كيف يفلح قوم خلطوا البيع بالقرض؟

حمزة بن محمد السالم

من:                                   kantakjigroup@googlegroups.com بالنيابة عن ali yousfat [aliyousfat@yahoo.fr]

تاريخ الإرسال:                     03 كانون الثاني, 2010 02:11 ص

إلى:                                   kantakjigroup@googlegroups.com

الموضوع:                           {Kantakji Group}. Add '6013' نرجوا التعليق

 

 

 

 

السلام عليكم ورحمة الله

هذه مجموعة مقالات في صحيفة الاقتصادية السعودية لأستاذ الجامعي و الخبير الشرعي الدكتور حمزة بن محمد السالم جزاءه الله خير- نرجوا من أعضاء المجموعة الكريمة التعليق عليها.

كيف يفلح قوم خلطوا البيع بالقرض؟

د. حمزة بن محمد السالم

كنت أعتقد أن اللبس والخلط بين القرض والبيع والتمويل حجرٌ على عامة الناس. وكان فيما اعتقدته أن استخدام لفظ القرض محل لفظ البيع أو التمويل هو من باب الكلمات التي غلبت ترجمتها الحرفية من اللغات الأجنبية عن معناها في لغتنا الشرعية الإسلامية. والذي لم أدركه إلا حديثا أن هذا الخلط واللبس بين القرض والبيع أو التمويل قد تجاوز عامة الناس إلى كثير من كبار طلبة العلم الشرعي فضلا عن معظم الباحثين في الصيرفة الإسلامية.

يطلق على تمويلات البنوك عموما القروض بل وأَصل بعض الباحثين في الصيرفة الإسلامية ودائع البنوك بأنها قروض وكذا كل ضمان لرأس المال ألحق بالقروض. وهذا خطأ شنيع في تأصيله الفقهي وفي لوازمه اللازمة عنه.

لم يقل أحد من السلف على الإطلاق ولا من الخلف عند تأصيل مفهوم القرض بأنه عقد معاوضة محضة يداخلها زيادة وأجل، لأن لازم ذلك أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وحاشاه عليه السلام، قد وقع في الربا عندما جهز جيشه بأن عاوض البعير حالا بالبعيرين والثلاثة مؤجلة.

لذا فالأمة قد دارت حول الرفق والإحسان والرحمة في تأصيل معنى عقد القرض. فقالت إن القرض من عقود التبرعات (وهو المشهور) أو إنه تبرع في الابتداء ومعاوضة في الانتهاء (كالأحناف) وثالث الأقوال أنه عقد معاوضة غير محضة (كالمالكية والشافعية). وخرجت المالكية ذلك بأن التبرع المحض هو كالهبة والصدقة التي لا يرجى ردها، وأما المعاوضة المحضة فهي كالبيع، وأما القرض فهو معاوضة قامت على الإحسان والشفقة فتأصيل القرض بأنه عقد معاوضة غير محضة يأتي من حيث أنه فيه تبرع وفيه معاوضة. لذا فالوكيل والوصي على المال لا يجوز له إقراض المال الموكل عليه دون الرجوع إلى المالك الأصلي لأن القرض من عقود التبرعات، بينما يجوز للوصي والوكيل أن يبيع هذا المال نفسه لتنميته دون الرجوع للمالك الأصلي لأن البيع من باب المعاوضة المحضة.

وليس الإسلام وحده فقط من قرر ذلك بل قد أجمعت الملل والمذاهب الإنسانية جمعاء بأن القرض عقد رحمة وشفقة وإحسان وزادت ملتنا على ذلك بالمثوبة والأجر الموعود للمقرض. وشاهده عموم قوله تعالى "من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة"، وكذا قوله عليه السلام "من منح منيحة لبن أو وٍَرق أو هدى زقاقا كان له مثل عتق رقبة" فالقرض يقع إذن في اللبن كما يقع في الفضة وفي منفعة الطريق أي أن كل ما جاز بيعه جاز قرضه والفرق الفاصل بين العقدين هو نية المتعاقدين عند إبرام العقد، هل هو عقد يطلب الفقير فيه الرحمة والإحسان من الغني أم أنه عقد تجاري يتسوق فيه المتمول بين الممولين باحثا عن أفضل صفقة.

فعندما تتمول كبار الشركات من البنوك أيُعد هذا عقد قرض من باب التبرعات أم عقد بيع من باب المعاوضات المحضة؟ وعندما يودع زيدٌ المسكين وديعة في البنك بعائد ثابت أو متغير أو يستثمر في استثمار ضامن لرأس المال، أيُعد زيدا المسكين مقرضا للبنك! فصل الشيخ الزكي الذكي ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ، بوضوح ومن غير لبس، الفاصل بين القرض والبيع فقال ـ رحمه الله ـ في أول شرح كتاب البيع:"إذا قال قائل: ما الذي أخرج القرض عن البيع، وهو مبادلة مال بمال؟

قلنا: أخرجه قول النبي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، فما الذي نواه المقرض، هل نوى المعاوضة والاتجار أو نوى الإرفاق؟ الجواب:الثاني، فهو نوى الإرفاق، ومن أجل أنه نوى الإحسان صار مقابلاً لنية المرابي؛ لأن الأصل في الربا هو الظلم كما قال تعالى: {فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}، فصار القرض على نقيض مقصود الربا، إذ إن المقصود منه الإرفاق، فلذلك خرج عن كونه بيعاً.

