الغش المحاسبي - توشيبا كحالة دراسية - (كلمة رئيس تحرير مجلة الاقتصاد الإسلامي العالمية - العدد 45)

د. سامر مظهر قنطقجي

كلمة رئيس التحرير

الغشُّ المحاسبيُّ

- توشيبا كحالة دراسية -

الدكتور سامر مظهر قنطقجي

"الغِشُّ" في لسان العرب نقيضُ النُّصْحِ، وهو "الخِداع والاحتيال".

إنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مرَّ على صُبرةِ طعامٍ، فأدخلَ يدَهُ فيها. فنالت أصابعُهُ بلَلًا. فقالَ: ما هذا يا صاحبَ الطَّعامِ؟ قالَ: أصابَتهُ السَّماءُ يا رسولَ اللَّهِ! قالَ: (أفلا جعلتَهُ فوقَ الطَّعامِ كي يراهُ النَّاسُ؟ مَن غَشَّ فليسَ منِّي) (صحيح مسلم)، وفي رواية: (مَن غشَّنا فليسَ مِنّا)، وفي رواية: (ليسَ مِنا مَن غشَّنا).

لقد شاع بين الناس ما يُعرَفُ بالغِش، وتعرضَّتْ منظمةُ التجارةِ العالَمية للغشِ التجاريِّ، أمّا ما سنتناوله في هذا المقالِ فهو "الغِشُّ المحاسبيُّ" لأهميته وشِدّة أذاه. فإذا كان الغشُ التجاريُّ يقع في الأسواق خلال ممارسة عمليات التبادل؛ كـ (التلاعب بالسعر، أو بالمواصفات خلال عمليات العَرض، أو عمليات الإنتاج)، فإن الغشَّ المحاسبيَّ يقعُ في المكاتِب الخلفية للشركاتِ بشكلٍ غير ِمرئيٍّ ويصعبُ على غير المختصِّ متابعتُه؛ لأنَّ مَن يقومُ به إداراتٌ تنفيذية لديها سلطةٌ واسعة مدعومة بسلطة مجالس إدارتها في أغلبِ الأحيان؛ لذلك هو "غِشٌ يتمُّ عن قصدٍ وسابقِ إصرارٍ".

والغشُّ ليس حديثَ العهدِ؛ لأنّ الأقدمِينَ فعلُوه، روى القرآنُ الكريم فعلَ قومِ شُعيبٍ عليه السلامُ الذين كانوا (يُطفِّفونَ الميزان، ويتلاعبون بالمكيال)، فذمَّ فِعلَهُم وتوعَّدُهم بالويلِ، والويلُ وادٍ في جهنم، قال اللهُ تعالى: وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴿١﴾ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿٢﴾ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿٣﴾ سورة المطففين.

والتطفيفُ والوزنُ يطالُ عملَ المحاسبِ؛ لأنّه "وزّانٌ" يتدخَّلُ بنهايةِ كلِّ فترةٍ ماليةٍ للتقديرِ والقياسِ، وهو يُحاوِلُ أن يكون موضوعياً - أي غيرَ مُنحازٍ - بالتزامِه المعاييرَ المحاسبية، ورغم ذلك يبقى هناك منطقةٌ ضبابية يُمكن لبعض المحاسبينَ ألا يكونوا فيها موضوعِيينَ - خاصّة إذا كانت الإدارةُ التنفيذية تتَّصِفُ بضَعْفِ المِراس المحاسبيّ، أو أنها بـ (الفعل تقصدُ التلاعبَ بالحسابات) لأغراضٍ تخصُّها. والأنكى من ذلك أن تقوم بهذا التلاعُب أو أن تتغاضى عنه شركاتُ التدقيق المحاسبيِّ - خاصّة منها العِملاقة -، والتي من المفترضِ أن تكون شاهداً على صحَّة العمل المحاسبيِّ وحياديَّته بمهنيةٍ عاليةٍ.

