البنوك ومخاطر الائتمان

د. عبد القادر ورسمه غالب

 

تقوم البنوك بتقديم العديد من الخدمات، من أهمها، خدمة تمويل المشروعات وتقديم القروض والتسهيلات المالية التي يطلبها الزبون. وهذه الخدمة لها آثار مباشرة في دعم الحركة التجارية والنهضة الاقتصادية في مختلف القطاعات، وفي النهاية تعود الفائدة للبنك والزبون معا. ولكن هذه الخدمات الائتمانية وبالرغم من أهميتها البالغة وحيويتها للبنوك، إلا أنها محفوفة بالعديد من المخاطر التي يجب على البنوك أخذها في الحسبان والتحوط التام لها عبر وضع مناهج سليمة لإدارة هذه المخاطر وإلا سيتعثر الائتمان ويهلك وستتعرض البنوك للإفلاس والانهيار. وحالات تعثر البنوك الكثيرة وتصاعدها خير دليل على جسامة الوضع وخطورته.

ونظرا لأهمية مجابهة مخاطر الائتمان وضرورة حسن إدارة هذه المخاطر الخطرة، ظلت البنوك تولي هذا الموضوع الحساس العناية الفائقة من أجل العمل على وضع كل الاحتمالات لإدارة مخاطر الائتمان حتى تضمن الاستمرارية والبقاء. ولدفع وتطوير سبل إدارة مخاطر الائتمان قامت  "لجنة بازل للرقابة المصرفية" بالتوجيه بضرورة اهتمام السلطات الرقابية للتحقق من وضع كل الأسس السليمة لإدارة هذه المخاطر.

ووفق تعريف لجنة بازل فيمكننا القول، إن مخاطر الائتمان هي عبارة عن تلك المخاطر المحتملة التي قد تنشأ بسبب عدم قدرة الطرف المقابل "الزبون" وفشله في الوفاء بتلك الالتزامات المالية المترتبة عليه وفقا لشروط العقد المتفق عليها مع الطرف الذي قدم ومنح الالتزامات "البنك". 

إن مخاطر الائتمان، وبشكل أولي أساسي، تتعلق بمحفظة القروض والسلفيات أو محفظة التمويل لدى البنك إضافة لأي موجودات أخرى مرتبطة بها. وتهدف إدارة مخاطر الائتمان بصفة أساسية إلى تحقيق أعلى معدل عائد وذلك من خلال العمل الدؤوب للمحافظة على مخاطر الائتمان في أدنى مستوى مقبول مما يؤدي بدوره إلى المحافظة على أعلى مستوى ممكن لجودة الموجودات. وتحقيق هذا التوازن يتم ويتحقق عبر إدارة مخاطر الائتمان بطريقة سليمة ذات كفاءة.

ولتحقيق هذا المراد، ظلت البنوك تبذل جهودا كبيرة مضنية وتبحث في كل الملفات وتقلب في كل الأوراق لتنجو بنفسها من التعثر، وتم إنشاء دوائر متخصصة لمجابهة وحسن إدارة المخاطر ودائرة المخاطر تضم العديد من التخصصات المدججة بالخبرات التراكمية الكافية لمجابهة "حرب" المخاطر الشرسة. ودائرة المخاطر تعتبر من الحصون الأولى المقامة لحماية البنك من شتي المخاطر ومن ضمنها مخاطر الائتمان.

وقامت لجنة بازل للرقابة المصرفية بوضع عدة معايير للاسترشاد بها عند تقييم كيفية إدارة البنوك للمخاطر الائتمانية. ومن أهم المعايير التي تمكننا من تقييم مدى وكيفية إدارة مخاطر الائتمان، هو المعيار الخاص بـ "إيجاد بيئة مناسبة لإدارة مخاطر الائتمان". وللوصول لمدى هذا المعيار، علينا أولا وقبل كل خطوة قياس ومراجعة مسؤوليات مجلس الإدارة الذي يتوجب عليه وضع استراتيجية مناسبة وملائمة لإدارة مخاطر الائتمان والعمل على تقييمها بشكل دوري سنوي أو كلما دعت الحاجة لذلك. وهنا لا بد من القول، بضرورة أن تتناول هذه الاستراتيجية كل أنواع المخاطر الائتمانية التي يمكن أن يتقبلها البنك أي "يتعامل معها" ودرجة كل من هذه المخاطر ومستوى العائد المتوقع في مقابل تقبلها.