إذاً ما الدليل على خروج القرض من البيع؟

الجواب: قول النبي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، وذلك أن المقرض والمستقرض لم ينو أحد منهما المعاوضة، إنما قصد المقرض الإرفاق وقصد المستقرض سد حاجته، ولهذا صار القرض ليس بيعاً، وقد سبق أننا لو جعلنا القرض بيعاً لبطل القرض في جميع الربويات بجنسها." انتهى كلامه ـ رحمه الله ـ.

صورة القرض في الواقع هي صورة ربا، فالقرض ربا إلا أن الله أجازه من باب الإحسان كما نص على ذلك علماء الأمة. وهذا ما قصده الشيخ ـ رحمه الله ـ بقوله "لو جعلنا القرض بيعاً لبطل القرض في جميع الربويات بجنسها" ومثاله لو بعتك دينار ذهب تعيده دينار ذهب مثله تماما ولكن لا أقبضه منك إلا بعد يومين فهو ربا وأعظم الربا، ربا النسيئة. ولكني لو أقرضتك دينار ذهب تعيده دينار ذهب مثله تماما أقبضه منك بعد يومين فجائز.إذن ما هو الفرق؟ الفرق هو ما قاله الشيخ وهو النية هل هي نية إحسان أم نية معاوضة. وعلى هذا يتبين خطر وعظم ذنب التحايل على محرمات الله بعقود صورية، ولكل امرئ ما نوى.

ولنقف وقفة باحث عن حق ولنتأمل، هل شراء مؤسسة النقد للسندات الأمريكية، مثلا، عقد قرض فيه نية الرحمة والإشفاق والإحسان فتجري عليه أحكام القروض أم عقد بيع نيته التجارة والمعاوضة المحضة وتجري فيه أحكام البيوع؟ لا أعتقد أن هناك عاقلا يقول إنه قرض ويقصد به المعنى الشرعي للقرض، إذن فهو عند التأصيل الشرعي عقد بيع بلا خلاف وإذا أردنا تحديده بدقة خرجناه على الإجارة، فالإجارة بيع منفعة.

فما بال بعضهم يقذف مؤسسة النقد ليل نهار بالربا؟ قالوا نحن نسميه قرضا إما جهلا وإما تجوزا ولكن أصل المسألة أن السندات أوراق مالية تمثل الأوراق النقدية والأوراق النقدية تقاس على الذهب والفضة وبيع الذهب أو الفضة بذهب أو فضة بالآجل هو بيع ربوي وحرب لله ورسوله وكذا الفوائد هي من ربا الفضل. فنقول فأما بيع الذهب أو الفضة بمثلهما ولو من غير زيادة هو ربا النسيئة المجمع على تحريمه وهو من حرب الله ورسوله ولكن جوهر المسألة هنا هو قياس الأوراق النقدية على الذهب والفضة من أين لكم به؟ هل قال به أحد من السلف أو هل أجمعت عليه الأمة؟ بل أذهب إلى أبعد من ذلك فأقول هل اتفق عليه ولو ثلاثة من علماء الأمة المعاصرين المشهود لهم بالإمامة والورع ومن الذين وضع الله لهم القبول في الأرض؟

قد بينت في مواضع أخرى أنه باستقراء كلام السلف فإنه لا يوجد من قال بقياس الأوراق النقدية بتكييفها الحالي على الذهب والفضة وهو إضافة إلى ذلك مخالف للشروط المتفق عليها في استنباط العلة ومخالف لكثير من قواعد أصول الفقه. لذا فإننا إذا نظرنا إلى أهل العلم المعاصرين، كيفا لا كما، فإن جمهور علماء الديار السعودية الربانيين لم يقولوا بهذا القياس بل قد رد هذا القياس ورفضه الشيخ ابن سعدي وتلميذه الشيخ ابن عثيمين ـ رحمهما الله ـ وتوقف عن القول به الشيخ عبد الله بن حميد والشيخ الأمين الشينقيطي والشيخ عبد الرزاق عفيفي والشيخ صالح اللحيدان والشيخ عبد الله بن غديان وقال به احتياطا الشيخ محمد بن إبراهيم (قوله هي نقد نسبي والاحتياط فيها أولى). وأما إن وسعنا الدائرة لنشمل علماء الأمة الإسلامية فسندخل صفوة علماء الأزهر وعلماء بلاد الشام في دائرة عدم قياس الأوراق النقدية على الذهب والفضة. أفلا يسع هؤلاء، الذين يخلطون القرض بالبيع والتمويل فيصفون السندات وتمويلات وودائع البنوك وصناديقها الضامنة لرأس المال بأنها قروض لمجرد الزيادة مع الأجل، ما وسع رسول الله بأخذه البعير حالا بالبعيرين والثلاثة آجلا!.