وقد فعلتْ ذلك كُبرى شركاتِ المحاسبة العالمية؛ لذلك "لا عُذْرَ، ولا استهجانَ، ولا استهانة بالغشِّ المحاسبيِّ". فالغشُّ الذي مارستْه شركةُ التدقيق المحاسبي "أرثر أندرسون" في التستُّرِ على تلاعُب شركة "أنرون" عملاق الطاقة الأمريكية سبَّب فضيحةً عالمية كبيرة، فأفلست "أنرون"، وأفلسَ معها مئاتُ الشركاتِ الصغيرة، كما خرجت "أرثر أندرسون من السوقِ لِسوءِ سُمعتِها.

تلجأ الإدارات عادة إلى أسلوبين لتحقيق الغش المحاسبي، فإمّا أن تحسّنَ صافي أرباحِها (الحاليَّة، أو المستقبليّة).

تحسين ُصافي الأرباحِ الحاليّةِ:

يكون ذلك بتضخيم أرباحِ الفترة بـ (تضخيم إيراداتِها، أو تخفيضِ مصروفاتِها).

يؤدي هذا الأسلوبُ إلى تضمينِ إيراداتِ الفترة الحالية أرباحاً تخصُّ فتراتٍ لاحقةً؛ حيث الأصلُ إثباتُها في فتراتٍ لاحقةٍ؛ وذلك بهدفِ تضخيمِ أرباح الفترة؛ فالإداراتُ التي تقومُ باتِّباعِ هذا الأسلوب تُراهِنُ على تحسُّن ِالأرباحِ المستقبلية، فإن لم يحصل ذلك، فستسْتمِرُ بالتلاعُبِ بحجم الأرباح خلال الفتراتِ المختلفة حتى يحصلَ المرادُ بتحسُّنِ الأرباحِ بصورةٍ طبيعية في المستقبل، أو أن يحصلَ ما لا يحسُن عُقباه.

مثال ذلك:

ما فعلتْه "توشيبا" التي اعترفتْ بنهاية الرُّبعِ الثالث عام ٢٠١٥ عن تضخيمِها لأرباحِها بنحو ١.٢٢ مليار دولار (ما يعادل ١٥٥َ مليار ين) لسبع سنوات متتالية؛ ممّا أدّى إلى تكبُّدِها خسائر بعد الفضيحة، وأطاحت بقادتِها.

فالخسائرُ البالغة ٣٧.٨ مليار (ين) ياباني (٣١٨ مليون دولار) تُقابِلُها أرباحٌ محقٌّقة في العام السابق قَدْرُها مليار (ين)؛ أيّ أنّها حولّت وضعَها من (خاسرٍ إلى رابحٍ) والواقعُ غير ذلك. لقد تبيَّن أنّ الإدارةَ التنفيذية ضغطتْ على المحاسبينَ لتأجيلِ تسجيل بعض الأعباء، وأخفَتْ جُزءاً من أعبائها المالية وتلاعبتْ بقيمة الاهتلاكِ لإظهار نتائجِها المالية بأفضلَ ممّا هي عليه.

تحسينُ صافي الأرباحِ المستقبليةِ

يكون ذلك بتخفيضِ أرباحِ الفترةِ الحالية بتخفيضِ إيراداتها، أو تضخيم مصروفاتِها.

يؤدي هذا الأسلوبُ إلى ترحيلِ أرباح الفترة الحالية الى فتراتٍ قادمةٍ؛ حيث تقوم الإدارةُ بالمسارعةِ في إثبات مصروفاتِها (غير المستحقَّة) التي تخصُّ فتراتٍ مقبلَةٍ في حساباتِ الفترةِ الحالية لكسبِ الوقت بإظهار أرباحٍ مستقبليةٍ أكبرَ؛ ممّا يُعطي انطباعاً عن جَودة عملِها.

وأغلبُ الحالاتِ أنّ هذه الأفعال مصدرها مجلس الإدارة أو الإدارة التنفيذية، فكلاهما أو أحدهما يصادر الشركة لمصلحته فيسيطرُ عليها ناسياً أن عملَه يقومُ على أساسِ الوكالة عن المساهمِينَ، وغايتُه هي:

-      تحسينُ صورةِ الإدارة.

