ما هي الصيانة?

د. سامر قنطقجي

عُرفت الصيانة منذ زمن بعيد، لكن مفهومها تبدل حسب الزمان والمكان، وكذلك أنواعها وأسلوب تنظيمها. فقد استخدم المسلمون مصطلح "حد العمارة" كمرادف بديل للصيانة. وهذا ما نجده في فتوى الزيلعي عندما أفتى في "حد العمارة" من خلال فهمه للاستعمال العادي للموقوف (أي مفهوم الصيانة العادية) وذلك بقوله:بقدر ما يبقى الموقوف على الصفة التي وقفه بها (الواقف)، لأن الصرف إلى العمارة ضرورة إبقاء الوقف ولا ضرورة في الزيادة.
وواكب مفهوم الصيانة التطورات التقنية المتسارعة التي دخلت في مجالات الإنتاج الصناعي وغير الصناعي، مما أدى إلى تبلور أهمية تكاليف الصيانة كعنصر من عناصر التكلفة . وأصبح لزاماً على الإدارة الناجحة مجابهة نمو هذه التكلفة عن طريق تبني الأساليب العلمية المناسبة التي تؤدي إلى القرار الصائب.
وتعرّض تعريف الصيانة لتقلبات متعددة في معانيه طبقاً للنواحي العلمية التي مرت بها الصيانة ، ونجد أن معظم تعاريف  الصيانة ركزت على أمور أساسية يمكن تلخيصها كالآتي:
(1) الصيانة عمل أو مجموعة أعمال.
(2) أنها تهدف لإعادة الأصل لحالته الأولية للقيام بوظيفته.
(3) أنها تتضمن الكشف عن الأعطال كعمل وقائي  لتجنب الأعطال المثيلة المتوقع حدوثها مستقبلاً.
(4) وأخيراً ، تركّز معظم التعاريف على التكلفة الاقتصادية.
ويقترح الباحث تعريف الصيانة على أنها : "عمل أو مجموعة من الأعمال الفنية التي تهدف إلى تلافي الأعطال ، ومعالجتها (إن وجدت) بغية استرجاع الأصل (المعطب أو الذي سيعطب) إلى حالته الأولية التي كان عليها ، مما يضمن قيام الأصل بوظيفته الإنتاجية ، وذلك بتكلفة اقتصادية  للقيام بهذا العمل أو هذه الأعمال".
كما أن الأتمتة والتقدم التقني ساهما في تعقيد النواحي الهندسية ، وأصبحت المهارات المطلوبة لتركيب وصيانة خط آلي أو غرفة تحكم هي أعقد من التقنيات المطلوبة لوضع محرك في حالة عمل وإجراء الصيانة اللازمة له ، كما ساعد هذا التطور على فتح أسواق واسعة نحو إدخال التكنولوجيا وتغلغلها في جميع أوجه الأنشطة الصناعية ،ذلك مما أدى إلى ضرورة التخصص في عمليات الصيانة وبدء ظهور إدارة  لها تقدم خدماتها المستقلة عن إدارة الإنتاج ، ولكنها بقيت تشكل دعامة للإنتاج كماً ونوعاً ، وغدا نجاح وحدة الإنتاج واستمرار تشغيلها مرهوناً بكفاءة إدارة الصيانة وفعاليتها .
ويلاحظ أن مفهوم الصيانة اقتصر في الماضي على الإصلاح ، الذي يجري بعد توقف الآلة وخروجها من العمل ، أي أن " الصيانة كانت مرادفة للإصلاح" ، فكانت تختص بإصلاح ماتم فساده عندما يتم الفساد فعلاً . ولم تكن مسببات العطل ُتكتشف إلاّ بعد حين وبعد تكرار التوقف . ولكن انصرف التفكير بعد الحرب العالمية الثانية نحو ضبط مصاريف الصيانة باستخدام النماذج الرياضية ، إلا أن التطبيق العملي كشف عدم فعالية الكثير من هذه النماذج واستبدلت بهذه النماذج نماذج أكثر تطوراً. ولم تعد وظيفة الصيانة بذلك قاصرة على المفهوم التقليدي من حيث كونها مجموعة من الأعمال الهندسية والجهود الفنية التي ُيعهد بها إلى عدد من المهندسين أو الأخصائيين ، بل أصبحت جهداً إدارياً متكاملاً يُشرف عليه مسؤول إداري، قد يصل إلى أعلى المستويات الإدارية في التنظيم، ويمارس وظائفه الإدارية بكل عناصرها وأبعادها.