ألا يسع هؤلاء الذين يصرون على قياس الأوراق النقدية على الذهب والفضة والذين أدركوا الفرق بين البيع و القرض فأجروا ربا البيوع على كل ما سبق وفسقوا المخالف ما وسع صفوة علماء الديار السعودية ومصر وبلاد الشام! ألا يسع هؤلاء وهؤلاء ما وسع رسول الله والسلف وصفوة علماء الأمة المعاصرين! ألا يسعهم ما وسعهم! ألا يسعهم ما وسعهم!

إذا فُهمت هذه الأصول وعدنا إلى تأصيل المعاملات تأصيلا شرعيا صحيحا سنستطيع استعادة الرؤيا الشرعية للتمويلات وللودائع وللصناديق الاستثمارية الضامنة لرأس المال لا مجرد إطلاق مفهوم القرض تعسفا على كل مبادلة تتم داخل البنوك اعتمادا على إطلاق مفهوم القرض أو صورة من صور القرض على كل زيادة في المقدار أو الأجل مع الضمان.

ولا يلتبس الدَين مع القرض على القارئ الكريم. فالكلمتان ينوب بعضها عن بعض عند التفرق وتختلف مفاهيمهما عند الاجتماع، فهي إذا افترقتا اجتمعتا وإذا اجتمعتا تفرقتا. وشاهد الإنابة في المعنى قوله تعالى: "يا أيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه" فالدين هنا بمعنى القرض أو بيع السلم أو بيع الآجل. ولكن عند تأصيل مفهوم الدين ليتميز عن القرض والبيع فالدين هو بيع الكالئ أو ما لا يملكه البائع. ومن هنا خرج بعض العلماء الربانيين الأوائل الأوراق النقدية على أنها سندات دين على الدولة، وذلك أن الدولة تبيع الأوراق النقدية مقابل عوض غير موصوف في ذمة الدولة من غير تحديد لأجل. وانظر يا ـ رعاك الله ـ إلى دقيق فقههم في ذلك الوقت المتقدم الذي لم تكن ديناميكية عمل البنك المركزي وعلاقته مع الدولة والبنوك ظاهرة. فالبنك المركزي لا الدولة هو من ينتج الأوراق النقدية كسلع يقدمها للبنوك من غير معاوضة محضة على سلع أو منفعة ، والبنوك تقدم هذه الأوراق للناس لتسهيل معاشهم والدولة من الناس.

الخلط بين القرض والبيع كان بعض ما أدخل اللبس في المفهوم الشرعي لكثير من العمليات الاقتصادية في المجتمع الاقتصادي الإسلامي فحُرم الحلال وحُلل الحرام وأُتي بالمتناقضات وأُضحك الأعداء وأُبكي الأصدقاء ووقفت الأمة حيرى تبحث عن مقاصد الشريعة وتتساءل عن حكم التشريع وتتلمس مصداقية الأخبار التي أصبحت كأحاديث الإسرائيليات. وصدق الله "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" والحمد الله رب العالمين.

قل يا أهل الصيرفة غير التقليدية تعالوا إلى كلمة سواء

د. حمزة بن محمد السالم

تتنازع الأمم على لقب الفرقة الناجية, فتزعم كل أمة أنها على حق وغيرها على باطل. وتنقسم كل أمة على ذاتها مشكلة مللا متنوعة يظن كل منها أنها هي المقصودة بالفرقة الناجية. وتتفرق الملل إلى مذاهب ومشارب يخطئ بعضها بعضا ويفسق بعضها بعضا. وهم جميعا في ذلك يجردون النية إخلاصا والعمل إتقانا، وشاهده قوله تعالى "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا".

والأمم وهي في نزاعها هذا، تجتمع على ما يمكن الاجتماع عليه لتوحد جهودها في مواجهة الأكثر اختلافا معها. فيجتمع أهل الكتاب ضد المشركين من المجوس وعبدة الأصنام والملحدين. ويجتمع اليهود والنصارى في حربهم على المسلمين. ويجتمع أهل السنة على تفسيق وتكفير من خالفهم من أهل البدع والأهواء والفرق الضالة. وتجتمع بعض مذاهب أهل السنة حينا وتفترق حينا لإبعاد المخالف وتقريب الموافق.

وأصل هذه النزاعات هو تنازع علماء الأمم والملل على النفوذ، سواء الفكري أو المعنوي أو المادي، ووقود هذه النزاعات هم المقلدون والعامة والبسطاء والجهلة الذين يستجيبون لنزعة الخضوع والاستسلام التي فطر خالق الخلق عليها فيسلمون عقولهم وأنفسهم لأشخاص اعتاد العامة على الاستسلام لهم لظنهم أنهم يعلمون ما لا يمكن علمه وإدراكه أو أنهم يملكون قوى خاصة لا يملكها إلا هم.

فمن أجل هؤلاء الأشخاص قُدمت التضحيات فقتلت الأبناء وحرمت الطيبات، "قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين". واستمتع هؤلاء الأشخاص عبر الدهور إلى وقتنا الحاضر باستسلام أتباعهم لهم فاستباحوا أموالهم وافترشوا بناتهم وقتلوا أبناءهم، والأتباع في سكرتهم هذه يعتقدون أنهم يدافعون عن ملتهم التي جسموها وجسدوها في شخص هذا أو ذاك.

