نظرات في قرار مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة حول "المصارف والربا"

مرهف سقا

نظرات في قرار مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة حول "المصارف والربا"

رد على ما جاء في مقال د. محمد حبش في جريدة الثورة السورية

مرهف سقا

ماجستير في التفسير وعلوم القرآن

 

لا بد من القول قبل البدء بالتعليق على مقال الدكتور محمد حبش أن أعضاء مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة الذين أصدروا الفتوى بجواز التعامل مع المصارف ليسوا ثلاثين عضواً كما ذكر صاحب المقال ، بل هم أربعة عشر عضواً ،  وبعد مطالعة القائمة الملحقة نجد أن الذين أفتوا بحل الفوائد البنكية ، معظمهم متخصصون في علوم الفلسفة والتفسير ، والحديث والقانون ونحو ذلك، وعارض منهم اثنان الفتوى وهما الدكتور محمد رأفت عثمان، أستاذ الفقه المقارن ، وعميد كلية الشريعة والقانون بالأزهر سابقاً ، والدكتور عبد الفتاح الشيخ ، أستاذ الفقه والأصول وعميد كلية الشريعة والقانون بالأزهر سابقاً. ولو جمع رئيس المجمع علماء الاقتصاد وفقهاء الشريعة لما انتابني أدنى شك بأنهم لن يوافقوا على ذلك.

وأضع بين يدي القارئ قراراً حاسماً بحرمة الفوائد الربوية البنكية من خلال المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة نفسه في شهر محرم 1385هـ الموافق مايو 1965م، وضم ممثلين ومندوبين عن خمس وثلاثين دولة ، وقد أكد هذا المؤتمر بالإجماع مع الحكم بتحريم الفوائد البنكية المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي الذي حضره عدد كبير من فقهاء الشريعة ، وعلماء الاقتصاد والقانون عام 1396 هـ وقرار مجمع الفقه الإسلامي في مؤتمره الثاني الصادر عام 1406 هـ 1985 م وقرار منظمة المؤتمر الإسلامي عام 1406 هـ 1985 م وقرار مجمع رابطة العالم الإسلامي في رجب 1406هـ أيضاً.

وإني ما زلت أعجب من صاحب المقال لقوله :( وأصبح الجميع يفتون في المسألة برأي واحد مما يعتبر إنجازاً علمياً غير مسبوق في هذه المسألة يدفع عن الناس الرهق ويقطع الطريق أمام مشاريع الاستثمار في الظلام التي كانت تستغل بشكل كبير العاطفة الدينية عند الناس ).

ولا أدري من يقصد بالجميع ، هل هم جميع الفقهاء في العالم الإسلامي ، وهذا مستحيل لأن الجميع متفق مسبقاً على حرمة التعامل مع المصارف الربوية كما سبق بيانه من اتفاق جميع المجامع الفقهية المعتبرة في العالم على حرمة الفوائد البنكية .

الأمر الأول:بنى صاحب المقال كلامه على حجة فتوى المجمع بأن الفوائد البنكية قائمة على عقد الوكالة بين البنك والعميل، فالبنك وكيل عن العميل.

والرد على ذلك أن التكييف القانوني في مصر وفرنسا وغيرهما من بلدان العالم لعقد الوديعة في البنوك التقليدية هو عقد القرض وهذا أكبر رد على من يقول إن العلاقة بين البنك والعميل علاقة وكالة ، وذلك لأن العقد الذي يوقع بين الطرفين إلى يومنا هذا هو عقد قرض بفائدة محددة ، فالعميل حينما يودع مبلغاً لدى البنك ، فإنه يقرضه قرضاً مضموناً بفائدة محددة مضمونة ، فأين الوكالة في هذا العقد ، حيث يأخذ العميل المقرض نسبة مئوية من المال المودع لدى البنك ، ففي مقابل أي شيء يأخذها؟ وأين دوره في الوكالة؟ وما الذي يقدمه العميل للبنك حتى يأخذ منه أجراً؟ وأين مصروفاته الإدارية؟ ويبدو أن هؤلاء الإخوة نسوا هذا الجانب ، وركزوا على ما يأخذه البنك من فوائد ربوية ، حيث إنه في حالة البنك مقترضاً من العميل فلا مجال أصلاً لتكييف هذه النسبة على أساس الأجر في الوكالة في مقابل المصروفات الإدارية.

 وكذلك الأمر عندما يقرض البنك العميل ويأخذ نسبة من الفوائد الربوية حيث إن العلاقة هي علاقة عقد القرض في الشريعة والقانون.