-      التلاعُبُ بأسعارِ أسهُمِها.

-      رفعُ مكافآتِ مجلسِ إدارتها.

-      رفعُ تعويضاتِ إدارتِها التنفيذية.

لكن بازديادِ الفضائح المالية، فإنّ القلقَ يُصيبُ السوقَ وهذا مؤدّاه زعزعتُها، فيُفْقِدُ الناسَ بما فيهم الحكوماتِ الثقةَ بها، وهذا ما أعربَ عنه وزيرُ المالية اليابانيّ (تارو آسو)، قائلاً: قد نفقدُ الثقةَ في الأسواق المالية وفي بورصة طوكيو إذا لم تكنْ هناك حوكمةُ شركاتٍ حقيقية.

طُرُقُ التلاعُبِ المحاسبيِّ:

ذكرَ مركزُ الأبحاث والدراسات المالية والتحليل في الولايات المتحدة الأمريكية سبعَ طُرِقٍ تُستخدَم للتلاعُب في القوائم المالية، وتتَّجه جميعُها نحو تحسينِ صورة الأرباح لـ (لفترة الحاليةِ، أو للفتراتِ المستقبلية)، وتتلخَّصُ تلك الطُرق بالآتي:

  1. تسجيلِ الإيرادات المستحقَّة لسنواتٍ تالية في السنة الحالية، بينما تتطلَّبُ القواعدُ المحاسبية الدولية والمتعارف عليها تسجيلَ إيراداتِ كلِّ فترةٍ بما يخصُّها.
  2. تسجيلِ إيراداتٍ وهميةٍ كـ(تسجيلِ عمليات بيعٍ وهميةٍ لتضخيم الإيرادات)، وتسجيل مبيعاتٍ متعلقةٍ بأموالٍ تمّ استلامُها كـ(قروض، أو إيراداتِ الاستثمارات)، وليس كإيرادٍ ناتجٍ عن النشاط التشغيليِّ.
  3. تضخيمِ الإيرادات بالأرباحِ الرأسمالية: الأرباحُ الرأسمالية تكون غيرَ متكرِرةٍ وغير ناتجةٍ عن نشاط حقيقيٍّ، كـ(إيراداتِ بيعِ الأصول الثابتة، أو إعادةِ تبويب بعض أرصدة الميزانية) لتحقيقِ إيراداتٍ وهمية.
  4. ترحيلِ مصروفاتٍ تخصُّ العامَ الحاليَّ لأعوامٍ تالية: مثال ذلك: (أ) رسملةُ بعضِ المصروفات التشغيلية وعدمُ تحميلِها على قائمة الدخل للفترة الحالية لاهتلاكِها خلال فتراتٍ قادمة؛ لزيادة صافي أرباح الفترة الحالية، (ب) تغييرُ بعضِ السياسات المحاسبية المستخدمة لترحيلِ مصروفاتِ أعوامٍ سابقة، (ج) خفض احتياطاتِ ومخصَّصاتِ بعض الأصول.
  5. عدمِ تسجيل أو تعمُّدِ تخفيضِ الالتزاماتِ بغيرِ وجْهِ حقٍّ؛ حيث تحجمُ بعضُ الإداراتِ عن تسجيل المصروفاتِ المستحقَّة ضمنَ الخصومِ. أو تثبتُ إيراداتُها المستقبليةُ في الفترةِ الحالية مقابلَ تأجيل ِالتزاماتها.
  6. ترحيلِ الإيراداتِ الحاليةِ إلى فتراتٍ تاليةٍ حيث يؤخِّرُ تسجيلُ الإيراداتِ الحالية في الفترة التي تخصُّها بينما تسجيل في فتراتٍ لاحقة؛ وذلك للإيحاءِ بأنّ الإدارةَ تحافظُ على ثباتِ مستوى إيراداتِها على مدار عدّةِ فتراتٍ.
  7. تسجيلِ بعض المصروفاتِ التي تخصُّ فتراتٍ مستقبليةٍ خلال الفترةِ الحالية؛ وذلك لإظهارِ البيانات المالية للفترات المستقبلية بصورةٍ أفضلَ؛ فعندما تتوقّعُ إدارةُ الشركةِ حدوثَ خسائرَ عن الفترة الحاليةِ فإنّها تقومُ بتعليةِ تلك الخسائر ببعض المصروفاتِ التي تخصُّ الفتراتِ القادمة طالما أنّ الخسائرَ موجودةٌ؛ وذلك لـ (زيادةِ أرباحها، أو تقليلِ خسائرها) مستقبلاً لتحسينِ صورة قوائمِها المالية عن الفتراتِ المستقبلية على حساب الفترة الحالية للإيحاءِ بأنّ الإدارةَ بذلتْ بالمجهودِ اللازم لتحسينِ الوضع الماليِّ.