قتل اليهود زكريا وذبحوا يحيى رضوخا لأحبارهم. وعطلت النصارى عقولها فقتلوا ربهم بعد أن جعلوه واحدا في ثلاثة إذعانا لتراتيل رهبانهم. وأدمى سفهاء ثقيف قدمي رسول الله سيد المرسلين والأولين والآخرين تثبيتا لنفوذ ساداتهم. وأفتى علماء السوء المعتصم بقتل إمام أهل السنة أحمد بن حنبل وتعهدوا بحمل دمه على رقابهم يوم القيامة. وتحت ذريعة مفهوم مصلحة سد الذرائع، رجمت قرى بخاري وسمرقند وطاشكند إمام الحديث، أبا عبد الله البخاري، حتى ثوى طريدا شريدا طاهر الأردان لم تبق بقعة من الأرض غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر. وأما حمير الفروع فهم من قد أفتوا بسجن شيخ الإسلام ابن تيمية بل وقتله لخروجه عن الفتوى في وقوع الطلاق الثلاث حتى مات شهيدا سجينا، وما مات حتى مات سعيدا مُجددا مُخلدا. (حمار الفروع هو طالب علم كان يحفظ كتاب الفروع ولا يفقه منه شيئا فأطلق اللقب على كل مقلد حافظ ينصب نفسه للفتوى).

ليس الذي يعبد الله على بصيرة كالذي يعبده تقليدا, وفي كل خير وأجرهما على الله. ولكن أنى لمن أراد أن يعبد الله على علم أن يدرك البصيرة، والبصيرة قد يغشاها ما يغشاها من العادات والأهواء والحجة الملعونة "إنا وجدنا آباءنا على أمة و إنا على آثارهم مهتدون".

اتفق عقلاء الإنسانية على أن ينطلق تحاورهم في أي مسألة يختلفون فيها من نقطة اتفاق تكون منطلقا لحوارهم ومرجعا لهم يهتدون به عند انحرافهم عن محور النقاش ومقصده، وشاهد ذلك قوله تعالى "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله".

والملحدون والمشركون لا يؤمنون بكتاب منزل, ولا نؤمن بقصصهم وأساطيرهم, فالكلمة السواء التي نتفق عليها معهم إذن هي العقل والمنطق الذي سيقودنا إلى رب خالق حكيم يرسل رسلا وينزل كتبا. وبعد ذلك فتوحيد الله واعتماد كتابه الذي أنزله هي نقطة الالتقاء وبداية الحوار ومرجعه في الخيار بين أديان أهل الكتاب وشرط صحته اجتناب اتخاذ الأحبار والرهبان و العلماء أربابا من دون الله, يحرمون الحلال فنحرمه, ويحللون الحرام فنحلله، والشرط يلزم من عدمه العدم ودليله هنا "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله".

جاء الإسلام بدين ظاهرةٌ معالمه, بينةٌ مراجعه, متجددةٌ أصوله, مطابق للعقل والمنطق, موافق لمصالح الناس, فتحدى جل جلاله الجن والإنس إلى قيام الساعة بقوله تعالى "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا". وأتم جل شأنه نعمته بإكمال الدين وجعله كالمحجة البيضاء ليلها كنهارها "اليوم أكملت لكم دينكم". وأيد رسول الله كلا الفريقين في أداء صلاة العصر قبل وصولهم إلى بني قريظة أو تأجيلها عن وقتها حتى الوصول عملا بظاهر الأمر. واعترضت امرأةٌ الفاروق عمر أمام الناس في أمر المهور، ودعا أئمة الإسلام الربانيون إلى الدليل, فكل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب الحجرة النبوية المشرفة. فما كان للفرق الباطنية والمذاهب الهدامة أن تظهر حتى دعا من دعا إلى تقسيم الناس إلى عامة وخاصة. فانقسمت الأمة إلى فرقة البسطاء البلهاء الذين يعبدون إلها جسدوه في شيخهم يحلل لهم الحرام ويحرم عليهم الحلال, وإلى فرقة رفضوا عبادة غيرهم فعبدوا أنفسهم باتباع أهوائهم وعقولهم دون كتاب الله وسنة نبيه, وحفظ الله دينه بالفرقة الناجية الذين ارتضوا كتاب الله, وصحيح سنة نبيه مرجعا, وطريقة السلف منهجا, وإدراك الواقع تطبيقا.

كهنوت أضاع الأمة الإسلامية قرونا طويلة في فقهها وعقيدتها. الحق نور ولا يخشى النور إلا الخفافيش التي لا تعيش إلا في الظلام. وتتزايد صيحات الدعوة إلى الكهنوت وتتصاعد كلما أتى قول عماده وأساسه الكتاب والسنة. ومما ابتلينا به في هذه الحقبة من الفقه الإسلامي بما أسموه تدليسا وإرهابا بالمصرفية الإسلامية والإسلام منها براء. ظهرت هذه المصرفية، مصرفية الحيل على أنقاض تكتيم أفواه العلماء قديما وإخفاء آأرائهم حديثا بدعوى اتحاد الفتوى.

