مبدأ كفاية رأس المال للبنوك

د. عب دالقادر ورسمه غالب

ظلت وستظل البنوك تشكل هاجسًا قويًا للسلطات الرقابية الإشرافية؛ لأن البنوك لها وضع حساس جدًا وخاص جدًا، ودائمًا هناك حاجة للمتابعة وللمعالجات الخاصة حتى لا تتأثر هذه الخصوصية الحساسة ولا تتعرض لأي انتكاسات. وذلك بالطبع؛ لأن تعرض البنوك لأي انتكاسة سيقود إلى انتكاسات أخرى متتابعة متتالية وأكثر ضررا، وما حدث بعد انهيار البنوك الأمريكية بسبب مشاكل الـ «صب بريم» ليس بعيدًا عن الذاكرة بل سيظل محفورًا لفترة طويلة من الزمن والأزمان.

ولمجابهة هذه الهواجس، ومن أجل العمل الكافي لحماية البنوك والقطاع المصرفي عامة، توجد معايير رقابية صارمة ومتعددة تم ويتم تطويرها علي المستويين الداخلي والخارجي. وهذه المعايير يجب الانصياع لها والتمسك بتنفيذ أهدافها، بل العض عليها بالنواجذ، حتى تبقى البنوك قوية متينة أمينة متماسكة وبعيدة من كل ما يعكر صفوها وصفو الاقتصاد الوطني وما يدور في فلكه. والرقابة الداخلية تقوم بها البنوك المركزية عبر التفتيش المتعدد، وكل في حدود اختصاصه يضع الضوابط الكفيلة بالحفاظ علي البنوك في وضع آمن سليم معافى. وبالنسبة للرقابة الخارجية، هناك العديد من الجهات الرقابية التي تصدر الضوابط العامة والتوجيهات الإرشادية لاستيعابها واتباعها، من أجل ضمان سلامة وتناغم العمل المصرفي في كل الأرجاء وفق وتيرة واحدة قوية ومتماسكة نظرًا؛ لأن العمل المصرفي متماسك كالجسد الواحد يشد بعضه بعضًا ويصب في بوتقة واحدة.

ومن أهم المعايير الدولية، نجد متطلبات بازل وأخواتها (1) و (2) و(3) ونترقب المزيد، ولقد تم تنبي هذه المتطلبات حتى أصبحت ضمن التوجهات الداخلية. ولا بد من الإشارة إلى أن بازل (2) يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية تتمثل في الحد الأدنى المطلوب من رأس المال، ومراجعة وتدقيق السلطات الرقابية، وضوابط السوق. ومعيار رأس مال البنوك لأهميته تم التطرق له في بازل (1) وبالممارسة تم تطوير جوانب الضعف في بازل (2)، وأيضًا بازل (3) وضعت معايير بشروط جديدة لرأس المال وكفايته… وهكذا تتطور المعايير لأن رأس المال يشكل عصب البنك وعموده الفقري.

وبالنسبة لمبدأ كفاية رأس المال (كابيتال أديكواسي)، فهو ينص على ضرورة أن يحتفظ كل بنك طيلة الوقت، وتحت كل الظروف برأس مال يتناسب مع طبيعة وحجم المخاطر لدى البنك. وهذا بدوره مربوط بحجم ومدى ونوع نشاط البنك وعملياته مع ربط كل هذا بمقدرة البنك علي تعريف وقياس ومراقبة وضبط كافة أنواع المخاطر التي قد يتعرض لها البنك وأعماله. وبصفة عامة، فان قاعدة رأس المال للبنك ومدى كفايته وحدوده يجب أن تكون مربوطة بهذه المخاطر وذلك من حيث إن الحد الأدنى لكفاية رأسمال البنك يجب أن يكون ويظل كافيًا لمقابلة وامتصاص المخاطر أينما وحالما وكلما طرأت.