وهذا الدور له أهميته القصوى ويتطلب من مجلس إدارة البنك الاستعداد التام للقيام بتمثيل رأس الرمح المصوب لمجابهة المخاطر مع حسن إدارتها حماية البنك وكل ما هو مرتبط به. وسياسة مجلس إدارة البنك المتمثلة في وضع الاستراتيجية، وبصفة خاصة، يجب أن تشمل صلاحيات وضوابط ومهام منح الائتمان ومتابعته اللصيقة من أجل تقييم المخاطر المرتبطة به. وتحقيق هذا بالطبع يتوقف على عدة معطيات منها نوع الائتمان ونوع الزبون وكذلك نوع القطاعات الاقتصادية والمناطق الجغرافية والأسواق سواء المحلية أو العالمية ونوع التركزات الائتمانية التي يجب أن تتناسب مع طبيعة ودرجة كل نوع من المخاطر. هذا مع ضرورة العمل، وفي جميع الأحوال، على تضييق الصلاحيات الفردية لأدنى حد للابتعاد عن المصالح وتضاربها. ويجب على مجلس إدارة البنك، أيضا، وضع السبل والمقومات التي تمكنه من الإشراف الكافي على إجراءات منح الائتمان وفقا للسياسات والضوابط المعتمدة من أجل التحقق من الالتزام التام بها مع ضرورة العمل الدائم على تقييم هذه السياسات ومدى ملاءمتها وتغطيتها لكافة أنواع المخاطر الائتمانية.

ولابد من أن تحدد الاستراتيجية، وبشكل واضح، مستوى الجودة المستهدف للائتمان والعائد منه والنمو المتوقع، وأن يتم تحديد مدى ومستويات المخاطر المقبولة وتأثير هذه المخاطر على مستوى عائد البنك المستهدف ومدى تأثيره على العبء الواقع على رأسمال البنك. وكما يتضح فإن هذه الإجراءات عبارة عن خطوات هامة لإدارة المخاطر، وهي خطوات احترازية ضرورية تحتمها ظروف العمل المصرفي وأهمية تمكينه من السير في تحقيق أهدافه بعيدا عن المخاطر القاتلة التي تؤدي للتعثر ثم الهلاك والانهيار.

وللضرورة أحكام وعليه يجب أن نأخذ في الاعتبار وضع استراتيجية سياسة إدارة المخاطر على المديين القريب والبعيد لتحقيق الفائدة المرجوة، هذا مع مراعاة المراجعة الدورية للاستراتيجية لتطويرها وتنقيحها وتفعيلها للدرجة التي تمكنها من مقابلة كل الاحتمالات ، بل وأسوأ الاحتمالات في جميع الأوقات وفي كل الظروف المحلية أو العالمية.

وغني عن القول، أن وضع الاستراتيجية وحده لا يكفي بل لا بد من وجود العناصر البشرية المؤهلة والمدربة والطموحة المتطلعة لتفعيل أهداف ومرامي الاستراتيجية للوصول لمبتغى مجلس الإدارة. وهنا، يجب على مجلس الإدارة التحقق من مقدرة الإدارة التنفيذية على حسن إدارة الائتمان وكل الأنشطة المرتبطة به بما في ذلك المخاطر. وعلى مجلس الإدارة، وبصفة مستقلة تماما عن الإدارة التنفيذية، اتخاذ الإجراءات اللازمة التي تمكنه من متابعة العمل المرتبط بهذا الخصوص والتقييم المستقل لهذا العمل من أجل معرفة ما تحقق منه وأسباب ما لم يتحقق، ولماذا وكيف وما هو المطلوب للوصول للهدف المنشود.

هذا الدور الهام من مجلس الإدارة يحقق ويدعم إدارة المخاطر الائتمانية في البنك، ووجود هذا الدور من الأساسيات الداعمة لإدارة مخاطر الائتمان، ونتطلع إلى قيام مجالس إدارة البنوك بهذا الدور الحيوي حتى يتم وضع لبنة نظيفة وقدوة مثالية في كل بنك لمجابهة المخاطر وأولها مخاطر الائتمان التي تتعرض لها البنوك في كل مكان وفي أي زمان… وللأهمية، سنتعرض لدور الإدارة التنفيذية في البنوك في ما يتعلق بإدارة المخاطر الائتمانية في مقال لاحق.