المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال

د. عبد القادر ورسمه غالب

تشرفت بالمشاركة والحديث في مؤتمر غرفة التجارة الألمانية العربية الذي تم قبل أيام في برلين عاصمة ألمانيا التي تحتل مكانا بارزا كأكبر الاقتصاديات العالمية، ولهذه الخصوصية فقد ضم المؤتمر العديد من الشركات والمهتمين في ألمانيا وأروبا وأمريكا وغيرهم وأعتقد أن الجهات المنظمة نجحت في اعداد هذا الحشد مع حسن تنظيم والنجاح في ادارة الوقت. لقد طلب مني تقديم ورقة عمل تتناول تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمشاكل القانونية واللوجستية التي تواجهها هذه الفئة الهامة في كافة المجتمعات خاصة الأروقة الاقتصادية والتجارية.

ان دور هذه المؤسسات ومن يملكها من رواد الأعمال، من دون شك، كبير للدرجة التي تملأ كل أطراف الدنيا لأننا نجد هذه المؤسسات في كل ركن وفي كل طريق أو ممر. نجدهم يملأون الدنيا وهم يقدمون لنا كل ما نحتاجه من المأكل والملبس والمشرب وكافة الخدمات الصغيرة والكبيرة المعقدة والبسيطة وكل ما نتطلع اليه نجده جاهزا وتقدمه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال، ولهذا فهم يملأون الآفاق ويسدون السماء، ولا أتخيل الحياة بدون الخباز والجزار والمزارع وأصحاب المقاهي والحلاقة والخياطة والموبايل والسيارة والمسكن والتعليم والطب والبناء والصيانة ... وجميع هذا تقدمه  لنا المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والرواد.

ولكن بالرغم من هذه الأهمية القصوى والفعالية الفاعلة في تحريك الاقتصاد وتشغيل العمالة وتحفيز المنافسة....، الا ان هذه الشريحة الهامة من المجتمع التجاري الاقتصادي، تواجه الويل وتواجه العديد من المشاكل التي تعيق نشاطها وتحول دون تدفق أفكارها. لماذا ؟ وهنا بيت القصيد، وتم طرح أسئلة كثيرة من الأطراف المشاركة في المؤتمر. وطالبوا بمعرفة الأسباب و وضع الحلول للسير للأمام.

ان أي جهة تطلب التمويل، يجب عليها أن تكون جاهزة لإعادة هذا التمويل في وقته المحدد المجدول ، وكذلك عليها في البدء تقديم الضمانات التي تضمن اعادة أموال التمويل. هذا قد نجده عند الشركات الكبيرة والبيوتات التجارة العتيقة ولكنه منعدم بالنسبة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال نظرا لأن غالبيتهم العظمي ربما في بداية الطريق أو بداية المشروع أو بداية التجربة والخبرة... ولهذا نجد هذه الغالبية لا تملك ما تقدمه كضمانات لإعادة سداد مبالغ التمويل. وهنا المعضلة الكبرى، وهذه المعضلة في كل مكان لأن جهات التمويل وخاصة البنوك التجارية عليها الحرص التام علي الحصول علي هذه الضمانات المقبولة حتي تضمن الاستمرارية ولتتجنب مخاطر التعثر وعدم السداد. نقول هذا، خاصة وأن جهات التمويل ليست جهات خدمات اجتماعية ومساعدات انسانية، انما هي جهات مالية تعمل وفق ضوابط وأنظمة محكمة والا فهناك الانهيار والدمار المدمر.

أشرنا لضرورة "ضمان" و"تأمين" الأموال والتسهيلات التي تمنح للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وروادها حتي تستمر وتنتج وتعمل وتعود الفائدة لكل المجتمع. والعديد من الدول فطنت لهذا الأمر وسعت بجدية نحو توفير هذه الضمانات وهذا التأمين. وقبل أيام دعي الرئيس أوباما رواد الأعمال من كل العالم لمؤتمر جامع وتحدث معهم عن أهمية دورهم في تطوير الاقتصاد والمجتمع وتحريك دولاب التجارة، ولم يقف أو يكتفي بهذه الاشادة فقط بل قال ان أمريكا تكفلت بإنشاء "نظام ضمان" لهم ولأعمالهم وأفكارهم بمبلغ يتجاوز 30 مليار دولار... وهذه خبطة صائبة، وهذا موقف أمريكا قائدة اقتصاد العالم وسيكون لهذه التوجهات ما بعدها من نجاحات بسبب ضخ الدماء الدولارية كضمان ضامن لهذه المؤسسات، وسنري المزيد من ابداع رواد الأعمال في أمريكا وسنري المزيد من أمثال بيل جيتس. وهكذا أمريكا، وهكذا يتصرف دائما العظماء، ولنستفيد من تجاربهم وتجارب غيرهم حتي نجني معهم الفوائد.