 هذا وقد حسم القانون المدني المصري ـ قانون البلد الذي صدرت منه الفتوى ـ الخلاف في طبيعة الودائع في البنوك الربوية حيث كيّفها على أنها قرض فقد نصت المادة 726 على أنه: (إذا كانت الوديعة مبلغاً من النقود أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال وكان المودع عنده مأذوناً له في استعماله اعتبر العقد قرضاً).

وعلى فرض أن العقد الذي ينظم علاقة البنك والمودعين فيه هو عقد وكالة في الاستثمار ، وهو فرض يناقض حكم القوانين وينافي الواقع العملي ؛ فإن البنوك التجارية والمتخصصة لا تملك استثمار الودائع بنفسها استثمارًا مباشرًا ؛ بمعنى الاتجار فيه ، بل تملك إقراضه للغير بفائدة. فالقانون المصري رقم 163 لسنة 1957 والقوانين المعدلة له تنص على ما يأتي: المادة رقم 26 مكررًا تنص على أنه "تخضع جميع البنوك التي تمارس عملياتها داخل جمهورية مصر العربية لأحكام هذا القانون". والمادة رقم 38 من نفس القانون تنص على أنه "يُعتبر بنكًا تجاريًا كل منشأة تقوم بصفة معتادة بقبول ودائع تدفع عند الطلب أو بعد أجل لا يجاوز سنة" (عدلت مدة الوديعة بالزيادة). والمادة رقم 39 من نفس القانون تنص على أنه "يحظر على البنك التجاري أن يباشر العمليات الآتية:

( أ)  التعامل في المنقول أو العقار بالشراء أو البيع أو المقايضة فيما عدا:

1- العقار المخصص لإدارة أعمال البنك أو للترقية عن موظفيه.

2- المنقول أو العقار الذي تئول ملكيته إلى البنك وفاء لدين له قبل الغير قبل أن يقوم البنك بتصفيته خلال سنة من تاريخ أيلولة الملكية بالنسبة للمنقول وحتى سنوات بالنسبة للعقار، ويجوز لمجلس إدارة البنك المركزي مد هذه المدة عند الاقتضاء.

(ب)  امتلاك أسهم الشركات المساهمة، ويشترط "ألا تجاوز القيمة الاسمية للأسهم التي يملكها البنك في الشركة مقدار رأسماله المصدر واحتياطياته".

والمادة رقم 45 تنص على أنه "يحظر على البنوك العقارية والبنوك الصناعية وبنوك الاستثمار نفس الأعمال المحظورة على البنوك التجارية".

فهذه النصوص تقطع بأنه يحظر على البنوك التجارية وغير التجارية العاملة في مصر الاستثمار عن طريق الاتجار بالشراء والبيع بصفة مطلقة ، إلا إذا كان التملك وفاء لدين ، وبشرط التصرف في العقار أو المنقول خلال مدة محددة ، أو كان العقار مستخدمًا لإدارة البنك أو لأماكن ترقية موظفيه. وحتى في حالة المشاركة في تأسيس الشركات وشراء أسهم ، يحظر على البنك أن يمس الودائع مطلقًا ، بل إن له أن يتصرف في حدود حقوق المساهمين.

قد يكون البنك مقدم السؤال الذي صدرت على أساسه الفتوى من المجمع يطبق هذه الصيغة ، ويتلقى الودائع بصفته وكيلاً عن المودعين في استثمار هذه الودائع في معاملاته المشروعة ، وهذه مسألة ادعاء على واقع ، وتحتاج إلى إثبات.

 ومع ذلك فإن هذه الوكالة باطلة بالإجماع ؛ لأن جميع عوائد وأرباح المال المستثمر بعقد الوكالة تكون للموكل ؛ لأنه المالك للمال المستثمر ، كما أنه يتحمل جميع خسائره التي تحدث بسبب لا يد للوكيل فيه ولا قدرة له على دفعه ولا تلافي آثاره ، وللوكيل أجر معلوم يجب النص عليه في عقد الوكالة، وهو يحدد بمبلغ مقطوع أو نسبة من المال المستثمر، وهو ما لم يتحقق في الصورة المسئول عنها ، بل إن الوكيل هو الذي يستحق أرباح استثمار الوديعة ، ويتحمل خسائرها، ويحدد للموكل مالك الوديعة قدرًا أو نسبة من رأس المال، ويسميها ربحًا.

