الهيئات الشرعية الواقع وطريق التحول لمستقبل أفضل

صالح بن عبد الرحمن الحصين

بسـم الله الرحمن الرحيم

الهيئات الشرعية

الواقع وطريق التحول لمستقبل أفضل

لمعالي الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين

 

كان الخبير الاقتصادي العالمي الحائز على جائزة نوبل الأستاذ موريس آليه كتب في يونيه عام1989 ميلادية مقالة في جريدة (لومند) بيَّن فيها أن النظام البنكي الغربي سبب أضراراً فادحةً بالاقتصاد العالمي، وتتلخَّص في:

1 - إيجاد مرض خطير يتجذر في الاقتصاد العالمي، ويهدِّده بالانهيار أو بمواجهة أزمات حادَّة، إذ أصبح الاقتصاد العالمي بفضل النظام البنكي الحالي عبارة عن أهرامات من الديون يتمركز بعضُها على بعض على أساس ضعيف.

2 - استعمل المال في غير وظيفته الطبيعية، إذ يسر النظام البنكي عمليات الاسبكيوليشن Speculation، فأصبح العالم أشبه بمائدة قمار واسعة، وأصبح الاسبكيوليشن يستأثر بسبعة وتسعين في المائة (97%) من تدفُّق النقود بين بلدان العالم، ويبقى للتجارة الحقيقية ثلاثة في المائة (3%) فقط.

3 - كان ذلك سبباً لما يعانيه العالم من ضنك، وبطالة، وانخفاض في مستوى العدالة الاجتماعية.

ورأى أن لا سبيل للخلاص من الواقع والمستقبل المظلم إلا بتغيير النظام البنكي الحالي من الأساس.

يضاف إلى هذه الأضرار الواقعية والمشاهدة التي أشار إليها الأستاذ آليه:

أ - أن النظام الربوي بطبيعته نظام متحيِّزٌ لجدارة الائتمان على حساب الجدوى الاقتصادية، فيفضل في التمويل المشاريع الأقوى ائتماناً على المشاريع الأجدى إنتاجية، فتتجه الأموال إلى الأسواق الأقل حاجةً إليه، وتحرم منه الأسواق الأكثر حاجة إليه، فيعاق النموُّ الاقتصادي، ومظهر هذا في دولِ مجلس التعاوُن الخليجي، أن البنوك الربوية تشكل مجاري سريعة الانحدار تتَّجه فيها الأموال إلى الأسواق الأقل حاجةً إليها، والأضعف جدوى وإنتاجيةً بحكم حِدَّة المنافسة. (لتراجع الإحصاءات لتدفُّق الأموال الوطنية في مجلس التعاون إلى أسواق أوروبا وأمريكا واليابان).

ب - تشجيع الاستهلاك الطائش، وخلق حاجات غير حقيقية لدى متلقي التمويل، والعمل المستمر على لف حبال الرقِّ والعبودية على رقبته لصالح السيد المموِّل.

وهذا غير تأثيراته السلبية الأخرى على الاقتصاد من عدم الاستقرار وتشويه المناخ المناسب للاستثمار وغير ذلك مما لاحظه خبراء الاقتصاد.

وقد وجدت البنوك الإسلامية تصحبها طبول المبشِّرات بالخلاص من الربا، وبالتالي بالخلاص والوقاية من نتائجه المدمِّرة التي أشير فيما سبق إلى بعضِها. وبدأت إعلان شعارها الذي اعتبر مميزاً وعلامةً فارقةً بينها وبين البنوك الربوية، وهو (العمل بالنقود، وليس العمل في النقود).

والآن، وبعد مضي أكثر من ربع قرنٍ على وجود أولِ بنكٍ إسلاميٍّ، وبعد أن وصل عددُ المؤسَّسات المالية الإسلامية حوالي مائتي مؤسَّسة (عدا الدول التي أعلنت تحوُّلَها الكاملَ إلى النظام البنكي اللاربوي، الباكستان عام 1985م، وإيران عام 1984م)، ما هي الصورة الواقعية الغالبة للبنك الإسلامي؟ وهل حقَّق أهدافه؟ سأترك أحدَ أساطين المصرفية الإسلامية يقدِّم بعض الأجوبة.

