نص بيان فضيلة المفتي الصادر عن دار الإفتاء في 8-9-1989

دار الإفتاء المصرية

نص بيان فضيلة المفتي الصادر عن دار الإفتاء في 8-9-1989

    

كثر الكلام هذه الأيام، عن المعاملات في البنوك والمصارف، وعما يترتب على ذلك من أرباح، وهل هي حلال أم حرام؟

وقد رأت دار الإفتاء المصرية، أن تقول كلمتها في بعض هذه المعاملات، بعد أن خاض فيها من يحسن الكلام عنها ومن لا يحسن. ويهمنا قبل أن نقول كلمتنا أن نسوق الحقائق الآتية:-

إن من شأن العقلاء في كل زمان ومكان، أنهم يتحرون الحلال الطيب، في جميع تصرفاتهم ومعاملاتهم ..امتثالاً لقوله سبحانه وتعالى "يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيبًا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين" (البقرة: 168).

    واستجابة لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثه الصحيح : (إن الحلال بين والحرام بين وبينها أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ). أي: فمن ابتعد عن الأمور التي التبس فيها الحق بالباطل، فقد نزه نفسه ودينه وعرضه عن كل سوء وقبيح.

وفي حديث آخر يقول :(دع ما يريبك إلى ما لا يريبك). أي: أترك ما تشك في كونه حرامًا، وخذ ما لا تشك في كونه حلالاً.

النية الطيبة:

إن من شأن العقلاء أيضًا أنهم إذا ناقشوا مسألة فيها مجال للاجتهاد، بنوا مناقشاتهم على النية الطيبة، والكلمة المهذبة، وعلى تحري الحق، والابتعاد عن التعصب وعن الحكم بالهوى، وعن سوء الظن بلا مبرر.

وقد بشر النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين يجتهدون - فيما يقبل الاجتهاد - بنية طيبة، بالأجر الجزيل فقال في حديثه الصحيح: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد).

 والأمم السعيدة الرشيدة، هي التي يكثر فيها عدد الأفراد الذين تعاونوا على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان.

رأي أهل العلم:

     إن الكلام في الأحكام الشرعية بصفة خاصة، وفي غيرها بصفة عامة، يجب أن يكون مبنيًا على العلم الصحيح، والفهم السليم، والدراسة الواسعة الواعية، لأصول الدين وفروعه، ولمقاصده وأهدافه .. ويجب أن يكون المتحدث في هذه الأمور غايته الاهتداء إلى الحق والصواب، فإذا خفي عليه شيء سأل أهل العلم والخبرة استجابة لقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (الأنبياء: 7).

والمراد بأهل الذكر هنا: هم أهل الاختصاص والخبرة في كل علم وفن ..ففي مجال الطب يسأل الأطباء، وفي مجال الفقه يسأل الفقهاء، وفي مجال الاقتصاد يسأل الاقتصاديون، وهكذا في كل علم يسأل الخبراء فيه.

وفي الحديث الصحيح: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من قلوب الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوسا جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا - أي :في أنفسهم - وأضلوا - أي :غيرهم).

مسئولية دار الإفتاء:

إن كل ما يصدر عن دار الإفتاء المصرية من فتاوى وأحكام هي مسئولة عنه قبل كل شيء، أمام الله تعالى، وهي والحمد لله يتسع صدرها للموافقين والمخالفين، إلا أنها لا تملك أن تكتم العلم الذي أمرها الله تعالى بإظهاره. وهي على استعداد تام للإجابة على أسئلة السائلين، متحرية في إجاباتها ما تراه حقًّا وعدلاً.

ومن شاء بعد ذلك أخذ بما تراه، وهي المسئولة أمام الله تعالى ومن شاء لم يأخذ بذلك وهو المسئول عن مخالفته.

إذ من المعروف بين أهل العلم، أن وظيفة المفتي: بيان الأحكام الشرعية، وليس من وظيفته الإلزام به في عامة الأحوال.

معاملات البنوك:

بعد هذه الحقائق أقول :إن دار الإفتاء تعتقد :أن الكلام عن المعاملات في البنوك والمصارف لا يؤخذ جملة واحدة، بأن يقال: إن المعاملات التي تجريها البنوك كلها حرام أو كلها حلال، وإنما يؤخذ الكلام عنها في صورة كل مسألة على حدة أو على الأقل يؤتى بالمسائل المتشابهة، ثم يصدر بشأنها الحكم الشرعي المناسب لها.