دين الإسلام دين فهمته الأمة الأمية, فهو إذن سهل الفهم ولكن للمخلص المتجرد عن الهوى، وما حصل ما حصل من النزاع والاقتتال في الأمة إلا لأنها أغلقت عقلها وسمعها وبصرها عن كتاب الله وسنة نبيه, واتبعت بشرا من الناس يصيب ويخطئ ويداخله الهوى والتأويل إن لم تداخله المصالح والمنافع الخاصة. إن دعوى عدم مخالفة الفتوى الرائجة هي دعوى للجمود ولإماتة الدين. وما دعوة إمام التوحيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلا دعوة تجديدية في أصلها, تصحيحية في تطبيقها, عمادها الكتاب والسنة ومنهجها الفكري منهج السلف الصالح, وما ظهر ما ظهر هنا وهناك من مخالفات نُسبت جهلا وظلما لهذه الدعوة المباركة إلا بممارسات من زعموا الانتساب لهذه الدعوة النقية بتجميدهم للفتوى وتعطيلهم للاجتهاد, وهم بذلك قد خالفوا هذه الدعوة السلفية المباركة في أصلها التجديدي, كما خالفوها في منهج تطبيقها التصحيحي.

ألا يعلم من ينافح ويناضل عن مصرفية الحيل أنها مصرفية قد جانبت الكتاب والسنة في أصلها واستخفت بالعقول في تطبيقاتها وأرهبت المسلمين في اقتصادياتهم واجتماعياتهم وأكلت أموالهم بالباطل.

ألا يعلم من يدعو إلى إخفاء دين الله أن شيوخ هيئة كبار العلماء, رحم الله من مات منهم, قد توقفوا عن القول بربوية الأوراق النقدية لعدم ظهور الدليل. ألا يعلم من يحاول تدليسا أن ينسب مصرفية الحيل هذه إلى هيئة كبار العلماء أن شيوخها براء منها. ألا يعلم من غُيب فكره وعقله أن اجتماع صيرفة الحيل في الخليج مع صيرفة الحيل في ماليزيا مع صيرفة الحيل في بريطانيا هو فقط في التدليس على عامة المسلمين بمسمى الصيرفة الإسلامية بينما يخطئ ويفسق بعضهم بعضا في التطبيق .

لم يجتمع عند أهل السنة والجماعة أمر بعيد عن الكتاب والسنة وآراء أهل السلف ومتناقض في العقل والمنطق ومبتعد عن مقاصد الشريعة وممعن في التدليس والتلبيس على الناس، كما اجتمع في مصرفية الحيل التي زعموا أنها إسلامية.

إن الدعوة إلى اختزال الدين في أشخاص عدة والدعوة إلى قبول كل ما يأتون به دون نقاش هو دعوى الفرق الباطنية والمذاهب الهدامة والرهبانية المبتدعة, ولا يدعو بها إلا جاهل ضل عنه التوفيق والتسديد، أو شيخ سوء قد داخلت الغطرسة وملأ الكبر نفسه, أو مستفيد قد امتلأت جيوبه من أموال ضعفاء المسلمين بغير حق.

"أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم" يا أهل صيرفة الحيل تعالوا إلى كتاب الله وسنة نبيه وإلى السلف الصالح وإلى العقل والمنطق وإلى اعتبار مقاصد الشريعة ومصالح المسلمين فإن أبيتم وتوليتم فلكم دينكم ولنا دين, فلا تقذفوا المسلمين وتفسقوهم وولاة أمورهم, ولا ترهبوا الناس بقذفهم بالربا, ولا تضيقوا عليهم في دينهم وديناهم فتحملونهم على صيرفة أصحاب السبت فتضيعوا أموالهم وتعطلوا اقتصادياتهم, ولا تدلسوا على الناس بمسمى الصيرفة الإسلامية, فأنتم على أحسن الأحوال الصيرفة غير التقليدية.

صيرفة إسلامية أم صيرفة الحيل أم صيرفة .. ؟ (1 من 2)

د. حمزة بن محمد السالم

hamzaalsalem@gmail.com

تنحرف الأمم عن منهج الدين الحق بإشفاق مشفق أو استحسان مستحسن، كالزهاد والعباد واضعي أحاديث الرقائق. وكاحتياط بعض الفقهاء في حيض المرأة في وضعهم أغلالا على إماء الله في الصلاة والصيام ما أنزل الله بها من سلطان، والتمثيل في هذا الباب يطول، ومَن أراد أن يرى العجب العجاب والمضحكات المبكيات فليرجع إلى كتب فقه القرون الوسطى. والمتأمل في هذه الكتب يتضح له حقيقة ما قرره إمام التوحيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، حيث قال، وأكثر ما في كتب الحنابلة كالإقناع والمنتهى ليس من مذهب الإمام أحمد بن حنبل عرف هذا من عرفه وجهل هذا من جهله، أو كما قال رحمه الله تعالى. وما كان ذاك ليكون إلا أن شيوخ تلك الفترة قدموا آراء علمائهم ومشايخهم والرأي والسياسة والهوى على النص من كتاب الله وسنة نبيه، وصدق الله "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا".