في محاضرة الشيخ صالح كامل في بنك التنمية الإسلامي بمناسبة منحه جائزة البنك وردتْ هذه النصوصُ:

(إنَّنا عندما نرفع شعار تطبيق الإسلام في المعاملات المصرفية نكون قد ألقينا على عاتقنا التزاماً بأنْ ننهضَ بمقتضيات ذلك الشعار، وأن لا نَهِنَ ولا نضعف… وأن لا نركنَ للتبريرات والحيل والرخص… ومن المهمِّ في هذا الصدد أن تبدو الفوارق واضحة ملموسة بين ثمرة تطبيق النظام المصرفي الإسلامي وبين نتائج العمل المصرفي الربوي… إننا وبكل ثقة واطمئناناً إلى المصادر السماوية لمنهجنا الاقتصادي بشرنا الناس بأن آثار تطبيق الاقتصاد الإسلامي على الأمة ينعكس في قيادتها نحو التنمية الاقتصادية، وإيجاد القيمة المضافة، وزيادة المصادر… وتشغيل العاطل… وتأهيل العاجز… ولكن إذا ما تمادينا في تقليد المصارف التقليدية… وآثرنا سلامة توظيف أموالنا فسوف تغيب في التطبيق مميزات العمل المصرفي الإسلامي وتضييق الفوارق بينه وبين النشاط المصرفي التقليدي، وبذلك نكون قد خُنَّا أمانة الاستخلاف…

أقول لكم بكل الصدق والتجرُّد… إنَّنا لم نكتفِ باختيار اسم البنك فقط، ولكن أخذنا كذلك مفهومه الأساسي… وبالتالي لم نستطع أن نوجد لمؤسساتنا المالية مفهوماً ونمطاً يتجاوز مسألة الوساطة المالية، والذي حصل أنَّ الصيغ الاستثمارية المفضَّلة لدى البنوك الإسلامية أصبحت هجيناً بين القرض والاستثمار، وهو هجين يحمل معظم سمات القرض الربوي وعيوب النظام الرأسمالي الغربي، ويعجز عن إبراز معالم الاستثمار الإسلامي المبني على المخاطرة وعلى الاستثمار الحقيقي، ولا يعترف بضمان رأس المال أو عائده. ومما يدلُّ على عمق المسألة واستمراريتها أنَّ الهياكل التنظيمية لبنوكنا والتي استقيناها من البنوك التقليدية لا تعير اهتماماً لإدارة الاستثمار لا في حجمها ولا في تخصُّصاتها، بحيث تستوعب جميع ضروب النشاط الاقتصادي المنتج. واكتفينا بجهاز صغير، وجهَّزنا أوراقنا بما يتلاءم وطبيعة عملياتنا الروتينية شديدة الشبه بالدورات المستندية للأنظمة الربوية. والنتيجة التي وصلنا إليها… أنَّنا لم نتقدَّم في إبراز الخصائص الأساسية للعمل المصرفي… الإسلامي والمعالم المميِّزة له… ولم تنجاوز واقع وتأثيرات النظام المصرفي الربوي.

إنَّ النتيجة المنطقية لذلك الاتجاه الخاطئ هو تكريس التمويل تجاه الموسرين وذوي الملاءة من الذين يملكون الضمانات بأنواعها، وجعلنا المستثمر وحده يتحمَّل مخاطر الاستثمار ولا يشاركه فيها المصرف، ولم نراع في تمويل العميل الجدوى الاقتصادية لمشروعه، بل اكتفينا بالتأكد من قوة الضمانات. ولم نهتم إذا كان التمويل يسبب آثاراً تضخُّمية أم لا، أم أنه يربك نظام الأولويات والضروريات أم لا. وهكذا دون أن ندري أفرغنا العمل المصرفي من مضامينه الحيوي وأهدافه الاستثمارية. إن جوهر وثمرة تحريم الربا وقيام البنوك الإسلامية تكمن في عدمِ الركون إلى العائد المحدَّد المضمون… إنَّ النقيض للربا … هو أن يتحمَّل طرفا العملية المخاطرةَ واقتسامَ الربحِ والخسارةِ غُنماً وغُرماً. وهذا هو العدل الذي يميِّز صيغ المشاركة عن الإقراض الربوي… إنَّ عدم التركيز على قاعدة الغنم بالغرم من الناحية النظرية وإغفالها بالكامل في معظم عمليات المصارف الإسلامية والتوسع في استخدام الصيغ مضمونة رأس المال والعائد جعل العامة في حيرةٍ. ومن هذه الثغرة تمكَّن المتشكِّكون من … فتح المجال واسعاً لاستخدام العديد من الحججِ المنطقيةِ ظاهراً لتبرير وتحليل الفوائد المصرفية. وأعتقد جازماً أنَّنا لو استمررنا في هذا الاتجاه فستفقد البنوك الإسلامية الأساس النظري والعملي لقيامها واستمرارها.