وذلك لأن المعاملات التي تجريها البنوك والمصارف، متعددة الجوانب، متنوعة الأغراض، مختلفة الوسائل والمقاصد.

ومع ذلك فإننا نستطيع أن نقول بصفة مجملة: إن هذه المعاملات على ثلاثة أحكام:

1 - منها ما أجمع العلماء على أنها جائزة شرعًا، وعلى أن الأرباح التي تأتي عن طريقها حلال.

2 - ومنها ما اتفق العلماء على أنها غير جائزة شرعًا، وعلى أن الأرباح التي تأتي عن طريقها حرام.

3 - ومنها ما اختلف العلماء في شأنها وفي شأن أرباحها.

المعاملات الحلال:

أما المعاملات التي اتفقوا على أنها حلال، وعلى أن أرباحها حلال، فهي كل معاملة أباحتها شريعة الإسلام، كالبيع والشراء والمضاربة والمشاركة والإجارة، إلى غير ذلك من المعاملات التي تقوم على تبادل المنافع بين الناس، بطريقة لا تخالف شريعة الله تعالى ولنضرب لذلك بعض الأمثلة :.

ما تقوم به البنوك الإسلامية التي يفترض في معاملاتها أنها تقوم على المضاربة الشرعية، أو على غيرها من المعاملات التي أحلها الله تعالى والتي تخضع فيها الأرباح للزيادة والنقص، بدون تحديد سابق لها في الزمان أو المقدار، والتي ينتفع جميع الأطراف بأرباحها، ويتحملون جميعًا خسائرها بطريقة يتوافر معها العدل.

أقول: هذه المعاملات هي وأرباحها حلال وجائزة شرعًا . وينطبق هذا الحكم أيضًا على هذه المعاملات، سواء أكان الذي أجراها من البنوك التي تصف نفسها بالإسلامية، أم البنوك التي لا تصف نفسها بذلك، لأن العبرة في المعاملات بمضمونها وحقيقتها، وليس بألفاظها وأسمائها.

شركات توظيف الأموال:

ما تقوم به شركات توظيف الأموال التي يفترض فيها أيضًا أنها تجمع أموالها بالطرق الصحيحة والسليمة من كل جوانبها، وتستثمرها في الوجوه الحلال، التي تعود عليها بالخير والنفع على الأمة، وتساعد بتصرفاتها القوية على إيجاد فرص العمل لمن لا عمل له، وتساهم في المشروعات التي تنهض بالأمة، وتزيدها رقيًا،وغنى وأمنًا. أقول: هذه الشركات معاملاتها جائزة شرعًا، وأرباحها حلال.

ودار الإفتاء المصرية تؤيدها، وتدعو لها بالتوفيق والنجاح .أما الشركات التي ثبت انحرافها عن الطريق المستقيم، فدار الإفتاء لا تؤيدها، بل تطالب بمحاسبتها، وبإنزال العقوبة العادلة عليها.

بنك ناصر:

ما تقوم به البنوك الاجتماعية التي يفترض فيها كذلك، أنها قامت من أجل تقديم المساعدة إلى المحتاجين كبنك ناصر الاجتماعي مثلاً.

هذه البنوك التي تقدم للمحتاجين ما هم في حاجة إليه من أموال، ثم تأخذ منهم في مقابل ذلك مبالغ معتدلة، يقدرها الخبراء العدول، كأجور للموظفين والعمال، ولغير ذلك مما تتحمله هذه البنوك من أعباء مالية.

أقول: هذه المبالغ التي تأخذها تلك البنوك على أنها أجور أو مصروفات إدارية جائزة شرعًا ولا حرج فيها، لأنها في مقابل خدمات معينة يقدمها البنك للمتعاملين معه.

البنوك المتخصصة:

وما قلناه في شأن البنوك الاجتماعية، نقوله بشأن ما يوصف بالبنوك المتخصصة، كالبنوك الصناعية أو الزراعية أو العقارية أو ما يشبهها من تلك البنوك التي تقدم لأصحاب المشروعات المتنوعة النافعة، ما هم في حاجة إليه من أموال، لتنمية مشروعاتهم ثم تأخذ مقابل ذلك مبالغ مناسبة يقدرها الخبراء العدول على أنها أجور أو مصروفات إدارية.