إنّه ورغمَ تطوُّرِ معايير المحاسبة والمراجعة الدولية، والسعي الحثيثِ إلى تحقيق الإفصاحِ وتحديد عناصر الشفافية فإن الغشَّ المحاسبيَّ قائمٌ وموجود، لا يحدُّ منه كثرةُ الضوابط؛ فالفسادُ الكبير لبعض أشخاص الإدارة القائمين على العمل الذين يهدفونَ منه إخفاءَ سُوءِ الوضع المالي لإدارتهِم للتدليس على ضَعفها، وضَعف معدَّلاتِ النموِّ التي تحقِّقُها، أو لـ (زيادةِ الأرباح بصورة غير شرعية لزيادة مكافآتِهم وتعويضاتِهم التي تُقرِّرها الجمعية العمومية. وقد وجَّهَتْ "توشيبا" أصابعَ الاتهامِ نحوَ مسؤوليها التنفيذيينَ، وقامتْ برفع دعوى على خمسة منهم، متهمَّةً إياهُم بالغشِّ في الكسبِ والتسبُّبِ بهذه الفضيحة.

وفي تحليلٍ ماليٍّ كنتُ قد نشرتُه عام ٢٠٠٨ م عن أحد المصارف الإسلامية السورية تبيَّن أن نسبة المضاربة المصرَّح عنها في بداية التقرير ٣٠َُِِِّ٪ ثم تجد بزاوية إحدى الصفحات الأخيرة من التقرير البالغ حوالَي ٨٠ صفحة مبلغَ المضاربةِ دون بيانٍ يدل عليه، وبحساب نسبتِه نجد أنّه لا يتجاوزُ ٢٦٪، وهذا(غِشٌّ تم بإغراق البياناتِ لإخفاءِ معلوماتٍ مهمَّة، والهدفُ تميُّز إدارةِ هذا المصرفِ عن سائرِ المصارفِ بتوزيعها عائداً أفضل لأصحابِ حساباتِ الاستثمار بهدفِ امتصاصِ سيولة السوق، ومِن ثَمَّ الظهور أمامَ الجمهورِ والمسؤولين الحكوميين بمظهرٍ أفضل لتحقيق بعض المزايا والشهرة. وهذه منافسةٌ غيرُ شريفةٍ تعتمدُ الغشَّ والاحتيال.

كما يُعتبرُ عدمُ التصريحِ عن حجمِ الديون المظنونة (المشكوكِ فيها) والتصريحِ عنها في ميزانياتِ (مصرف) يعيش الحربَ في سوريةِ لخمسِ سنواتٍ متتاليةٍ هو غشٌّ واحتيالٌ يهدفُ للمحافظةِ على بقاءِ الإدارة التنفيذية على رأس السلطة، والمحافظةِ على رواتبِها المرتفعة جدَّاً؛ بل وإعطائِها الحقَّ بطلبِ التعويضاتِ السنوية مقدَّرة بالدولار لتحاشي سعر ِصرف الليرة المتدهور؛ فهذا من إدارة المخاطرِ الشخصية، أمّا عدمُ التصريح عن الديون المظنونة في القوائم المالية (برأيهِم) فليس مِن قواعد إدارة المخاطر، ولا مِن سياسات التحوُّطِ المحاسبية، وهذا غيرُ مقبولٍ. إنّ عدمَ التصريحِ عن اكتشافِ هكذا احتيالاتٍ وتقديمِها للجمهورِ الماليِّ صاحبِ العلاقة (المساهمِ، وغيرِ المساهِم)، مؤدّاه "ضبابيةٌ في سوقِ الاستثمارِ؛ بسببِ عدمِ الإفصاح والشفافية، وهذا يُحقِّق كساداً في تلك السوق، ويؤدِّي لعدمِ كشفِ المخطئ ومُعاقبَته كما فعلتْ "توشيبا" بقادتِها؛ بل مكافأتُه كما حصلَ في المصرفِ الإسلاميّ المشارِ إليه.