وفي هذا الخصوص، فان تصنيف رأسمال البنوك وفق متطلبات بازل يجب أن يكون مبنيًا على أساس العديد من العوامل، نذكر منها مستوى ونوعية رأس المال والوضع المالي الكلي للبنك، مقدرة الإدارة على عمل الاحتياطيات (ريسيرفز) كرأس مال إضافي، مدي طبيعة واتجاه حجم الديون المتعثرة، وكذلك كفاية المخصصات (بروفيشنس) واحتياطيات التقييم، مكونات ميزانية البنك مثل طبيعة وحجم الموجودات غير الملموسة ومخاطر السوق ومخاطر التركز والمخاطر المتعلقة بالنشاطات غير التقليدية، المخاطر المتعلقة بالنشاطات خارج الميزانية ونوعية وقوة الإيرادات ومدى معقولية توزيع الأرباح، مستقبل النمو لدى البنك، المقدرة على الدخول إلى سوق رأس المال للحصول على التمويل ومصادر رأس المال الأخرى متضمنًا ذلك الدعم من قبل الشركة الأم (إذا وجدت)، وهكذا…

وهذا التصنيف لرأس المال عندما يكون (1)، فانه يعني رأسمال قوي بالنسبة إلى حجم المخاطر لدى البنك. وعندما يكون التصنيف (2)، فانه يعني رأسمال مرضي مقارنة بحجم المخاطر لدى البنك. وعندما يكون التصنيف (3)، فانه يعني رأسمال أقل من مرضي ولا يدعم كل المخاطر بشكل كامل ومتكامل. وعندما يكون التصنيف (4)، فانه يعني نقص في رأس المال وفي ضوء حجم المخاطر لدي البنك فان مستقبل البنك يكون مهددًا مما يتطلب الدعم من المساهمين أو من مصادر خارجية أخري. وعندما يكون التصنيف (5)، فانه يعني نقصًا كبيرًا في رأس المال مما يهدد البنك ويتطلب الدعم القوي والفوري من المساهمين أو من أية مصادر خارجية. أهمية هذا العمل التصنيفي تنبع من أنه يوضح وبجلاء تام وضع البنك في الوقت الحالي، وما سيكون عليه الوضع في المستقبل المنظور. وهذا التصنيف سيشكل بل يوفر شفافية تامة عن وضع البنك خاصة بالنسبة لرأس المال، وهل هو قوي أو مرضي أو اقل من مرضي أو به نقص يتطلب الدعم أو به نقص كبير حاد يتطلب التدخل الفوري والدعم القوي.

ومن هذا التصنيف المهني سيعلم المساهمون والزبائن والمودعون وغيرهم من الجهات المرتبطة بالبنك، بحقيقة وضع البنك. ومثل هذه المعلومات هامة جدا لأنها ستمكن الجميع من تحديد علاقتهم المستقبلية مع البنك والى أين الاتجاه؟ وهذا التصنيف يشكل نوعًا من «جرس الإنذار» أو علامة الخطر في الطريق، وهذا الجرس وعلامات الطريق تعتبر مؤشر إسعافي يمكن من تقليل أو تلافي الخطر أو بالمقابل الابتعاد تمامًا عن مكمن هذا الخطر لصعوبة تقليل آثاره أو تلافيه…

وهذا من حسنات العمل الرقابي المؤسسي في القطاع المصرفي حيث يتم التعامل بالمكشوف وعلي المكشوف، وليس في الإمكان أحسن مما كان لأن العمل المصرفي يتم في شفافية وإفصاح وحوكمة كاملة تهدف لتنوير الجميع بـ«الحقيقة الماثلة» مما يؤدي بدوره لحمايتهم وحماية أعمالهم وأموالهم وحقوقهم. ان مبدأ كفاية رأس المال من المبادئ المصرفية المهمة التي تهدف لضمان صناعة مصرفية آمنة. ولهذا، فلنحرص عليه ونلتزم بمخرجاته حتي تصل السفينة وما بها من حمولة لبر الأمان.