هناك بلا شك آفاقٌ رحبة لنشاط البنوك الإسلامية… واتجاه موارد مالية كبيرة نحو ميدان العمل المصرفي الإسلامي ممَّا يتطلَّب استعداداً فنياًّ متكاملاً لاستيعاب هذه الموارد وطمأنة أصحابها على السلامة الشرعية لتلك الاستثمارات. وسوف يؤدي التفريط … إلى … إحباط الجماهير التي رأت في المصارف الإسلامية مخرجاً شرعياً واستثماراً ناجحاً.

من الأمور الشديدة الأهمية أن تسعى البنوك الإسلامية لاستكمال إطارها الشرعي وصيانته… وألاَّ تفرط في حرمته… وأن تستند الفتاوى إلى الأصل وليس الاستثناء، وإلى العزائم وليس الرخص). انتهى الاقتباس.

لقد أطلتُ الاقتباس من المحاضرة ليس فقط لأنَّ كاتبها من كبار العاملين في مجال المصرفية الإسلامية والمؤثرين فيها والعارفين بأوضاعها وتطوُّر مسيرتها، وإنما لأنَّها أيضاً عبَّرت بعباراتٍ أوضح عن المعاني التي أشرتُ إليها في صدر هذه الورقة.

وحسب شهادة الشيخ صالح كامل في النصوص المقتبسة فإنَّ:

1 - البنوك الإسلامية بشَّرت الناس في البداية أنَّ النظام المصرفي سيقود نحو التنمية الاقتصادية، وإيجاد القيمة المضافة، وزيادة المصادر، وتقليل البطالة، وتحقيق الفارق الأساسي بين المصرف الإسلامي والمصرف الربوي، وهو عدم ركون المصرف الإسلامي إلى العائد المحدَّد المضمون وإعماله قاعدة (الغنم بالغرم).

2 - أن البنوك الإسلامية لم تحقِّق ما بشَّرت به، فتمادت في تقليد المصارف الربوية، ولم تكتف باختيار اسم (البنك) فقط، بل اختارت كذلك مفهومه الأساس، ولم تتقدَّم في إبراز الخصائص الأساسية للعمل المصرفي الإسلامي والمعالم المميزة له. ولم تتجاوز واقع ونتائج النظام المصرفي الربوي.

3 - الذي حصل أن الصيغ الاستثمارية المفضلة لدى البنوك الإسلامية أصبحت هجيناً بين  - في البنوك الربوية - والاستثمار، وهو هجين يحمل معظم سمات القرض الربوي وعيوب النظام الرأسمالي، ويعجز عن إبراز المعالم الاستثمار الإسلامي المبني على الاستثمار الحقيقي.

4 - أن مما يدلُّ على عمق المسألة واستمراريتها أن الهياكل التنظيمية التي استعارتها المصارف الإسلامية من المصارف الربوية لا تعير اهتماماً لإدارة الاستثمار لا في حجمها ولا في نوعيتها، وقد جهزت المصارف الإسلامية أوراقها بما يتلاءم وطبيعة عملياتها شديدة الشبه بالدورات المستندية للأنظمة الربوية.

5 - كانت النتيجة المنطقية لذلك الاتجاه الخاطئ هو تكريس التمويل تجاه الموسرين ذوي الملاءة الذين يملكون الضمانات بأنواعها، ولم يراع في تمويل العميل الجدوى الاقتصادية لمشروعه، ولم يهتم بما إذا كان التمويل يربك نظام الأولويات والضروريات. وبذلك فإن البنوك الإسلامية دون أن تدري أفرغت العمل المصرفي الإسلامي من مضامينه الحيوية وأهدافه الاستثمارية.

6 - لم تركز البنوك الإسلامية على قاعدة (الغنم بالغرم) من الناحية النظرية، بل أغفلت بالكامل في معظم عمليات المصارف الإسلامية، وبدلاً عن ذلك توسَّعت البنوك الإسلامية في استخدام الصيغ مضمونة رأس المال والعائد مما جعل العامة في حيرةٍ وفتح للمتشكِّكين مجالاً واسعاً لتبرير وتحليل الفوائد الربوية. وإذا استمرت البنوك الإسلامية في هذا الاتجاه فستفقد حتماً الأساس النظري والعملي لقيامها واستمرارها.