ولعل من أهم المشكلات التي تعاني منها الدول النامية، تعود بالدرجة الأولى إلى إهمال الدور المهم لإدارات الصيانة. ونذكر على سبيل المثال لا التحديد بعض المشكلات التي تعاني منها هذه الدول:
-           مشكلة الكهرباء: إن الأزمة التي مرت بها سورية في الأعوام الماضية عندما بلغ انقطاع التيار الكهربائي 18 ساعة من أصل 24 ساعة. ولا عجب أن السبب هو عدم إجراء الصيانة اللازمة (الوقائية منها) في المواعيد المقررة لها (من قبل الشركات المصنعة أو المشغلة لمحطات التوليد).
-            مشكلة المياه: تتبلور مشكلات الصيانة في شبكات المياه والسدود، في اختلاط مياه السيول بشبكات المياه العامة، والسبب الرئيسي في ذلك التقصير في تطبيق الصيانة الوقائية لأن الضعف في شبكات المياه العامة يؤدي إلى اهترائها عندما تصطدم سيول الأمطار الجارفة بها .
-             مشكلة التلوث : بما أن معظم الصناعات تنبعث عنها عوادم ونفايات تتناسب طرداً مع سوء الحالة العامة للمصنع لذلك يساهم الإهمال في تطبيق الأسس الصحيحة للصيانة إلى تفاقم مشكلات التلوث البيئي.
-              المشكلات التي تواجهها مؤسسات القطاع العام الصناعي : والتي غالباً ما ترد أسباب القصور فيها إلى سوء في إدارة الصيانة، وتقع هذه المؤسسات في التعقيد الخاص بإجراءات الصرف والشراء والاستيراد الخارجي فتكون الفترات اللازمة لتأمين قطع التبديل متفاوتة مما يسبب توقفاً للإنتاج (أحياناً) . إضافة لمشاكل التضخم الهيكلي في موظفي وعمال الصيانة.
ويرى الباحث أن الأسباب الكامنة خلف مثل هذه المشكلات يمكن أن تعود إلى أحد الأسباب التالية أو مجموعة منها :
(1)   عدم مراقبة القطع التبديلية وقطع الغيار اللازمة للصيانة ، حيث إن هذه القطع يحكمها عامل الندرة الاقتصادية وازدياد الطلب عليها ، مما يزيد من سعرها ويجعلها تشكل عبئاً من أعباء التكلفة.
(2)   عدم ضبط المهارات التي تتضمنها نشاطات تنفيذ الصيانة ، فأُهملت الاختصاصات في هذا المجال وكذلك الدورات التدريبية لرفع المستوى والمهارات الفنية ، مما جعل هذه القدرات الداخلية والخارجية ذات فعالية متدنية جداً.
(3)   عدم مقابلة زيادة الأتمتة في الآلات وخطوط الإنتاج بعمليات صيانة خاصة بها وهذه التقنية تختزن رأسمال مستثمر في طياتها وأي توقف أو تعطل ُيمثل هدراً لهذا الاستثمار.
(4)   عدم مراقبة الاهتراء والصدأ مع وجوب مراقبتهما لما يسببانه من إفساد واهتراء للآلات ، فهما عدوان يجب محاربتهما.
(5)   عدم استخدام التقنيات الفنية والإدارية من أجل الاستخدام الكامل لتجهيزات المؤسسة لمواجهة الأعطال أو الصيانة غير المخططة ومعالجتها بنجاح قبل أن تؤثر على البنية التنظيمية للمؤسسة.
(6)   إن زمان ومكان الصيانة لا تفرضهما الإدارة من خلال التخطيط الجيد بل العكس ، فالصيانة تفرض نفسها بالزمان والمكان غير المطلوبين .
(7)   عدم بناء نموذج للصيانة لكل مؤسسة أو كل صناعة يتناسب مع إمكانياتها وحاجاتها ليكون مقياساً لشكل إدارة الصيانة فيها ويحدد ويصف أنشطة الصيانة الواجب توافرها.
(8)   عدم شمول الصيانة لجميع الوحدات في المؤسسة ( خطوط إنتاج وآلات وتجهيزات وبناء وجميع الأجهزة المكتبية ).
وبالإضافة إلى ما سبق ذكره ، فإن الباحث اختار هذا الموضوع المهم للأسباب التالية :
1) دور إدارة الصيانة الحيوي وأثره في حياة المؤسسة .
2) شح الأدبيات والأبحاث والدراسات وخاصة باللغة العربية التي تعطي هذا الموضوع حقه من الاهتمام.
3) اعتبار بند الصيانة من عناصر الجودة في المقاييس النمطية الدولية ISO 9001,ISO 9002  مما يبرز الاهتمام بالصيانة دولياً.
4)  تقارير المؤسسة الدولية لأبحاث الصيانةInternational Foundation for Research In Maintenance (IFRIM) وكذلك أبحاث جامعة Eindhoven University of Technology.
يعالج البحث الموضوع في سبعة فصول. وهي متاحة على صفحة الإدارة للتحميل.