والبنوك الإسلامية تمارس هذه الصورة بمقتضى قوانين ونظم إنشائها ؛ فهي تتلقى الودائع وتستثمرها لحساب أصحابها وعلى مسئوليتهم ؛ فلهم أرباح ويتحملون خسائرها التي تحدث بسبب لا يد للبنك فيه ، وهو ما يسمى في القانون بالقوة القاهرة والسبب الأجنبي. ويستحق البنك أجرًا محددًا في عقد الوكالة في الاستثمار ، بمبلغ مقطوع أو نسبة من الوديعة المستثمرة. وبالقطع فإن هذه الودائع مملوكة لأصحابها وليست قرضًا للبنك ولا دينًا في ذمته.

والأمر الثاني: أنه اعتبر المصارف مؤسسات استثمارية ، تستثمر الأموال التي تأتيها في مشاريع مختلفة  وتحدد الأرباح مسبقاً للمتعامل معها  فهي إذن مؤسسة ذات أهداف ربحية .

 وهذا الادعاء يعود إلى عدم المعرفة بطبيعة التعامل في البنوك الربوية ، فقد ذكر علماء القانون والاقتصاد أن الوظيفة الرئيسية للبنوك التقليدية هي للاقتراض والإقراض بفائدة ، وخلق الائتمان ، فهي مؤسسة تقوم على التجارة في القروض والديون ، وأنها ممنوعة بحكم القوانين من الاستثمار والتجارة بأموال المودعين ، وأن نظرة بسيطة على ميزانية أي بنك تقليدي تكشف بوضوح أنه يقوم على الإقراض والاقتراض وخلق الائتمان بصورة أساسية إضافة إلى بعض خدمات لا يذكر حجمها أمام حجم القروض والديون ، كما أن عقود هذه البنوك تنص على أن العلاقة هي القرض ، فيوجد فيها العقد النمطي الذي يسمى (عقد قرض) ثم ينص فيه على أنه (يحتسب على قيمة القرض فائدة مركبة سعرها كذا سنوياً تقيد على حسابنا شهريا).

 ونحن نرجو من صاحب المقال وهؤلاء الأساتذة الذين أصدروا الفتوى أن يسألوا البنك المركزي المصري ، أو أي بنك مركزي آخر في العالم: هل يجوز للبنوك الربوية ممارسة التجارة والاستثمار المباشر ، والبيع والشراء بأموال المودعين؟.

 وذلك لأن الجواب يكون بالنفي قطعاً ، فلا يسمح لأي بنك ربوي أن يتاجر بأموال المودعين أبداً ، لأنه ضامن لها ، فلا بد أن يعطيها للمقترضين بفائدة أكبر من الفائدة التي يعطيها للمقرض. وأسوق إليك بعض النصوص القانونية للبلد الذي صدرت منه الفتوى ما يؤكد كلامنا:

تنص المادة 301 من القانون رقم 17 لسنة 1999 بإصدار قانون التجارة المصري على أن "وديعة النقود عقد يخول البنك ملكية النقود المودعة ، والتصرف فيها بما يتفق ونشاطه ، مع التزام برد مثلها للمودع ، طبقًا لشروط العقد".

وتنص المادة 300 من نفس القانون على أن أحكام الباب الثالث منه ، الخاص بعمليات البنوك، ومنه المادة 301 "تسري على العمليات التي تعقدها البنوك مع عملائها ، تجارًا كانوا أم غير تجار، وأيًا كانت طبيعة هذه العمليات".

فهذه النصوص القانونية تقطع بأن وديعة النقود في البنوك قرض. وقد أكد فقهاء القانون هذا بما لا يدع مجالاً للشك. وحيث إن هناك إجماعًا على أن "كل قرض جر نفعًا فهو ربا" فإن ما يصرف للمودع يعد ربا وإن سُميَ ربحًا أو عائدًا.