أضيف إلى الوقائع الآنفة الذكر التي أوضحت عنه المحاضرة:

7 - تركيز البنوك الإسلامية على عمليات الاسبكيوليشن، سواء في صناديق المتاجرة بالأسهم أو العمولات، أو السلع على النطاق المحلي، أو الإسراف في استخدام الاسبكيوليشن على النطاق الخارجي.

8 - ركَّزت البنوك الإسلامية في عمليات التمويل المحلي - ربما أكثر من البنوك الربوية - على تمويل الاستهلاك وليس الإنتاج.

9 - لم تغير البنوك الإسلامية اتجاه انسياب الأموال الوطنية إلى أسواق المال العالمية، بل ربما أخذت هذه الأموال على يد البنوك الإسلامية طريقاً أسرع انحداراً وأكثر زخما.

وإذا تأملنا كل ما سبق يتَّضح أن النتائج الاقتصادية السلبية للبنوك الإسلامية من شأنها ألاَّ تختلف عن النتائج السلبية للبنوك الربوية. وإذا كان الربا لم يحرَّم لمجرَّد صورته وشكله، وإنما حُرِّم لجوهره وحقيقته، وإذا كان تحريم الربا ليس أمراً تعبُّدياًّ وإنما حرِّم لعلة معقولة، فإنَّ ما كشف عنه التطبيق العملي في هذا العصر من الآثار والنتائج المدمِّرة للربا خليقٌ بأن يعتبر علة تحريمه، أو جزءاً من العلة، أو على الأقل دالاًّ على الحكمة التشريعية للتحريم. وإذا كان الربا وهو أكبر مصيبة في الدين والدنيا أو من أكبر المصائب التي يعاني منها العالم الإسلامي لن ترفع لعنته إلا بوجود بديل مختلف في الجوهر ومنافس للمؤسسات الربوية، فإن البنوك الإسلامية في وضعها الحاضر أبعد ما تكون عن هذه الغاية. وإن استمرارها على هذا النهج سيفقدها - كما قال الشيخ صالح كامل بحق - الأساس النظري والعملي لوجودها وبقائها، وسيؤدي إلى إحباط الجماهير التي لا تزال عاطفتها الدينية هي القوة الوحيدة التي تمد البنوك الإسلامية بفرصة البقاء.

وإذا كان الأمر مثل ما وصف آنفا، فما السبب الذي أوصل البنوك الإسلامية إلى هذا المستوى من الإخفاق في تحقيق الغاية من وجودها؟

الجواب: عندما أعلن عن وجود البنوك الإسلامية كانت عاطفة الجماهير الإسلامية العارمة ورغبتها في التخلُّص من الربا دافعاً لإغراق تلك البنوك بالسيولة المالية، ولم تكن البنوك استعدت بمنتجات ملائمة لاستخدام فيض السيولة المالية فلجأت إلى الهيئات الشرعية ملتمسةً المخرج من هذا المأزق، ولم يكن أمام هذه الهيئات إلا أن تقدِّم لها حلولاً عملية تتمثَّل في صيغٍ تعتمد التركيز على ضمان رأس المال والعائد، على أساس أن تكون حلولاً مؤقَّتة.

ولكن البنوك بعد ممارستها لهذه الحلول واكتشافها أنَّها وإن كانت أقلَّ كفاءةً من نظام الفائدة الربوية إلا أنَّها لا تبعد عنها من ناحية الوظيفة، أصرَّت على أن تكون عمادَ عملياتها وأن تولّد منها صوراً مشابهة حتى صارت طابعاً مميِّزاً لها، وصارت عاملاً فعَّالاً في عزوف البنوك الإسلامية كليا عن تجربة وتطوير المعاملات الشرعية التي تبعد بالبنك عن صيغة ضمان رأس المال والعائد و تحقِّق الهدف المقصود، وهو رفع الربا ونتائجه الاقتصادية المدمرة.

