول حقل التمويل، ولذلك فهي مصدر ثمين للتقنيات المهنية والمعايير. أي أن المؤسسات المالية الإسلامية لديها الكثير مما يمكن أن تتعلمه من المؤسسات المالية التقليدية في هذا المجال، خصوصاً فيما لا يتعارض مع أحكام الإسلام.
كما أن المصارف الإسلامية، بما لديها من وعي بأساليبها المبتكرة، تجتهد دائما لتطوير منتجات مالية جديدة. وهذا ينطوي على كثير من الجهد لصياغة ترتيبات تعاقدية مستحدثة، في كل من جانبي المطلوبات والموجودات. وبالإضافة، إلى ذلك، تمكنت تلك المؤسسات من الاستحواذ على حمى خاص بها لا تملكه المؤسسات التقليدية. وعلى الرغم من ذلك، فإن مؤسسات التمويل التقليدية يمكن أن تستفيد من استخدام مبتكرات المؤسسات الإسلامية لخدمة عملائها بصورة أفضل.
كما هو متوقع، فإن المؤسسات المالية الإسلامية تعتمد في بعض الأحيان على نظيراتها التقليدية في التعامل مع الأسواق المالية. وكثيرا ما يتعاون الطرفان على تصميم منتجات جديدة، يشترك كلاهما في تسويقها وإدارتها. وهذا يشمل الصناديق والأدوات المالية وغيرها.
ويذكر أن الكثير من الصناديق التي تنشئها المصارف الإسلامية تتصل بأدوات مالية يتم تداولها في المراكز المالية العالمية. وكثيرا ما يجري تداول تلك الأدوات من خلال المؤسسات المالية التقليدية، التي تتميز بالقرب الجغرافي لتلك الأسواق. كما أن إدارة تلك الصناديق تتطلب أحيانا مساعدة مؤسسات الخدمات المالية التي تقع قرب تلك الأسواق والتي قد يكون لديها أحيانا صلاحية المتاجرة مباشرة فيها.
ومن أوضح مؤشرات نجاح التمويل الإسلامي أن أساليبه تغري المؤسسات المالية التقليدية باستخدامها كوسيلة لدخول سوق التمويل الإسلامية كمشاركين وأحيانا كمنافسين لها. ويعتبر ذلك مجالا مهما يمكن من خلاله تقديم منتجات مالية ذات تنوع أوسع إلى السوق. كما أن المنافسة سوف ترفع مستوى الكفاءة مما يفيد المدخرين والمستثمرين على حد سواء.
وتستطيع المؤسسات المالية التقليدية التي ترغب في تقديم منتجات مالية إسلامية تأكيد نوعية تلك المنتجات (من حيث إنها حقيقة إسلامية) من خلال التعاون مع المؤسسات المالية الإسلامية. ذلك أنه إذا أرادت مؤسسات التمويل التقليدية أن تنافس مؤسسات التمويل الإسلامية في سوق المنتجات المالية الإسلامية، فلا بد من أن تستوثق من أن منتجاتها تتمتع بالخصائص التي تؤهلها للقبول في السوق، وإلا فإن السوق يمكن أن يزدحم بمنتجات لا تقابل اهتماما كبيرا من الجمهور، خصوصاً أنه لا بد من الالتزام بقواعد التمويل الإسلامي بلا تهاون، إذا كان الغرض هو تسويق المنتجات المالية بصفتها “إسلامية”.
وإذا افترضنا أن المؤسسات المالية التقليدية التي تقدم منتجات إسلامية تلتزم بالمتطلبات التي تفرضها طبيعة تلك المنتجات، فإنه من الممكن القول إن التمويل الإسلامي سوف يتزايد القبول العام الذي يتمتع به. وسيعني ذلك أيضا أن التمويل الإسلامي ليس للمسلمين فقط، ولكنه للجميع بلا استثناء.
وإذا كان التمويل الإسلامي يتمتع بالقابلية للتطبيق والكفاءة، فلماذا لا يتجه العالم إلى تطبيقه؟ فمن الناحيتين النظرية والتطبيقية، لا يصعب على المتخصصين في الاقتصاد والتمويل أن يجدوا التمويل الإسلامي مقبولا وقابلا للتطبيق، بل ويجدون أنه يتمتع بكفاءة عالية وفاعلية كبيرة. ولذلك فليس من المستغرب أن نجد مؤسسات مالية عالمية تقدم لعملائها خدمات ومنتجات مالية إسلامية بكميات كبيرة. وكابتكار مالي، يمارس التمويل الإسلامي لأكثر من ربع قرن، مما يدعو البعض إلى التفكير في أسباب عدم قبوله على نطاق أوسع مما هو عليه الآن. وهناك أسباب عدة لذلك.
يبدو أن التمويل الإسلامي شديد الاختلاف عن التمويل التقليدي. فبينما يعتمد التمويل التقليدي على تعبئة الموارد المالية عن طريق الاقتراض وتقديم الموارد لمستخدميها عن طريق الإقراض، يعتمد التمويل الإسلامي على تعبئة الموارد المالية عن طريق مشاركة أصحابها في الربح ثم تقديم الموارد لمستخدميها بأساليب التمويل السلعي والمشاركة في الربح. ولذلك فإن الانتقال من التمويل التقليدي للتمويل الإسلامي يتطلب تغييرا كاملا في المفاهيم والآليات، ولا شك أن الأذهان تحتاج وقتا لتغيير مفاهيمها، والممارسات تحتاج وقتا أطول لتغيير آلياتها. على أننا يمكن أن نشير في هذا الصدد إلى أن استمرار المتخصصين في شرح فكرة التمويل الإسلامي ومغزاها ومبرراتها، قد أفاد كثيرا في مساعدة الكثيرين على تكوين تصور صحيح عن ذلك النهج الجديد. ومع استمرار الجهود، فمن المأمول أن يتمكن العقل المالي المدرب في المدرسة التقليدية من تكوين تصور صحيح للتمويل الإسلامي.
كما هو الحال عليه مع مؤسسات التمويل التقليدي، فإن مؤسسات التمويل الإسلامي تعمل بصورة أكثر فاعلية عندما تهيأ لها البيئة المؤسسية والقانونية المناسبة.
وهذا شيء لم يكن موجودا على نطاق واسع منذ سنوات عدة في معظم الدول الإسلامية.
مثال ذلك التحيز الضريبي المنتشر ضد الأرباح ولمصلحة الفوائد، والذي تعفى بموجبه الفوائد كليا أو جزئيا من الضريبة، بينما لا تحصل الأرباح على معاملة متكافئة. ومن بواعث الأمل أن ذلك التحيز انحسر في بعض البلدان، مما يبشر بتفهم أفضل للتمويل الإسلامي.
إن أسواق المال المعاصرة ليست معدة بصورة كافية للتعامل مع المعلومات المطلوبة من جانب التمويل الإسلامي.
حيث يتطلب ذلك خليطا من القوانين والمعايير الأخلاقية، وحيث تلعب المعايير الأخلاقية التي وضحها وفصلها المتخصصون، الدور الأكبر. وسوف تحتاج الأسواق المالية لوقت كبير قبل أن تدخلها أخلاقيات التمويل الإسلامي بصورة صحيحة. ولا حاجة إلى القول إن المعايير الأخلاقية الضرورية يمكن أن يتقبلها العقل بصرف النظر عن المعتقدات الدينية. إلا أن الدين يفيد في تحقيق الالتزام بتلك المعايير نصا وروحا.
* رئيس الجمعية الدولية للاقتصاد الإسلامي