لا تَظلمون ولا تُظلمون

رفيق يونس المصري

لا تَظلمون ولا تُظلمون

قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذَرُوا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تُبتم فلكم رءوسُ أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون ) البقرة 278-279.

لا تَظلمون : أي بالزيادة على رأس المال. لا خلاف في ذلك.

لا تُظلمون : ههنا الخلاف في التفسير، وهو موضع الاهتمام هنا.

معان مقبولة

-       لا تَظلمون عندما تُقرضون، ولا تُظلمون عندما تَقترضون.

-       لا تَظلمون عندما تُقرضون، ولا تُظلمون بالمماطلة في الوفاء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مطل الغني ظلم.

-       لا تَظلمون بالزيادة على رأس المال، ولا تُظلمون بالثواب. قال تعالى : ( يَمحق الله الربا ويُربي الصدقات ) البقرة 276. وقال تعالى : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وءاتَوا الزكاة لهم أجرُهم عند ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون ) البقرة 277. وقال تعالى : ( وما تنفقوا من خير يُوفّ إليكم وأنتم لا تُظلمون ) البقرة 272، أي : يوفّ إليكم ثوابه. وقال تعالى : ( واتقوا يومًا تُرجعون فيه إلى الله ثم تُوفّى كل نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون ) البقرة 281.

جميع هذه الآيات في سورة البقرة، وتتحدث عن الثواب، منها آيات سبقت ومنها آيات لحقت.

معنى مرفوض

قال المفسرون : لا تَظلمون بالزيادة على رأس المال، ولا تُظلمون بالنقصان من رأس المال. الجملة الأولى صحيحة، والجملة الثانية مرفوضة.

لا تظلمون بالنقصان من رأس المال

هذا تفسير أول وهلة.

لكن تمنع منه موانع :

-       كل زيادة على رأس المال في القرض مشروطة تعدّ ربًا محرّمًا، لكن النقصان من رأس المال ولو مشروطًا يعدّ أمرًا مستحبًا، ويثاب صاحبه، ومن ثم فإن الأمر أمر ثواب. فالنقصان من رأس المال لا يُظلم فيه المقرضون، أي ليس ظلمًا من المقترض للمقرض، بل هو إحسان منه ومعروف يستحق عليه الثواب من الله.

-       إذا أقرضه 100 وردّ إليه 100 يكون المقرض مظلومًا لولا ثواب الله. ذلك لأن 100 اليوم أكثر قيمةً عند رجال الفقه ورجال الاقتصاد من 100 غدًا. وهو قول الفقهاء : إن المعجل خير من المؤجل إذا تساويا في القدر. ولهذا أجاز الفقهاء أن يكون الثمن المؤجل في البيع أعلى من الثمن المعجل.

-       يؤكد ذلك أن القرض في الإسلام من أعمال المعروف، يثاب عليه صاحبه. لماذا يثاب؟ لأن الـ 100 التي تعود إليه بعد مدة لا تساوي الـ 100 التي أقرضها، والله تعالى يثيب الفرق وزيادة. في القرض بفائدة يحصل المقرض على أجره من المقترض، أما في القرض الخالي من الفائدة أو الربا فإن المقرض يحصل على أجره من الله.

-       ظن بعض العلماء أن إقراض 100 واسترداد 100 هذا من قبيل العدل، وهذا جهل، لأنه من قبيل الإحسان. قال تعالى : ( من ذا الذي يُقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له أضعافًا كثيرة ) البقرة 245.

التفسير تفسيران : تفسير أول وهلة وتفسير ثاني وهلة

تفسير أول وهلة هو ما قاله المفسرون من أن ( لا تُظلمون ) أي بالنقصان من رأس المال، وهو تفسير غير صحيح.

التفسير الصحيح هو تفسير ثاني وهلة، وهو التفسير الذي خلا من الموانع، والله أعلم.

الإجماع

إذا انعقد الإجماع على خطأ لا بد أن يسخر الله له من ينقضه، ولو على يد عبد فقير!

جدة في يوم عرفة 1431هـ

الموافق 15/11/2010م

                                                                     رفيق يونس المصري