لقد توجَّه الرئيسُ التنفيذيُّ لشركة توشيبا (ماساشي موروماشي) بالقول: إنّنا نوجِّهُ اعتذاراً شديدَ اللهجة عن قيامِنا بخُذلانِ المساهمِينَ والمستثمرينَ وأصحابِ المصالح في شركتِنا وبعد قيامِنا بذلك قرَّرنا اقتطاع المكافآتِ من المديرين التنفيذيينَ كافّةً.

إن التلاعُب والغشَ والاحتيالَ مرتبطٌ بالقائمينَ على التنفيذِ؛ حتى لو أرستِ المعاييرُ الدولية ضوابطَها للحد منه. والحلُّ الصحيحُ يكون بما قالَه عُمَرُ رضيَ اللهُ عنه: "إنّ اللهَ يَزَعُ بالسلطانِ ما لا يَزَعُ بالقُرآن"، وفي هذا إشارةٌ واضحةٌ لدورِ الحكوماتِ وأُولي الأمر؛ فالغشَّاشون والمحتالُون يمكنُهم الاستفادةُ من ثغراتِِ الأنظمة والقوانين إذا لم يكن لديهم الرادعُ الذاتيُّ إضافةً للرادعِ الرقابيِّ الخارجيِّ.

مثالُ ذلك:

استغلالُ البعضِ لِما أجازه المعيارُ المحاسبيُّ الدوليُّ رقم ٣٩ (الأدوات المالية: الاعتراف والقياس) من حرية للشركاتِ المساهمة تقويم استثماراتُها في الأسهُمِ والعقاراتِ والأراضي نهايةَ كلِّ عامٍ - التي تُشتَرى بغَرَضِ المتاجرَة والاستثمارِ قصيرِ الأجل -؛ حيث تُضافُ الفروقُ بين أسعارِ تكلفةِ شراءِ هذه الاستثماراتِ وأسعارِها في السوق إلى أرباحِها السنويةِ، أو لقيمةِ حقوقِ مساهمِيها؛ لإظهارِ القيمة العادلة لأصولِها في مُوازناتِها السنويةِ، أو القيمةِ الفعلية لأصولِها وخُصومها؛ ممّا ينعكسُ على سِعرها العادلِ في الأسواق. (جريدة الحياة، ٣٠-٦-٢٠٠٧).

كانت استثماراتُ الشركاتِ في هذه الأصول قبلَ تطبيقِ هذا المعيار، تُدرَجُ في موازناتِها السنوية بسعر الكلفةِ أو السوقِ أيهما أقلّ. فتتحمّل الشركةُ في نهايةِ كلِّ عامٍ خسائرَ استثماراتِها، إذا تدنَّت أسعارُها السوقيةُ عن قيمةِ كُلفتِها، في حين تُقوَّمُ بسعرِ تكلفتِها إذا كان سعرُها في السوقِ يتفوَّقُ على سعرِ تكلفتِها، طبقاً لمبدأ الحيطةِ والحذَر؛ لذلك لم تكن قيمةُ استثماراتِها في بياناتِها المالية تعكسُ قيمتَها الفعلية.