أقول: ما تأخذه البنوك من المتعاملين معها بتلك الصورة، جائزة شرعًا ولا بأس به، لأنه - أيضًا - في مقابل خدمات معينة، تقدمه تلك البنوك للمتعاملين معها.

المعاملات الحرام:

هذه نماذج للمعاملات والأرباح، التي اتفق المحققون من العلماء على أنها حلال وجائزة شرعًا.

أما المعاملات التي اتفقوا على أنها حرام وغير جائزة شرعًا، فهي كل معاملة يشوبها الغش، أو الاستغلال أو الخديعة، أو الظلم أو غير ذلك من الرذائل التي تتنافى مع شريعة الله تعالى.

وكل ربح يأتي عن طريق هذه المعاملات حرام، لأن ما بني على الحرام فهو حرام.

 ومن أمثلة ذلك أن يبيع إنسان بضاعة معيبة على أنها سليمة، فهذا لون من الغش وفي الحديث الصحيح (من غشنا فليس منا) . أو أن ينتهز أحد المتعاقدين جهالة الآخر بأسعار السوق، فيبيع له السلعة بضعف ثمنها، أو يشتري السلعة بنصف ثمنها على سبيل الاستغلال والجشع.

أو أن يقرض إنسان آخر مبلغ مائة جنيه - مثلاً - لمدة معينة، فإذا حل موعد السداد وعجز المدين عن الدفع، انتهز الدائن هذا العجز، وقال للمدين على سبيل الاستغلال: إما أن تدفع ما عليك، وإما أن تدفع لي هذا المبلغ بزيادة عشرة جنيهات بعد شهر - مثلاً - فهذا هو الربا الجلي الذي أعلنت شريعة الإسلام حرب الله ورسوله على من يفعل ذلك.

اختلاف الفقهاء:

وأما المعاملات التي اختلف الفقهاء في شأنها وشأن أرباحها . فمعظمها من المعاملات المستحدثة . ولنأخذ على سبيل المثال شهادات الاستثمار الصادرة عن البنك الأهلي المصري والتي قال البنك إن حصيلتها حتى شهر إبريل سنة 1989. قد بلغت أربعة مليارات من الجنيهات.

 وقد رأت دار الإفتاء أن الأمانة العلمية تقتضي عدم الفتوى في مثل هذه الأمور، إلا بعد سؤال القائمين على أمرها، والخبراء في شئونها، إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره ...فأرسلت إلى السيد الأستاذ رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي المصري، أسئلة معينة عن هذه الشهادات، فأجاب عليها سيادته مشكورًا بما يلي:

 الأستاذ الدكتور/محمد سيد طنطاوي مفتي الجمهورية.

 أود أن أشير إلى خطاب فضيلتكم المؤرخ في 13-8-1989.

 وفيما يلي أسئلة دار الإفتاء والرد عليها:.

س - ما طبيعة شهادات الاستثمار وما الدافع إلى إنشائها؟

جـ– شهادات الاستثمار نوع من أنواع المدخرات، عهدت الحكومة للبنك الأهلي المصري بإصدارها، للمساهمة في دعم الوعي الادخاري، وتمويل خطة التنمية، أي: أن العلاقة الحقيقية بين الدولة والأفراد . وقد صدرت طبقًا للقانون رقم 8 لسنة 1965.

س - في أي الوجوه تستخدم حصيلة شهادات الاستثمار؟

 جـ- تستخدم الحصيلة في تمويل مشروعات التنمية المدرجة في الميزانية، وتؤدى لوزارة المالية، أي: أن الحصيلة تؤدى للدولة لتمويل خطة التنمية.

س - من الذي يقوم بدفع الأرباح التي تدرها شهادات الاستثمار لأصحابها؟

جـ- تتحمل وزارة المالية العوائد التي تدرها شهادات الاستثمار، بالإضافة إلى كافة التكاليف المتعلقة بها.

س - هل شهادات الاستثمار تعتبر قرضًا أو هي وديعة أَذِنَ صاحبها باستثمار قيمتها؟

جـ- شهادات الاستثمار تعتبر وديعة أذن صاحبها باستثمار قيمتها.

هذا هو الرد الرسمي من الأستاذ/ محمد نبيل إبراهيم.. رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي، على أسئلة دار الإفتاء السابقة.