وتمادى الأمر بالبنوك الإسلامية بدلاً من ذلك إلى محاولة إقناع الهيئات الشرعية بتمكُّنها من صيغٍ وأدواتٍ تقترب كفاءتها من كفاءة نظام الفائدة الربوية وتتخلَّص بقدر الإمكان من القيود العملية والشرعية التي تقصر بها عن كفاءة نظام الفائدة. وعلى سبيل المثال فإنَّ شركة الراجحي المصرفية للاستثمار طلبت قبل سنواتٍ من هيئتها الشرعية الإذن لها ببيع الأسهم نسيئةً، وقد فطنت الهيئة إلى أنَّها لو أذنت بذلك لفتحت الباب للشركة لاستعمال هذا الإجراء لعمليات التورق، ولكانت النتيجة الطبيعية أن تكون عملية التورُّق هي العملية السائدة لاستخدام الموارد وأن تستغني بها الشركة عن كل الأدوات الأخرى لاستخدام الموارد. إذ لن تحتاج - في إجابة طلب العميل التمويل - إلا أن تعرض عليه أن يشتري نسيئة أسهم شركةٍ قويةٍ معروفةٍ بأنَّ سعرها لا يتغير عادةً في المدى القصير، ثم يبيعها بالنقد، وهذه العملية يمكن أن تتمَّ في دقائق معدودةٍ، ولا تتعرَّض لتعقيدات المرابحة وقيودها العملية والشرعية. ولا تفترق عن التمويل بالفائدة إلا بتحميل العميل الفرق بين سعر البيع والشراء، وهو عادةً فرقٌ ضئيلٌ، وإذا تحمَّله البنك لم يبق فرقٌ في جانب العميل بين هذه العملية وعملية الاقتراض بالفائدة الربوية. لقد فطنت الهيئة الشرعية لشركة الراجحي إلى أنَّها لو سمحت بذلك لكانت حيلةً لاستحلال الربا مكشوفة، مدركةً الفرق بين أن تتمَّ عملية التورُّق - حين أجازها بعض الفقهاء - بين فرد عادي وآخر في ظروف خاصة، وبين أن تتمَّ بين مؤسَّسةٍ - وظيفتُها التعاملُ في النقود - وعملائِها. ليس هذا فحسب، بل إنَّ ممارسة البنك الإسلامي لهذه العملية ستكون الطريق السهل للقضاء على مشروع البنك الإسلامي الحقيقي قضاءً نهائياًّ.

إنَّ هذا الفخَّ الذي تحامته الهيئة الشرعية لشركة الراجحي قد وقعت فيه هيئة شرعية لبنكٍ آخر، فظهر قبل أشهرٍ ولا يزال يظهر إعلان البنك المشار إليه يبشِّر بأنَّه صار من السهل على العميل أن يحصلَ على النقد لمواجهة متطلَّباته فلا يحتاج إلا أن يشتري سلعةً يعرضها البنك نسيئةً ثم يبيعها لطرفٍ آخر وتتمُّ هذه العملية في البنك في وقت وجيز وبسهولةٍ ويسرٍ، وذلك في برنامجٍ وصفه الإعلان بأنَّه ابتكارٌ غير مسبوقٍ في التمويل الإسلامي.

وفي مجلَّة أهلاً وسهلاً (عدد رجب/شعبان 1422) ظهر إيضاح عن هذا البرنامج بعنوان: (لأول مرَّة في تاريخ البنوك الوطنية البنك {…} يطرح "المنتج" ليقلب موازين المرابحة الشخصية). وجاء في الإيضاح: (لأول مرةٍ في تاريخ البنوك الإسلامية يقدِّم البنك {…} "هذا المنتج"، وهو منتج إسلامي جديد غير مسبوق، يمثِّل إبداعاً خلاَّقاً لفريق تطوير المنتجات وهيئة الرقابة الشرعية … بالبنك … وقد تولَّدت فكرتُه … تلبيةً لرغبة العملاء في السوق السعودي وسؤالهم المتكرِّر عن إيجاد أداة مالية إسلامية توفِّر لهم السيولة دون تحمُّل مخاطر رأسمالية، كما يحدث في شراء العملاء السيارات مرابحة، ثم إعادة بيعها. … "هذا المنتج" يلبِّي احتياجات شريحة عريضة من عملاء البنك يرغبون في الحصول على سيولة النقدية من خلال آلية شرعية تعتمد على فقه بيع التورُّق التي أجيزت بقرار مجمَّع الفقه الإسلامي… والتورُّق جائز عند جمهور العلماء… ومن المتوقَّع أن يساهم "البرنامج المذكور" في قلب موازين التمويل الشخصي في البنوك الوطنية، لأنَّه ينهي معاناة العملاء من الخسائر الهائلة التي كانوا يتحمَّلونها في سبيل الحصول على السيولة النقدية… وبشكل ميسَّر).

كما يرى القارئ أظهر الإعلان والإيضاح أعلاه صورةَ المنتج في الواقع، تماماً كما ظهر للهيئة الشرعية لشركة الراجحي في التصور.