قد يجتهد مجتهد من أئمة الدين وجهابذة العلم فيحالفه التوفيق والتسديد في وقته، ثم يحرف الأمة بعد ذلك عن موافقة الكتاب والسُّنة تمسكها بذلك الاجتهاد من ذلك الإمام المجتهد رغم اختلاف معطيات الفتوى التي بُنيت عليها وتغيرها وذلك لمكانة المجتهد وقدره. فمن ذلك اجتهاد الفاروق عمر، رضي الله عنه، في إمضاء وقوع الطلاق الثلاث في مجلس واحد (أي وقوع البينونة الكبرى). وقد كان اجتهاد الفاروق، رضي الله عنه، وقتيا بسبب تهاون الناس في التلفظ بالطلاق الثلاث في زمنه فأمضاه عليهم تأديبا لهم وردعا عن التلاعب بحدود الله. فتمسكت الأمة جميعها من بعده، رضي الله عنه، شرقها وغربها، شمالها وجنوبها، عربهم وعجمهم، على اختلاف مذاهب علمائها وجلالة قدرهم وتنوع مدارسهم الفكرية لقرون طويلة بما انتهى إليه اجتهاد الفاروق، رضي الله عنه، دون النظر إلى إمكانية تغير المعطيات والأسباب التي بنيت عليها فتوى الفاروق، رضي الله عنه. فحدث الخلل في هذا الباب من الفقه فوقع الناس في حرج وضيق شديد فنشأ نتيجة ذلك أن ازدهر فقه التحليل بالتيوس المستعارة أو التيوس المحللة نتيجة لتحريم ما لم يحرمه الله ورسوله حتى جدد الله دينه بشيخ الإسلام ومجدد دين الأمة تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم (ابن تيمية)، فأعلنها صراحة بعدم وقوع الطلاق في مجلس واحد مخالفا في ذلك إجماع الأمة، فلا اجتهاد مقابل نص. وقد واجه شيخ الإسلام، رحمه الله، أذى كثيرا في ذلك, فصبر واتقى فكانت له العاقبة الحسنى.

كم من بيوت هدمت وكم من شمل أٌسر فرق وكم حُرّم حلال وحلل حرام بالإصرار على اجتهاد مضى زمنه وتغيرت معطياته. كم سُطر في كتب الفقه من تفاهات فنون استخدام التيوس المستعارة أو المحللة حتى تصدى لها شيخ الإسلام بكتابه الشهير "بيان الدليل في بطلان التحليل".

وفي زماننا هذا ابتلينا بأمر مشابه من تحريم ما لم يُحرِّمه الله ورسوله ثم استحلاله بالحيل الساذجة المكلفة على الأمة ولكن على مقياس أوسع وخطر وضرر على الأمة أعظم وأكبر.

صيرفة الحيل أو صيرفة التيوس المستعارة أو المحللة التي يطلق عليها تضليلا وتدليسا وتخويفا وإرهابا للمسلمين بالصيرفة "الإسلامية" هي نتاج التمسك باجتهاد فقهي كان موفقا في زمنه قد بُني على مقدمات ومعطيات وحيثيات لم تعد موجودة واحتيط فيه من محظور لم يعد قائما.

فمَن من هذا الأمة سيكون مجدد الدين لهذا العصر؟ مَن سيقف موقف الشجاع المتبع الحق للكتاب والسنة كموقف شيخ الإسلام، لا يخاف لومة لائم، ويواجه ما ران على قلوب الناس عبر عقود من الزمن من فهم خاطئ لهذه المسألة؟ إن التنبؤ بردود الأفعال من أخطر الأمور ولكنني أتوكل على الله وأحتسب وأعتقد أن أقرب الأمة إلى ذلك ـ والله أعلم ـ هو العالم الإمام الرباني الشيخ صالح اللحيدان، وذلك حسب استقرائي منهجه الديني ومواقفه الشرعية، حفظه الله. وهذا المقال وسلسلة المقالات من بعده لهي طلب إلى الشيخ، حفظه الله، أرفعه لإعادة البحث في المسألة لعظم ضرر وخطورة نتائجها على المسلمين وعلى الدين بعد أن تغيرت المعطيات والمفاهيم التي بُنيت عليها أقوال العلماء الذين قالوا بما هو مشهور بين الناس الآن.