نعم إن المصارف ذات أهداف ربحية ، ولكن ليس من خلال مشاريع استثمارية ، وإنما من خلال الفوائد المترتبة على المستقرض منها ، فهو يعمل ويكد ، وهي تشاركه بالربح إن ربح ، وإن كانت الخسارة حليفه ، فإن هذه المصارف لا تتحمل شيئاً من هذه الخسارة ، وإنما تقع الخسارة عليه، فأي عقد في الشريعة الإسلامية يجوّز هذا الأمر؟ ولا تصلح أن تكون عقد المضاربة لأن الطرفين يتحملان الربح والخسارة ، ثم إن المودع ، أو ( المقرض ) للمصرف ؛ كذلك لا يتحمل شيئاً من الخسارة من رأس ماله إن استثمر المصرف ـ كما يزعم صاحب المقال ـ وخسر المصرف، وليس من المعقول أن لا تخسر مؤسسة في شيء من مشاريعها ، وينبغي التوضيح أن هذه المصارف يمنع عنها التعامل بالمشاريع ، ويسمح فقط للمصارف الإسلامية أن تقوم بالمشاريع الاستثمارية ويؤكد الدكتور حسين شحاتة، الأستاذ بجامعة الأزهر أن جامعات أمريكا وأوربا تدرس تجربة المصارف الإسلامية ، ونظام عملها ، ومن المفيد ذكره أن المصارف السويسرية العريقة بدأت مؤخرا باستخدام أدوات الصيرفة الإسلامية لأنها تدخل في المشاريع بصفة شريك ، فلا تثقل عليها بالفوائد بل تتحمل معها جنبا إلى جنب جميع ظروف التشغيل ، وتمدها بالخبرات الفنية والتمويلية والتسويقية لما لها من مصلحة في ذلك.ويمكن أن نلخص عمل المصارف الربوية في أمرين:

1. أن هذه البنوك لا تقوم بالمشاركة أو المساهمة في المشروعات المتنوعة ، وإنما تقرض قروضاً بفوائد محددة ، حيث تسترجع أموالها مع فوائدها سواء خسر المشروع أم ربح ، فلا دخل لها بالربح والخسارة ، والمشاركة ، وتحمل الغرم في مقابل الغنم كما أجمع الفقهاء المسلمون على أن (الغنم بالغرم) استناداً إلى الحديث الصحيح القاضي بأن (الخرج بالضمان) رواه أحمد وأصحاب السنن بسند صحيح.

2. أن هذه البنوك لا تكتفي بأخذ مقابل خدمات معينة ، وإنما تحدد نسبة من الفوائد تفوق ذلك بكثير ، بل هي زيادة على قرض ربوي في مقابل القرض المؤجل ، وهو عين ربا الجاهلية.

ثم إن صاحب المقال اعتبر أن الربا الحرام هو (ركام المظالم والمآثم التي تفرضها علاقة إذعان مبنية على اضطرار الطرف الأضعف لقبول شروط الطرف الأقوى في سبيل الخلاص من لحظة ضعف لا يلبث أن يكتشف أنه تورط فيما هو أشد منها رهقاً وأكثر ظلماً) ، وهذا الكلام صحيح في شرح الحالة التي يكون عليها المتعامل بالربا ، ولكن بما أن صاحب المقال مدير مركز الدراسات الإسلامية ويعنى بالأبحاث الإسلامية ، وهذه المسألة من جملة الأحكام الشرعية ، فإنا نسأله هل هذا هو تعريف الربا شرعاً الذي اتفق عليه العلماء ، أم أنه صورة من صور وألوان الربا المتعامل عليه في الجاهلية ، ولو أردنا أن نطبق كلامك على المصارف الربوية لوجدنا أن المتعامل مع المصارف الربوية يتعامل بشروط إذعانية يفرضها المصرف عليه ولا خيار للطرف الأضعف في هذه الشروط ، فإن ما قاله عن صورة الربا الحرام ينطبق أصلاً على التعامل مع المصارف الربوية تماماً ، إذ لا يلبث المقترض من المصرف أن يجد نفسه أمام عجز وورطة لم تكن له بالحسبان.

الأمر الثالث: أنه نقل عن عضو في مجمع البحوث الإسلامية قوله (إن المجمع لا يعترض على القاعدة الفقهية: كل قرض جر نفعاً فهو ربا وإن لم تكن حديثاً مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسند صحيح ، ولكن أبسط شرائط القرض أن يسعى المقترض إلى المقرض اضطراراً عن حاجة وهو المعنى الذي أكده الحديث الشريف: (..لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة) ، أخرجه ابن ماجه .. فكان حديث ابن ماجه في تفسير القرض أولى التفاسير بالقبول).

ولا بد من البيان أولاً أن العلماء لم يضعوا شروطاً للمستقرض ، ولا نجد في كتب الفقه باباً في شروط المقترض ، بل غاية ما في الحديث هو بيان غالب حال الذين يستقرضون أنهم يكونون بحاجة وذلك أن القرض واجب الأداء فلا يختاره أحد إلا بحاجة.

أليس السائل في بعض الأحيان يكون محتاجاً أكثر من المستقرض ، فقد ذكر العلماء استنباطاً من حديث الرجل الذي أمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحتطب ، ـ وهو سائل ومحتاج كما هو ظاهر الحديث ـ أن السائلين منهم من يجوز لهم السؤال وهو الفقير المعدوم الذي لا يقوى على العمل وبهذه الحال يكون في أعوز الحاجة.