لقد صدق الإيضاح في القول إن المنتج المعلن عنه يقلب موازين المرابحة الشخصية، وأنَّ من المتوقَّع أن يساهم في قلب موازين التمويل الشخصي في البنوك الوطنية، ولا شكَّ أنَّ البنوك لو عملت بهذه السنة السيئة لاستغنت البنوك الإسلامية والنوافذ الإسلامية في البنوك الربوية عن أيِّ أداةٍ أخرى للتمويل بقدر استغناء البنوك الربوية بالربا المباشر.

ولماذا تلجأ البنوك أو يلجأ عملاؤها إلى الأدوات التي تعوَّدت العمل بها في التمويل كالمرابحة بما لا يلابسها من تكلُّفاتٍ وتعقيداتٍ ووقتٍ طويل ما دام قد وجدت لديهم أداةٌ سهلةٌ ميسَّرة يمكن أن تتمَّ إجراءاتها في دقائق معدودةٍ؟

ولكن الإعلان والإيضاح لم يصدقا في وصفهما المنتج، فليس إبداعاً، ولا خلاَّقاً، ولا ابتكاراً غير مسبوق. بل هو الحيلة الملعونة التي ما زال  المرابون طوال العصور يخادعون بها الله والذين آمنوا. ولم يصدق الإيضاح في دعواه أنَّ هذه الحيلة الملعونة هي التورُّق الذي أجازه مجمَّع الفقه الإسلامي وبعض الفقهاء. فهذا افتئاتٌ عليهم، لأنَّ التورُّق الذي أجازه من أجازه من الفقهاء صورةٌ مما يمكن اعتباره في تأويلهم "مخرجاً شرعياً"، وفرق بين "المخرج الشرعي" المباح والحيلة المحرَّمة. فمع أنَّ صورتَهما الظاهرةَ واحدةٌ، إلاَّ أنَّ بينهما فرقاً دقيقاً، ولكنه بحمد الله واضح كالشمس. فإذا وجدت على رأي بعض الفقهاء أو ظهرت على رأي بعضهم إرادة الفاعل المحرَّم صار الفعل حيلةً ملعونةً على لسان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

في الإعلان والإيضاح عن المنتج وقع التعبير صراحة عن إرادة المموِّل والعميل إعطاء النقود نسيئةً بعوضٍ عن النسأ، أي إرادة الوصول إلى الربا، على أنَّ الأمر في مثل هذه الحالة لا يحتاج إلى التعبير صراحة عن إرادة الفاعل، بل إذا أقدمت مؤسسة تتعامل في النقود على التمويل بصورة التورُّق فإنه يستحيل على أي فقيه أن يجدَ فرقاً بين هذه الصورة وصورة الحيلة الملعونة.

أما الهيئة الشرعية للبنك التي أجازت هذا المنتج فإنها لم تؤتَ من قصورٍ في الفقه أو قلَّة في الورع، وإنما أُتيت مِن الغفلة عن الواقع واقع المنتج الذي أظهرته صيغة الإعلان والإيضاح المنقول أعلاه، وواقع النتائج الخطيرة التي تنشأ عنه فيما لو اتخذ سنةً من قبل البنوك الإسلامية، فيصير رصاصة الرحمة موجهة لمشروع المصرفية الإسلامية، ويتحمَّل من سنَّه إزره وإزر مَن قلَّده إلى يوم القيامة.

ثمرة كل ما سبق أنَّنا لن نحتاج بعد هذا إلى أن نُثبِتَ لعلمائنا الأجلاء أعضاء الهيئة الشرعية للبنوك الإسلامية أنَّ من الطبيعي إذا سلكت طريقاً معيناً أن يوصلك إلى نهايته.

ليس لدى البنوك الإسلامية - فيما يبدو - أيُّ دافع لأن تغيِّر نهجَها، لقد زين لها علمها فرأته حسناً، أليست بالرغم من ضعف كفاءة أدوات توظيفها للأموال بالقياس لأداء الفائدة الربوية لا تزال واقفة على أقدامها في مجال المنافسة مع البنوك الربوية.

عندما سارعت البنوك الربوية لفتح نوافذ "إسلامية!!" تستخدم فيها أدوات توظيف الأموال التي تستخدمها البنوك الإسلامية، وذلك سعياً وراء اجتذاب إيداعات المسلمين المتَّقين، سمعنا صيحاتِ الفرح الساذج بأنَّ الأدوات الإسلامية فرضت نفسها على سوق توظيف الأموال، فيا له من انتصار يدعو للفخر والإعجاب، لم يدركوا أنَّه هزيمة حريَّةٌ بأنْ تنبِّه إلى حقيقة تلك الأدوات.