وقبل أن أنطلق في الخوض في هذا الموضوع المهم والخطير لعقيدتنا واقتصادنا، يجب أن أؤصل اسم هذه الصيرفة التي يطلقون عليها الصيرفة الإسلامية. الصيرفة الإسلامية ليست بالاقتصاد الإسلامي. الاقتصاد الإسلامي أوسع وأشمل، فيدخل فيه الزكاة والبيوع, المجتمع الاقتصادي الإسلامي على تفصيل ليس هذا مكانه. الصيرفة تعنى غالبا بالتمويل. وقد قامت على فتوى بعض العلماء في جريان الربا في الأوراق النقدية في وقت مضى قد تغيرت فيه حقيقتها تماما الآن. فأكثر ما يشبه حالتها من تاريخ الفقه الإسلامي هو إيقاع الطلاق الثلاث في عهد عمر، ووقوع الناس في حرج شديد بعد ذلك، فاجتهد كثير من شيوخ تلك الفترة في إيجاد حل لتحليل المرأة إلى زوجها وباستخدام أداة لذلك هو التيس المستعار أو المحلل، وهي تسمية شرعية وردت في السُّنة. والصيرفة الإسلامية استخدمت أدوات أدخلتها بين المتمول والممول, بيع عينة غالبا وتورقا غير كامل الأركان نادرا. (وفي المقال القادم سأسرد نص تشخيص الشيخ محمد بن إبراهيم، رحمه الله، للعينة، التي هي مطابقة تماما الآن لهذه الصيرفة، وتحذيره منها وتعقيب الملك عبد العزيز، رحمه الله، على ذلك). هذه الأدوات تسمى حريرة (أي قماشا) أو حديدا مستعارا أو سهما محللا أو صكا إلى آخر ذلك. لذا فالاسم الشرعي لهذه الصيرفة هي صيرفة الحيل أو صيرفة التيوس المحللة أو المستعارة ولا تسمى أبدا الصيرفة الإسلامية.

صيرفة الحيل أم صيرفة التيوس المستعارة أم التيوس المحللة؟ (2-2)

د. حمزة بن محمد السالم

في الجزء الأول من هذا المقال في الأسبوع الماضي، كنا قد انتهينا من التأصيل الشرعي لمسمى ما يطلقون عليه الآن الصيرفة "الإسلامية". وبينا أن الاسم الشرعي لها يدور حول صيرفة الحيل أو صيرفة التيوس المحللة أو المستعارة لورود هذا اللفظ في السنة بإطلاقه على الاحتيال لتحليل المرأة إلى زوجها. وإن إطلاق مسمى الصيرفة الإسلامية على هذه الحيل الساذجة لهو إساءة لديننا وخطر يهدد عقيدتنا خاصة عند غير المسلمين. وفي ذلك أقوال ومقالات وبحوث وكتب من مفكرين وعقلاء يستنكرون سقوط الأمة الإسلامية في هذا المنزلق في استخدام الحيل، ومن آخر ما قيل في ذلك ما نقل عن المحامي البريطاني، الذي اشتغل بقضية صكوك في بريطانيا، قوله إن المسلمين يستطيعون الاحتيال على ربهم ولكن البريطانيون لا يستطيعون الاحتيال على قضاتهم.

هذا من الناحية الفكرية، أما اقتصاديا فقد استغل آخرون على المستويين العالمي والمحلي هذه الحيل الساذجة في استنزاف أموال المسلمين بتمويلهم بأغلى الأسعار والتمول منهم بأرخصها. وما كانت هذه المهزلة لتحدث إلا بسبب هجران المسلمين للكتاب والسنة ولأقوال السلف واتباعهم لآرائهم التي يغلب عليها الهوى تارة وحب التميز عن الغرب وإيجاد هوية "اقتصادية إسلامية" تارة أخرى، ولو كان ذلك على حساب آلاف المليارات من أموال المسلمين، فضلا عن تعطيل اقتصادياتهم والاستخفاف بعقولهم وأحلامهم بصيرفة الحيل الساذجة.

وقد وضحت في مقالات قديمة أن القول بربوية الأوراق النقدية مخالف لنص الكتاب والسنة ومخالف لما هو المشهور في المذاهب الأربعة، وأن بعضا من شيوخنا وعلمائنا، رحمهم الله، الذين رأوا بأن الأوراق النقدية تقاس على الذهب والفضة قد خالفوا المذاهب الأربعة وأخذوا بالاحتياط للدين، حيث إن في ذلك الوقت المتقدم كانت الأوراق النقدية مرتبطة بالذهب وذا قيمة ثابتة تجعل منها مستودعا للثروة، ومن ذلك قول الشيخ محمد بن إبراهيم، رحمه الله، مفتي الديار السعودية في تشخيص هذه الأوراق النقدية "هي نقد نسبي والاحتياط فيها أولى"، بينما رأى الشيخ بن سعدي، رحمه الله، عدم جريان الربا فيها ودافع عن ذلك بالدليل والحجة. وفي فتوى هيئة كبار العلماء نجد أن معظم كبار علمائنا من شيوخ هيئة كبار العلماء وذوي الطول فيهم قد توقفوا عن البت بالقول الفصل في ربوية هذه الأوراق النقدية كالشيخ الإمام عبد الله بن حميد رئيس مجلس القضاء الأعلى سابقا، رحمه الله، ووالد العالمين الجليلين الشيخ صالح بن حميد إمام وخطيب المسجد الحرام، والشيخ الزاهد التقي النقي الخفي الطاهر الدكتور العلامة أحمد بن حميد، حفظهما الله تعالى. وممن توقف عن الحكم في الأوراق النقدية فلم يقل بجريان الربا فيها الشيخ العلامة الأمين بن المختار الشنقيطي صاحب أضواء البيان في تفسير القرآن وصاحب المؤلفات الطوال، عضو هيئة كبار العلماء رحمه الله. ومنهم الشيخ عبد الرزاق عفيفي، رحمه الله، عضو هيئة كبار العلماء ونائب مفتي الديار السعودية. ومنهم الشيخ صالح اللحيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى، حفظه الله تعالى. فانظر، رحمك الله، إلى مَن توقف ومَن رد القياس ومَن أخذه احتياطا (يزول بزوال المحظور)، فمن القوم إلا هم. ولاحظ أخي القارئ الكريم أن توقفهم في تلك الفترة كان على الرغم من أن الوضع النقدي في ذلك الوقت لم تتضح فيه حقيقة معنى انفكاك الذهب عن الدولار الذي حصل عام 1973, وجعل من الدولار بديلا عن الذهب, والذهب محدود, والدولار غير محدود، ما نفى على العملات صفة استيداع الثروة وما عاد لها قيمة ثابتة، وذلك كأصل في خلقتها لا طارئ عليها, وذلك لانفكاك ارتباطها بالذهب.