شهادات الاستثمار :

فإذا ما انتقلنا بعد ذلك إلى كلام الفقهاء، عن الحكم الشرعي لشهادات الاستثمار وأرباحها، وجدنا كلامًا طويلاً لم ينته إلى اتفاق على رأي واحد.

ونكتفي هنا بذكر خلاصة لآراء لجنة البحوث الفقهية - بمجمع البحوث الإسلامية التي عُقدت لبحث هذه المسألة سنة 1976، برئاسة فضيلة الشيخ محمد فرج السنهوري وكانت تتكون من أربعة عشر فقيها يمثلون المذاهب الأربعة:

خمسة منهم يمثلون المذهب الحنفي وهم أصحاب الفضيلة الأساتذة: عبد الله المشد، محمد الحسيني شحاتة، عبد الحكيم رضوان، محمد سلام مدكور، وزكريا البري.

وأربعة يمثلون المذهب المالكي وهم أصحاب الفضيلة الأساتذة: يس سويلم،  عبد الجليل عيسى، السيد خليل الجارحي، وسليمان رمضان.

وثلاثة يمثلون المذهب الشافعي، وهم أصحاب الفضيلة الأساتذة: محمد جيرة الله وطنطاوي مصطفى وجاد الرب رمضان.

 وواحد يمثل المذهب الحنبلي وهو فضيلة الشيخ عبد العظيم بركة.

قرارات اللجنة:

وكانت قرارات اللجنة كالآتي:

 أربعة منهم ذهبوا إلى أن هذه الشهادات وأرباحها غير جائزة شرعًا.

 فقد قال فضيلة الشيخ محمد جيرة الله: إنه لا يوجد لهذه المعاملة أصل في المذهب الشافعي، وأنها معاملة قريبة من القراض - أي المضاربة - لأن المال من جانب والعمل من جانب آخر.

 وهي أقرب ما تكون من القراض الفاسد، لاشتراط جزء محدد من الربح . وأيده في ذلك - مع اختلاف العبارة - فضيلة الشيخ طنطاوي مصطفى، والشيخ جاد الرب رمضان، والشيخ سليمان رمضان.

وتسعة منهم ذهبوا إلى أن هذه الشهادات وأرباحها جائزة شرعًا . فقد قال فضيلة الشيخ يس سويلم: لقد كونت رأيًا في الموضوع، ملتزمًا بخطة مجمع البحوث الإسلامية في البحث الفقهي وخلاصته:.

 أن المعاملة في شهادات الاستثمار معاملة حديثة لم تكن موجودة عند الفقهاء السابقين.

 أن المعاملة في شهادات الاستثمار يقوم الأفراد فيها بدفع الأموال، وتقوم الدولة باستثمارها.

كل معاملة استثمارية هذا شأنها يطبق عليها الأصل التشريعي العام وهو: أن الأصل في المنافع الإباحة، وفي المضار التحريم.

وجه تطبيق الأصل التشريعي السابق على المعاملة في شهادات الاستثمار: أنها معاملة نافعة للأفراد الذين يدفعون الأموال، ونافعة للدولة أيضًا التي تقوم باستثمار هذه الأموال، وليس فيها ضرر أو استغلال من أحد الطرفين للآخر.

بناء على ذلك تكون المعاملة في شهادات الاستثمار بأنواعها الثلاثة مباحة شرعًا.

لماذا هي حلال؟

وقال فضيلة الشيخ عبد العظيم بركة: إن الشهادة ذات الجوائز(حرف ج) المال المدفوع فيها قرض، حيث انتقل المال المدفوع فيها إلى ملك البنك، وأنها جائزة شرعًا، بل مندوبة، وأن الجائزة لمن تخرج له القرعة يعتبر أخذها حلالاً، لأنها هبة من البنك أو الدولة، لصاحب رأس المال، وقبول الهبة مندوب، وردها مكروه.

وأما الشهادات (حرف أ، ب)فالتعامل فيها من باب المضاربة الصحيحة، لأن العائد في كل منهما مشترك بين صاحب المال والعامل، والتعامل في هذين النوعين حلال وجائز شرعًا، حيث إن المصالح فيه متحققة، والمفسدة متوهمة، والأحكام لا تبنى على الأوهام، وأن ما اشترطه الفقهاء لصحة المضاربة من أن يكون الجزء المخصص من الربح لكلا الطرفين مشاعًا كالنصف أو الثلث - مثلاً - كان من أجل ألا يحرم أحد الطرفين من الربح إذا تحدد الجزء الذي يأخذه أحدهما بخمسة أو عشرة - مثلاً - فقد لا يربح المال غيره فيحرم الطرف الآخر.