قبل سنواتٍ طالبت مصلحة الضرائب مكتب أحد البنوك الإسلامية في لندن بالضريبة التجارية على أعماله، وهي بالطبع تزيد كثيراً على الضريبة عن عمليات التمويل بالفائدة، فاستطاع المكتب بسهولةٍ أن يقنع مصلحة الضرائب بأنَّ عملياته وإن كانتْ صورتها تجاريةً فهي عمليات تمويلٍ حقيقية، وإنما قصد بصورتها الظاهرة "مخرجاً شرعيا" ليتجاوز الأحكام الشرعية المحرِّمة للربا.

في كثير من البلدان يحرم الربا إذا جاوز الفائدة القانونية، ولا يستطيع الشخص في هذه البلدان أن يفلت من العقاب لو مارسه الربا المحرَّم قانوناً بالصيغ التي تتَّبعها البنوك الإسلامية كمخارج شرعية. ولهذا يكون رجل الشارع في باريس أو روما على حقٍّ حينما يقول: لا نستطيع أن نخدع قضاتنا بما يحاول المسلمون أن يخدعوا ربَّهم؟

لقد استطاع موظفو البنوك الإسلامية الإداريون أن يقنعوا العلماء في الهيئات الشرعية أنَّ التحوُّل إلى الطريق الصحيح والتخليَ كلياًّ أو جزئياًّ عن صيغِ ضمان رأس المال والعائد أمرٌ غير ممكن، وكأنَّهم يريدون أن يقنعوا الناس بأنَّ الله الذي يريد أن يخفِّف عنَّا ويريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر يلجئنا إلى ما حرم من الربا، لم يصدقوا معهم فيخبروهم أنَّ المانع الوحيد للتحوُّل للطريق الصحيح هو عدم إرادتهم ذلك، واختيارُهم الطريقَ السهلَ على طريقٍ يقتضي منهم في البدايةِ بذلَ الجهدِ والشجاعةَ على التجربةِ ومعاناةَ الابتكار، وتوطينَ النفسِ على مواجهةِ الصعوبات، أو حتى الإخفاقات. لم يخبروا العلماء بالنتيجة المنتظرة في المستقبل، وهو ما عبَّر عنه الشيخ صالح كامل بفقد البنوك الإسلامية الأساس النظري والعملي لقيامها واستمرارها.

بل إن الأمر قد يكون أقربَ من ذلك، إذ لن يطول الوقت قبل أن تواجهَ المؤسسات المالية في دول مجلس التعاون (إسلامية أو ربوية) وضعاً صعباً ناتجاً عن دخول بلدانها منظَّمة التجارة الدولية، أو عجزها عن دخول هذه المنظمة. إنَّ الآثار السلبية للعولمة - كما تقتضي طبائع الأمور - ستصيب أول ما تصيب المؤسسات المالية. ولن تجد البنوك المحلية لها عاصماً من تلك الآثار، إلاَّ بتحوُّلها إلى نظامٍ مغايرٍ قادرٍ على الوقوف في مجال المنافسة الحادة، هذا النظام هو فقط النظام الإسلامي الحقيقي.

السؤال قبل الأخير

إذا كانت فلسفة توظيف الأموال في البنوك الإسلامية هي نفسها فلسفة البنوك الربوية "التعامل في النقود، وليس التعامل بالنقود"، وإذا كان تركيز البنوك الإسلامية في استخدام الموارد على الأدوات التي تستهدف العائد المحدَّد المضمون مثل البنوك الربوية، وإذا كانت الأدوات التي تستخدمها البنوك الإسلامية أضعف كفاءةً من الأدوات التي تستخدمها البنوك الربوية، فبينما تتَّصف الأدوات البنوك الربوية بالبساطة تثقُل أدوات البنوك الإسلامية بالقيود والتكلُّفات وعمليات المكياج التي تفرضها محاولة إبعاد صورتها عن صورة الأدوات الربوية، ولا تتوافر لأدوات البنوك الإسلامية الفعالية والمرونة التي تتوافر للبنوك الربوية، فغاية ما تسمح به أدوات البنوك الإسلامية أن تحقِّق لها مقابل الفائدة البسيطة الفائدة التعويضية، أما أدوات البنوك الربوية فتحقِّق لها الفائدة البسيطة والفائدة المركَّبة، الفائدة الثابتة والفائدة المتغيِّرة، الفائدة التعويضية والفائدة التأخيرية.