ثم ينبغي أن نعلم أن الحديث الذي بنى عليه هذا التفسير المغلوط حديث ضعيف لا يستدل بمثله على حكم خطير كهذا ، ففي سنده خالد بن يزيد بن أبي مالك أبو هاشم الدمشقي ضعيف كما ذكر ذلك ابن حجر في التقريب ، وقد ضعفه أحمد وابن معين وأبو داود والنسائي وأبو زرعة والدار قطني وغيرهم ، وكذلك حديث ابن مسعود الذي استدل به صاحب المقال (ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً ..) فيه قيس بن رومي مجهول وسليمان بن يسير متفق على تضعيفه ، ويمكن أن يستدل بهما على فضيلة الذي يقرض لا على شرط المقترض. ونحن نرى التجار يقترضون أيضاً وهم ليسوا من ذوي الحاجات وإنما يقترضون لمصالح تجارية.

الأمر الرابع: أن النصوص القرآنية في سورة البقرة من الآية (261ـ281) جاءت في المقام الأول للتحذير من استغلال الفقير حال اضطراره للدَّين كما يتضح من أسباب النزول. والقارئ للآيات الكريمة هذه سيجد أنها تدور حول محورين أساسيين هما: الحض على النفقة ، وتحريم الربا والتحذير من خطورته والترهيب منه. فالحض على الصدقة من مبادئ التكافل الاجتماعي في الإسلام ومن وسائل إلغاء الفوارق الطبقية الناشئة عن الابتزاز والإسراف وغير ذلك ، وتحريم الربا لما في التعامل فيه من الإجحاف في حق الآخرين ، سواء كان فقيراً أو غنياً ، وغالب الربا المتعامل فيه في الجاهلية كان من القرض ، ولذلك جاءت الآية ((وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة)) بعد آيات تحريم الربا ولكن هذا لا يعني خصوص الربا في المال المشروط على القرض ، ولعل صاحب المقال نسي القاعدة الفقهية والتفسيرية أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وأما الادعاء بأن المصارف نمط طارئ على المعاملات الاقتصادية التي لم تكن سبباً في ورود نصوص تحريم الربا فهذا صحيح ولكن لا يعني أن الحكم الموجود فيها من تحريم الربا لا ينطبق عليها لأنه إذا توافرت فيها شروط الربا المحرم فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما مرّ ، وليست النصوص القرآنية آنية لزمان محدد وحوادث محددة نزلت الآيات القرآنية لأجلها -كما زعم صاحب المقال- بل هو تشريع خالدٌ إلى يوم القيامة كما هو معلوم ضرورة.

وأما استخدام صاحب المقال لعبارات منمقة لتظهر تحرره الفقهي وأنه ينطلق بالفقه إلى آفاق مقاصدية تكون فيها مصلحة الأمة ، واتهامه بالجمود لمن يأخذ بآراء المتقدمين ، فإن هذا الكلام أضحى قديماً متكرراً مللنا من سماعه ، مع أننا نفرق بين التحرر والتفلت ونؤكد على ضرورة الاجتهاد للقضايا المستجدة ضمن مصادر التشريع ، وينبغي أن نعلم أن من مقاصد الشريعة غير المنصوص عليها أن لا نخرج عن الشريعة وعن حكم الله تعالى ، و نعلم أيضاً أن حكم القاضي لا يحل الحرام ، ولا يحرم الحلال ، وقرار المجمع المذكور لا يشكل من علماء المسلمين شيئاً ولا يحل الحرام ولا يحرم الحلال،  وإذا كان الربا منتفياً عن المصارف الربوية إذن فأخبرني ماذا بقي من الربا؟

ما أشبه اليوم بالأمس عندما قالت اليهود (إنما البيع مثل الربا) وهم يقولون: إنما التعامل مع المصارف الربوية مثل التعامل مع المشاريع الاستثمارية فالجواب كما قال الله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا).

إن قوله بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان وأن الشريعة مرنة تستطيع أن تساير الحياة بما يحقق مصالح الأمة ، كلام صحيح وهو موضع اتفاق ، ولكنها كلمة حق أريد بها باطل ، أفلا يكون الإسلام مرناً إلا عندما نساير أهواء الناس ومصالح أرباب الأموال ولو كان ذلك على حساب الخروج عن الشرع!! وتعليل النصوص القرآنية والأحاديث النبوية بحالات اجتماعية واقتصادية في زمن معين؟.

قال الله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون )) البقرة:278-279.