والأمر هنا يختلف عن ذلك، لأن هذه المشروعات، مبنية على قواعد اقتصادية مضمونة النتائج، وما يأخذه صاحب المال من الربح بنسبة معينة من رأس المال قدر ضئيل بالنسبة لمجموع الربح الذي تدره المشروعات التي استثمرت فيها هذه الأموال، فكلا الطرفين استفاد وانتفى الاستغلال والحرمان.

وقال فضيلة الدكتور محمد سلام مدكور ما خلاصته : إن التعامل في شهادات الاستثمار بأنواعها الثلاثة، معاملة حديثة ولا تخضع لأي نوع من العقود المسماة، وهي معاملة نافعة للأفراد والمجتمعات، وليس فيها استغلال من أحد الطرفين للطرف الآخر، والأرباح التي يمنحها البنك ليست من قبيل الربا، لانتفاء جانب الاستغلال، وانتفاء احتمال الخسارة.

أرباح صندوق التوفير

ومن قبل هؤلاء جميعًا أعلن فضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت رحمه الله رأيه في شأن أرباح صندوق التوفير . فقال في (كتابه الفتاوى) ص 323، مطبعة الأزهر: (والذي نراه تطبيقًا للأحكام الشرعية والقواعد الفقهية السليمة أن أرباح صندوق التوفير حلال، ولا حرمة فيها، وذلك لأن المال المودع لم يكن دينا لصاحبه على صندوق التوفير، ولم يقترضه صندوق البريد منه، وإنما تقدم به صاحبه إلى مصلحة البريد من تلقاء نفسه طائعًا مختارًا، ملتمسًا منها أن تقبله منه، وهو يعرف أن المصلحة تستغل الأموال المودعة لديها في معاملات تجارية، يندر فيها - إن لم يعدم - الكساد أو الخسران ..).

ولا شك أن أرباح شهادات الاستثمار، تطابق من كل الوجوه أرباح صندوق التوفير التي قال فضيلته بأنها حلال ولا حرمة فيها.

الدافع لشهادات الاستثمار

ومن كل ما سبق يتبين لنا: أن الدافع إلى إنشاء شهادات الاستثمار - كما جاء في خطاب السيد رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي المصري - هو حاجة الدولة إلى المال لتمويل خطة التنمية، ودعم الوعي الادخاري، وأن الدولة هي التي تقوم بدفع الأرباح لأصحاب هذه الشهادات، وأن شهادات الاستثمار تعتبر وديعة أَذِنَ صاحبها باستثمار قيمتها، وليست قرضًا منه للبنك.

وكما يتبين لنا من خلال مراجعة آراء لجنة البحوث الفقهية، أن الذين يرون أن المعاملة في شهادات الاستثمار غير جائزة شرعًا من أهم حججهم : أن تحديد الربح مقدمًا زمنا ومقدارًا يجعلها مضاربة فاسدة، لأنه قد تحدث خسارة للبنك.

وقد أجاب الذين قالوا إن المعاملة في شهادات الاستثمار جائزة شرعًا، وأن أرباحها حلال، بأن تحديد الربح مقدمًا هو لحماية صاحب المال، ولدفع النزاع بينه وبين البنك، ولم يرد في كتاب الله ولا في سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ما يمنع هذا التحديد، مادام قد تم التراضي بين الطرفين.

(إذ المضاربات - كما يقول فضيلة الشيخ عبد الوهاب خلاف - تكون حسب اتفاق العملاء (الشركاء) ونحن الآن في زمان ضعفت فيه ذمم الناس، ولو لم يكن لصاحب المال نصيب معين من الربح لأكله شريكه ).

وفضلاً عن كل ذلك فإنه لا يوجد تحديد بالمعنى الدقيق للربح، بدليل أن نسبة الربح بدأت عند إنشاء هذه الشهادات بقيمة 4% وصارت الآن تزيد على 16% .. والبنك ما حدد نسبة الربح مقدمًا، إلا بعد حسابات دقيقة هو المسئول عنها وما أجبره أحد عليها ..