إذا كان الأمر كذلك، وهو الواقع، فما السر في أنَّ البنوك الإسلامية لا تزال واقفةً على أقدامها بجانب البنوك الربوية، مع أنَّ الميدان ميدان منافسة والمقيد لا يمكن أن يجاري المطلق في ميدان السباق؟ إن السر في ذلك اعتماد البنوك لا على مقدرتها الذاتية، وإنما على قوةٍ خارجية، وهي عاطفة عملائها الدينية المبنية على ثقتهم المطلقة بأنَّ البنوك الإسلامية إنما تتحرَّك وفق توجيهات ورقابة العلماء أعضاء الهيئات الشرعية.

معنى ذلك أنَّ قوة وقدرة البنوك الإسلامية مستمدَّة كليا من وجود هيئاتها الشرعية وموافقتها على أعمالها.

السؤال الأخير

إذا كان من أهمِّ المهمات وأوجب الواجبات ومن أفضل القربات والعبادات رفع لعنة الربا عن المجتمعات الإسلامية، وإذا كانت الحكومات غير قادرةٍ - حتى لو أرادت - على أن ترفع لعنة الربا في العالم الإسلامي، إذ غاية ما تستطيعه تجريم الربا وإصدار القوانين بإلغائه. ويدلُّ المنطق وما تقتضيه طبائع الأمور وشواهد الواقع على عجز القوانين على رفع هذه اللعنة، إذ لا يمكن - عملياًّ - رفعُ الربا إلا بوجود مؤسساتٍ مالية بديلةٍ تقوم بوظيفةِ تعبئة الموارد واستخدامها وتفترق عن المؤسسات الربوية في الجوهر وتستمد قوتها من ذاتها لا من خارجها.

وإذا كان هذا البديل لن يتحقَّق إلا بتغيير البنوك الإسلامية الحالية مسارَها بحيث (تبدو الفوارق واضحةً وملموسةً بين ثمرة تطبيق النظام المصرفي الإسلامي وبين نتائج العمل المصرفي الربوي "وتحقِّق ما بشرت به البنوك الإسلامية" بأنَّ آثار تطبيق الاقتصاد الإسلامي على الأمة ينعكس في قيادتها نحو التنمية الاقتصادية وإيجاد القيمة المضافة وزيادة المصادر وتشغيل العاطل) - حسب ما عبَّر الشيخ صالح كامل فيما اقتبسنا من محاضرته - وهذا لا يمكن أن يتحقَّق إلا إذا توجَّهت إرادة البنوك الإسلامية إلى التغيير وإلى عدم الركون إلى صيغ العائد المحدد المضمون.

ولما كانت البنوك الإسلامية إنما تستمدُّ قوتها التي هي عماد بقائها من هيئاتها الشرعية، فإنَّ الهيئات الشرعية للبنوك الإسلامية هي وحدها القادرة على حملِ البنوك الإسلامية على تصحيح مسارها وإيجاد البنك الإسلامي الحقيقي.

نتيجة المقدمات السابقة أنَّ الهيئات الشرعية أقدر من كل أحد على إيجاد البديل الحقيقي للربا، وبالتالي رفع الربا من المجتمعات الإسلامية. ولا يطلب من الهيئات الشرعية لهذه الغاية العمل، إنما يطلب منها عدم العمل، أي: أن تتوقَّف عن ترميمِ البيت الذي لا يصلح للسكنى، وترقيعِ الثوب الذي لا يستر عورة، أن تتوقَّف عن تشجيع البنوك الإسلامية على التمادي في خلق الأدوات والعمليات شديدة الشبه بالدورات المستندية للأنظمة الربوية - حسب ما وصف بحقٍّ الشيخ صالح كامل -، وأن تجعل شرط بقائها معاونةً لهذه البنوك أن تتَّجهَ إرادة البنوك إلى أن تتحول ضمن خطة زمنية محددة إلى المصرفية الإسلامية الحقيقية.

وبعد هذا الإيضاح فعلماؤنا الأجلاء أقدر على تصوُّر مسؤوليتِهم أمام الله، وأورعُ إن شاء الله من ألاَّ يقدروها حقَّ قدرها.

وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه.

 

 

أعلى الصفحة                     الصفحة السابقة                        صفحة المقالات                     الصفحة الرئيسة