الاقتصاد السلعي والاقتصاد النقدي

د. سامر مظهر قنطقجي

حالياً اقوم ببحث عن اقتصاد المقايضة ( تبادل السلع والخدمات ) في ضوء الشريعة الاسلامية ومقارنتها مع النظم الرأسمالية الحديثة، وسأكون شاكراً لمن لديه معلومات عن هذا الموضوع سواء من الناحية الشرعية او الاكاديمية او قائمة بالمؤسسات العاملة في هذا المجال، آراء شيوخنا الكرام، علاقة المقايضة بالوساطة التجارية ..الخ
أرجو منك مراجعة النموذج الرياضي للربا من موقع مركز أبحاث فقه المعاملات فحديث الأصناف الستة قد أرسى معايير التبادل في الاقتصادين النقدي والسلعي. وهناك أيضا معيار شرعي ضمن المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة معايير المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية بالبحرين AAOIFI. ويمكنك العودة إلى كتابي ضوابط الاقتصاد الإسلامي في معالجة الأزمات المالية العالمية من موقع مركز أبحاث فقه المعاملات ففيه ذكر للمعيار ولغيره مما له علاقة.
مما هو معروف أن نظام المقايضة (سلعة-سلعة) هو نظام اقتصادي قديم حلّ محله الاقتصاد النقدي من خلال تبادل (سلعة-نقد) لكن التطور الاقتصادي العالمي أعاد نظام المقايضة للوجود ثانية من خلال البورصات حيث أصبح التبادل السلعي مألوفا من جديد.
وبما أن الاقتصاد الإسلامي صالح لكل زمان ومكان مع مراعاة مصالح الأفراد والجماعات على حد سواء، فإن حديث الأصناف الستة أوضح أن (الثمنيات والمطعومات وما يصلح) هي فئات تجب فيها شروط لابد من تحقيقها ليكون التبادل سليماً من الشائبات الربوية وفي هذا استقرار للنظام الاقتصادي المحلي والعالمي على حد سواء، وهذا ما أثبتته الأزمات المالية العالمية كلها، ودليل ذلك ميل البنوك المركزية العالمية إلى خفض سعر الفائدة إلى حدود الصفر تقريبا. لكنهم لا يتعلمون إلا بالممارسة فلابد من ضربات قاسية يستشعرون بها بأس نظامهم المالي غير السوي.
والانتقال للتبادل النقدي واضح في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تفعل، بل بع الجمع بالدراهم وابتع بالدراهم جنيبا) فتوسيط النقد دعوة للانتقال إلى التبادل النقدي لأنه أسلم في كثير من الأحيان لسهولة احتساب تكلفة وقيمة الأشياء المتبادلة، بينما يصعب ذلك في المثليات حيث التبادل سلعي سلعي.
إن الاقتصاد الإسلامي لا يُخرج النقود عن وظيفتها التبادلية ويأبى لها أن تكون سلعة تباع وتشترى. فإذا كان لابد من تبادل النقود بالنقود وضع الاقتصاد الإسلامي للتبادل شروطا ضابطة تمنع الزيادات الوهمية في الاقتصاد، فتبادل 100 ريال بأجزاء تعادل 100 ريال يجب فيها تماثل الكميات والتقابض في المجلس ولا تجوز الزيادة، فإذا اختلف النقدان المتبادلان كتبادل 100 ريال ب 1200 ليرة سورية فجاز اختلاف الكميات لاختلاف الجنسين لكن شرط التقابض في المجلس. أما في الاقتصاد التقليدي فإن بيوع الصرف تجري بالمستقبليات والخيارات وغيرهما كوسائل للتجارة والتحوط مما أوقع الاقتصاد النقدي في مهالك أتعبته. وأمام ذلك شرع البعض إلى الانتقال إلى التبادل السلعي السلعي للبحث عن الأمن في تبادلاته وخشية ضياع قيمها نتيجة المبادلات الوهمية الآسنة. فعاد الناس إلى التبادل السلعي ابتعادا عن التضخم الذي يأكل قيمة نقودهم وثرواتهم.
والتضخم له أسباب كثيرة منها الضرائب التي ترفع الأسعار دون داعٍ سوى تمويل النفقات العامة للحكومات المسرفة، وكذلك الفوائد الربوية التي ترفع الأسعار بسبب الزيادات الحاصلة دون أية قيم مضافة حقيقة.
من جهة أخرى فإن لاقتصاد المقايضة شروطاً هو الآخر، فلابد من حيازة أحد البدلين أو كليهما وإلا وقعنا في مشكلة التبادل الوهمية من جديد وهذا أثره جليّ تماما في الأزمة المالية العالمية، فالبيع دون الحيازة أدى لدخول الاقتصاد المحلي والعالمي إلى حالة الاقتصاد الورقي.
 