وإذا ما حدثت له خسارة خارجة عن إرادته، فسيتحمل المتعاملون معه نصيبهم من هذه الخسارة، ما في ذلك شك.

اقتراحان لدار الإفتاء

 هذه خلاصة لآراء العلماء في شأن الحكم الشرعي للمعاملة في شأن شهادات الاستثمار وفي شأن الأرباح الناتجة عنها، ومحاضر جلسات لجنة البحوث الفقهية التي أشرنا إليها موجودة بدار الإفتاء لمن يريد الإطلاع عليها.

 وقد يسأل سائل فيقول: وما رأي دار الإفتاء المصرية في شأن التعامل في شهادات الاستثمار، وفي شأن أرباحها بعد هذا العرض الطويل ؟.

 والجواب: أن دار الإفتاء فقد اقترحت على المسئولين بالبنك الأهلي، أن يتخذوا الإجراءات اللازمة، لتسمية الأرباح التي تعطى لأصحاب شهادات الاستثمار، بالعائد الاستثماري، أو الربح الاستثماري، وأن يحذفوا كلمة الفائدة لارتباطها في الأذهان بشبهة الربا، مع اعترافنا بأن العبرة في المعاملات بحقيقتها ومضمونها وليست بألفاظها وأسمائها.

 وأن ينشيءوا شهادة رابعة يسمونها بالشهادة ذات العائد المتغير، أو غير الثابت ولا ينص فيها مقدمًا على ربح معين، وإنما تخضع الأرباح فيها للزيادة والنقص.

وبذلك يكونوا قد فتحوا الأبواب أمام جميع المعاملات التي تطمئن الناس إلى سلامتها . وقد أبدى المسئولون عن هذه الشهادات مشكورين ارتياحهم لهذين الاقتراحين ووعدوا بتنفيذهما في أقرب وقت.

المطلوب مساعدة الدولة

وبناء على كل ما سبق، فإن دار الإفتاء المصرية، ترى أن المعاملات في شهادات الاستثمار - وفيما يشبهها كصناديق التوفير - جائزة شرعا، وأن أرباحها كذلك حلال وجائزة شرعًا.

    إما لأنها مضاربة شرعية، كما قال فضيلة الشيخ عبد العظيم بركة وغيره، وإما لأنها معاملة حديثة نافعة للأفراد والأمة، وليس فيها استغلال من أحد الطرفين للآخر، كما قال فضيلة الدكتور محمد سلام مدكور وغيره.

ومن الخير أن يشتري الإنسان هذه الشهادات بنية المساعدة للدولة في تنمية مشروعاتها النافعة لكافة أفراد المجتمع  وأن يتقبل ما تمنحه له الدولة من أرباح لها في نظير ذلك، علة أنها لون من التشجيع له على مساندته لها فيما يعود عليه وعلى غيره بالفائدة.

 وفي الحديث الشريف: (من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه) .ولا شك أن من يعين الدولة على تنفيذ المشروعات النافعة الحلال، يكون قد قدم لها معروفًا ولا شك - أيضًا - أن الدولة مطلوب منها أن تكافئ أبناءها العقلاء الأخيار.

 ولعلنا بذلك نخرج من خلافات المختلفين، ومن تعسير المعسرين، (فإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) كما جاء في الحديث الصحيح.

 وبعد: فهذه كلمة عن بعض المعاملات المالية المصرفية، ركزنا فيها على بيان الحكم الشرعي لشهادات الاستثمار وأرباحها من وجهة نظر دار الإفتاء المصرية، وقد آثرنا أن نبدأ بها لكثرة الأسئلة عنها.

 ويشهد الله أني قد راجعت هذه الكلمة مع الكثيرين من رجال الفقه والاقتصاد وغيرهم وانتفعت بآرائهم وأفكارهم.

 وعما قريب - بإذن الله - سنتحدث بعد الرجوع إلى الخبراء من الاقتصاديين والفقهاء عن جوانب أخرى من المعاملات التي تجري في البنوك والمصارف، فإنها كما سبق أن أشرنا متعددة المسالك، متنوعة المقاصد.

ونسأل الله تعالى أن يجنبنا جميعًا الزلل في القول والعمل، وأن لا يؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، إنه خير مأمول، وأكرم مسئول، وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.