وبناءً على ذلك؛فقد أضافتْ معظمُ الشركاتِ المساهمة (في المنطقة) عام ٢٠٠٥َ الأرباح الناتجة عن تقويم أصولِها إلى قوائمِ دخْلها، متخلِّيةً عن خيارِ إضافتها الى حساباتِ حقوقِ المساهمين، ممّا ساهمَ في:

-      تضخيمِ أرباحِ هذه الشركات لرفع سعرِها السوقيِّ مستغلِّينَ انخفاضَ الوعي الاستثماريِّ لدى شريحة كبيرة من المستثمرينَ، وسيطرةِ ثقافة المضاربة.

-      حصولِ مُديري الشركاتِ وأعضاء مجالس إدارتها على مكافآتٍ تشكِّلُ نسبةً من أرباحِها الصافية.

بينما قامت عدَّةُ شركاتٍ بإضافةِ أرباحِ تقويم الاستثماراتِ إلى حقوقِ مساهميها؛ باعتبارها أرباحاً استثنائية، فأبعدتْها عن أرباحِها الصافية خلال عامَي (٢٠٠٦ و٢٠٠٧َِِْ) م واكتفت بإظهار أرباحها التشغيلية؛ ممّا خفض أسعارَ أسهمها.

وبادرتْ بعضُ الجهاتِ الرقابية منعَ المصارف من توزيع أرباحٍ على المساهمِينَ مصدرُها إعادةُ تقويم الاستثمارات حِفاظاً على حقوقِ المودعِين.

نظريةُ الوكالةِ:

إنّ مجلسَ الإدارةِ وكيلٌ عن المساهمِينَ، وهو يُوكِّلُ بدورِه رأسَ الهرم التنفيذيِّ، وقد يُشارك معه في اختيار عناصر ِالإدارة التنفيذية الأكثر أهمية؛ إذاً: يعملُ الجميعُ بنظريةِ الوكالة، وهذا هو شأنُ الشركاتِ المساهمة. فكيف يتمادى الوكيلُ عمّا وُكِّلَ به؟ وبأيِّ حقٍّ يتصرَّفُ مُنفرداً دون العودةِ للهيئةِ العامَّة وهي المالكُ الحقيقيُّ؟ أم أنَّهم يتحكَّمونَ بذلك على أساسِ أنها لُعبةٌ.

"إنّ ظُلْمَ الشريكِ لشريكِه بَغيٌ وعُدوانٌ على مالِه" سواءٌ تمَّ الظلمُ مباشرةً، أو عبرَ وكيلٍ له، يقول اللهُ تعالى على لسانِ نبيِّه داوودَ عليه السلامُ في تحكيمٍ له بين شريكينِ: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ) ۗ(سورة ص: ٢٤) والخلطاءُ همُ الشركاءُ فـ (الشركة لا تقومُ دونَ خلطِ أموالِها خلطاً لا يُميِّزُ فيه الشريكُ حقَّه عن غيرِه وبذلكَ يكون الجميعُ مشتركينَ في كلِّ أصولِ وخصوم الشركة ولهم الحقُّ مشتركينَ في كلِّ جزئيةٍ من الربح. وتوضِّحُ الآيةُ الكريمة أنّ صفاتِ مَن ينجو مِن البغي من الشركاءِ، أو وكلائهِم قليلونَ، وهُمُ المؤمنونَ الذين يعملونَ الصالحاتِ.

إنّ صفةَ الشريكِ تُجاهَ شريكِه هي الجِدِّيَّةُ والموضوعيّةُ وعدمُ المحاباةِ والمداراةِ التي تضيع الحقوق؛ فعَن السائبِ قالَ للنبيِّ صلّى اللهُِ عليهِ وسلّمَ: (كُنْتَ شَريكي في الجاهليةِ، فكُنْتَ خيرَ شريكٍ، كنتَ لا تُدارِيني ولا تُمارِيني) (صحيح ابنِ ماجَه).