وتضيف الهندسة المالية الإسلامية شروطاً أخرى ذات أبعاد اجتماعية فالأشياء المتبادلة يجب أن تكون مفيدة لا ضارة وقد أسمتها بالسلع والخدمات الطاهرة أو الطيبة فلا يمكن تبادل لحوم الخنازير لضررها ولا الخمور لضررها ولا المخدرات والتبغ لضررهما وهكذا.
ومن البيوع ما يؤثر على حقوق المتبادلين فلا يجوز الغرر ولا القمار لأنه في ذلك إجحاف لطرف على طرف، وفي المدى الطويل تختل العلاقة بين أطراف السوق وتجعل الفوارق بينهما كبيرة فيصبح أحدهما عاجز عن الشراء والآخر عاجز عن البيع مما يدخل السوق في كساد غير محمود. ويضاف إلى ذلك بيوعاً ضارة بأحدهما كتلقي الركبان والبيع على البيع والسوم على السوم .. الخ وكلها لها نفس الآثار السيئة، فإما أن تضغط على جانب الطلب فتشوهه أو على جانب العرض فتشوهه وكل ذلك ممنوع.
 
ثم ينجم عن التبادل النقدي والسلعي ديونا في حالة التبادل الآجل لأحد البدلين، والهندسة المالية الإسلامية ضيقت تبادل الديون لأنها ناجمة عن التبادل السلعي وهي ليست سلعاً بل امتداد للنقود في وظيفتها لذلك منع تبادل الديون إلا حوالة بمثلها وبشروط أيضاً تضمن عدم المساس بحقوق المتبادلين لضما استمرارهما في السوق وعدم خروج أحدهما منه وإلا دخل الاقتصاد في ركود وكساد.
وقد توج الاقتصاد الإسلامي ذلك كله بضرورة الإفصاح والشفافية لما لهما من دور في انضباط السوق، فقال صلى اله عليه وسلم (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدق البيعان وبيينا) أي صدقا وأفصحا ثم بيّنا بشفافية كاملة (بورك لهما في بيعهما) أي أن العلاقة على مستوى الاقتصاد الجزئي هي تحقيق لمصالحهما وعلى مستوى الاقتصاد الكلي سيكون السوق في رواج (وإن كذبا وكتما) أي لم يفصحا ولم يصدقا باللجوء إلى الغش والتدليس وإخفاء كل أو بعض البيانات (فعسى أن يربحا ربحا ويمحقا بركة بيعها) فإن عملية التبادل ستتم وتحقق بعض المصالح لأحدهما هذا على مستوى الاقتصاد الجزئي، أما على مستوى الاقتصاد الكلي فسيكون الأمر انتكاساً يعبر عنه بالكساد والركود.
ولقد ذهب الاقتصاد الإسلامي أبعد مما وصل إليه Basel II بشأن الإفصاح والشفافية، في أن الدين النصيحة، فعلى البائع أو مقدم الخدمة أن يقدم للمشتري نصحاً وهو مزيد من الارتقاء بالشفافية وهذا بعد أخلاقي وسلوك اقتصادي راقٍ جداً يصعب تحقيقه دون فهم لشريعة الإسلام، حيث اليقين بأن الرزق من الله ولا ينقصه سواه، ويصعب تحقيق ذلك على الناس العاديين فهم يستغربون (والحق معهم) كيف يقول للمشتري: أنصحك بجهاز عند تاجر آخر يحقق لك ما ترمي إليه من اقتناء هذا الجهاز. بينما لو كان مشتريا وسمع هذه النصيحة لشكر وحمد ورأى في البائع أخلاقا عالية. والسبب في الاستغراب هو النظر من باب المصلحة، كما أن السبب في عدم الاستغراب الفهم الاقتصادي الدقيق، فلو ساد المجتمع أخلاقاً كهذه  لذهب المجتمع كله نحو تحقيق الجودة في العمل والجودة في الإنتاج ولارتقى الاقتصاد المحلي والعالمي نحو خدمة الإنسان وليس العكس.
ما أصبت فمن الله وما أخطأت فمن نفسي واستغفر الله العظيم.