من المشاكل المزمنة الخاصة بهذه الفئة، الحاجة الماسة للتدريب والأخذ بيدهم ومعاونتهم في خطواتهم الأولي حتي تقوي سواعدهم وأرجلهم ثم نتركهم للسير بمفردهم. التدريب والعناية بصقل المواهب وتقديم الدعم اللوجيستي من الأمور ذات الأهمية العاجلة، ولذا أشرنا الي أن هناك ضرورة لإقامة مراكز التدريب المهني بكافة أشكاله واقامة الحاضنات ومراكز العناية الشاملة لكل أنواع الخدمات والدعم الأولي والمتوسط... لفترة من الزمن لتمكينهم التمكين الكافي للانطلاق والاعتماد علي أنفسهم. وهذا واجب هام علي الدولة يجب أن تضع له الأسس التشريعية والاقتصادية حتي تنهض هذه الفئة الماردة القوية وتشارك لاحقا في نهضة البلاد والعباد.

نظرا لعدم توفر التمويل الكافي وفي الوقت المطلوب ونظرا لعدم توفر الخبرة والتجربة، وهذا ما ينطبق علي هذه الفئة وما عليها، ولذا فان نسبة كبيرة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال تتعرض للخسائر وللفشل والانهيار التام ولهذا مردود سيء عليهم وعلي أسرهم بل وعلي دولهم. نقول ان الفشل والتعرض للمخاطر، بصفة عامة، يعتبر من أبجديات أساسيات كافة الأعمال خاصة التجارية، وسقوط ونهاية هذه المؤسسات أو غيرها بالرغم من أنه مؤلم الا انه لا يعني نهاية الدنيا بل يجب علي الجميع أخذ العظة مما حدث وما يحدث وعليهم العمل بجدية لعدم تكرار التجارب الفاشلة والاستفادة منها للتقدم للأمام. ولهذا ففي العديد من الدول توجد برامج إنعاشيه لانعاش هذه المؤسسات عندما تتعرض للضربات أو للتوقف، بل هذا واجب علي الدولة وعلي كل المجتمع ضرورة التكاتف لمساعدة المحتاج بقدر المستطاع. والحافز القوي الداعي لهذا، أننا نري نجاح باهر لنسبة مقدرة من هذه المؤسسات ورواد الأعمال وهذا النجاح دليل علي امكانية حدوثه ونموه بقيادة آخرين. واذا كان في الامكان فلماذا لا يحدث للغالبية. كل هذا ممكن لكنه يحتاج للعزيمة ووضوح الرؤية في أهمية الدور لهذه المؤسسات لأنها ستقود اقتصاد العالم اذا وجدت العناية.

اشرنا الي أن البنوك، في الفترة الأخيرة، أصبحت تولي هذه الشريحة عناية خاصة وتم تأسيس دوائر خاصة في البنوك للعناية بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وهذه خطوة ايجابية. ولكن لا بد من السير نحو الميل الاضافي المتمثل في وضع لوائح خاصة بمعايير مرنة تستطيع التعامل مع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال بطريقة لينة وسهلة خاصة في ما يتعلق بإعادة التمويل. ومن الضرورة بمكان أن يتم التعامل مع كل حالة علي حدة علي حسب وضعها وامكانياتها ومدي سير المشروع وتقدمه ومدي جدية الأطراف... هذا للقناعة التامة بان هذه الفئة ذات وضع خاص ويجب أن يكون لهذا الوضع الخاص خصوصيته. ونري أن تتدخل الجهات الرقابية والاشرافية في هذا الخصوص والتوجيه برعاية هذه المؤسسات مع منحها الخصوصية الخاصة.

ان المستقبل سيكون لهذه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وروادها لحساسية الادوار التي تتبناها وتقوم بها، ونتيجة لهذا فان ازدهارها وتقدمها سيكون طوق النجاة للعديد من الدول خاصة بعد انهيار أسعار النفط الذي كان ينفخ جيوب هذه الدول دون كبير عناء، ولهذا الانهيار المدوي للنفط حان الوقت للبحث الجاد عن تنوع مصادر الدخل لتحريك الاقتصاد، وهنا يمكن لهذه المؤسسات لعب الدور الريادي... وعلينا الاحسان لها حتي تحسن لنا.