لذلك ينبغي على إداراتِ السوقِ ومُحتسبيها منعُ حصولِ تجاوزاتٍ كهذِه، وعدمُ التساهُلِ معها نهائيَّاً لأثرِها السيءِ على آلياتِ عملِ السوقِ، وعليها المطالبةُ بمزيدٍ من إجراءات الحوكمة - خاصَّةً تطبيقِ مبدأِ تعارُضِ المصالحِ لضبطِ عمل الإدارة التنفيذية، وتحقيقِ استقلاليتِها عن عسفِ مجالسِ الإدارة وإدارتها التنفيذية، فما نفعُ أنظمةِ الرقابة الداخلية وتطبيقِ المعايير المحاسبية أمامَ تسلُّطِ الرئيسِ التنفيذيِّ أو مجلسِ الإدارة؟

ولابُدَّ أن يكونَ الشركاءُ ووكلاؤهُم التنفيذيونَ مِن المؤمنينَ الذين يعملونَ الصالحاتِ - كما ذكرتِ الآيةُ - ؛فرقابةُ اللهِ تعالى للفردِ تولِّدُ رقابةَ العامل لسلوكِه، يُضافُ لذلك البُعدُ الفنِّيُّ ليكونَ اختيارُ العمالةِ صحيحا وهذا ما يُساعِدُ إداراتِ السوقِ في تطبيقِ سياساتِها الرقابية الداعمة؛ فقَد اشترط"الماورديُّ" في أحكامِه السلطانيةُ أنه يشترطُ فيمنَ يصحُّ أن يتقلَّدُ العمالةَ، أنّه يستقلُّ بكفايتِه ويوثَق بأمانتِه. والكفايةُ هي ما يعلمُه من علومٍ وما يمتلكُه من خِبراتٍ فنِّيَّةٍ؛ أمّا الأمانةُ فمصدرُها الأخلاقُ التي يعبِّرُ عنها السلوكُ والذي يُقوّمُه الإيمانُ باللهِ والخوفُ منه، فليسَ كلَّ قانونيٍّ شرعيٌّ، وتطبيقُ القانونِ مُجرَّداً من أيِّ رُوحٍ ومعنىً لا يعني أنّ الإنسانَ يسلكُ مسلكاً صحيحاً ولا يُبرِئُ ذلك ذِمَّةَ فاعلِه؛ فمَن طبَّقَ المعيارَ ٣٩ الآنفَ الذِّكْر ومال كل الميلِ نحوَ مصلحتِه ضارباً بالحائطِ مصالِح موكليهِ قد خانَ الأمانةِ، أمّا لو كان صالِحاً لأحالَ الأمرُ للجمعيةِ العامَّةِ موضحاً ومبيِّناً المحاسنَ والمثالِبَ بوصفِهم أصحابَ الحقِّ وليس هو صاحبه؛ لذلك سطَّرُ القرآنُ الكريم ُقاعدة اختيار العمالة بآية تتلى إلى يوم القيامة، قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴿٢٦َََ﴾ القَصص. فهل يقوى أولئك الغشَّاشون على أنفسِهم ويتجاوزون أطماعِها؟

لقد حذَّرَ نبيُّ اللهِ من مآلاتِ عدمِ فِعلِ ذلك فقالَ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم:(إذا وسِّدَ الأمرُ إلى غَيرِ أهلِه فانتظرِ الساعةَ)؛ لذلك لا غرابةَ في سقوطِ "أنرون" رغمَ كونِها عملاقَ الطاقة، ولا في سقوطِ "أرثر أندرسون" رغم كونِها من كُبرياتِ شركاتِ المحاسبةِ في العالم، ولا في تزعزُعِ "توشيبا" رغم أنها تنتجُ شريحةً واسعة من المنتجات الالكترونية وصولاً إلى إنتاجِ الطاقة النووية، والقائمةُ تطولُ بعدما أسرفتِ الإداراتُ التنفيذية في سلوكياتِها إثرَ فضائحِ الأزمة المالية العالمية الأخيرة.

ونختمُ بنصيحةٍ جامعةٍ لمن يميلُ إلى الطبعِ المادِّيِّ المحسوسِ، يقولُ رسولُ الهُدى صلى الله عليه سلم - في جزء من حديثٍ -: (السَّعيدُ مَن وُعِظَ بِغَيرِه).

 

حماة (حماها الله) ١٢ مِن جمادى الأولى ١٤٣٧هـ ـ الموافق ٢١ من شباط/فبراير ٢٠١٦م