ومن الأحياء جمع كثير من الذين ردوا هذا القياس، أي قياس الأوراق النقدية على الذهب والفضة، منهم على سبيل التمثيل لا الحصر، الشيخ حسن أيوب في كتابه "فقه المعاملات" بقوله: والذي أدين الله به بأنه لا يجري فيها (أي هذه الأوراق) لا ربا الفضل ولا ربا النسيئة, ومنهم الشيخ الدكتور محمد الأشقر الذي طالب بالنظر في السماح وجواز تبادل الريال بالدولار أو الريالين بالأجل تمويلا وبيعا وشراء لا قرضا وذلك في عدد من المجمعات الفقهية التي يحاول البعض الاحتجاج بها دون الكتاب والسنة ويدعي الإجماع، ولو اطلع على النقاشات النهائية والبحوث المقدمة لعلم أنه ليس هناك إجماع في ذلك, بل غلبة رأي.

ومن الأسباب التي دعت بعض شيوخنا، رحمهم الله، للقول بربوية هذه الأوراق هو الخوف من منع الناس للزكاة قياسا على الفلوس في بعض المذاهب، وهذا الخوف لم يعد قائما لاستقرار أن الأوراق النقدية مال محترم قابل للنماء. وسأعود للتفصيل في هذا مستقبلا، ومن أراد ذلك حالا فليرجع إلى مقالاتي القديمة.

العقل البشري بطبعه قد يرفض قبول الحق، والدليل من الكتاب والسنة والمنطق، بسبب ما ألفه واعتاد عليه، فتغيير مفهوم قد رُبي عليه الشخص من أصعب الأمور وأشقها، فهي الحجة الدامغة القوية التي أسماها إمام التوحيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالحجة الملعونة، حجة إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون، وإنا على آثارهم مقتدون.

ولكن المؤلم والذي يجب ألا يقع فيه بعض مَن ينتسب إلى العلم الشرعي هو الخلط على عامة الناس عن عمد أو عن جهل، وذلك عندما يأتونهم الناس وقد وضعوهم موضع أمانة دينهم ودنياهم فيسألونهم في هذه المسألة فيخلطون عليهم بين القرض والتمويل، هذا إن كان المتصدي لمثل هذه الأمور يدرك الفرق في ذلك، وإن كان قد ظهر لي من اشتغالي في هذه المسألة أن أكثر مَن يتصدى لذلك لا يدرك الفرق بين القرض والتمويل، وهذا دليل على عدم فهم المسألة من أساسها، وقد أوضحت ذلك جليا في مقال قديم بعنوان "الضبابية بين القرض والتمويل أما آن لها أن تنجلي".

فلم ولم ثم لم يُجبر الناس على قول مستحدث لا مستند له إلا آراء بعض المحدثين ويقذف بناء على ذلك عامة المسلمين وأولياء أمورهم بالربا، وتستباح أموالهم ويتهمون بمحاربة الله ورسوله ويضيق عليهم في دينهم ودنياهم؟ هل أُمرنا بعبادة الله في ضوء الكتاب والسنة (قل إني على بينة من ربي) أم على رأي واستحسان فلان وعلان من المحدثين؟

إن من أعظم القذف قذف المسلمين بجريمة الربا، وأن ما يحدث من التسلط على المسلمين بإرغامهم على صيرفة التيوس المحللة والإرهاب الفكري الممارس من قبل بعض المستفيدين من هذه الصيرفة، يجب أن يطرح على الساحة ويناقش تحت الشمس، فالحق نور والنور لا يخشى الضياء وإنما تتوارى الآراء العقيمة خلف كهنوت ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، "إنه ليس كل ما اعتقد فقيه معين أنه حرام كان حراما. إنما الحرام ما ثبت تحريمه بالكتاب أو السنة أو الإجماع أو قياس مرجح لذلك. وما تنازع فيه العلماء رد إلى هذه الأصول. ومن الناس مَن يكون نشأ على مذهب إمام معين أو استفتى فقيها معيناً أو سمع حكاية عن بعض الشيوخ، فيريد أن يحمل الناس كلهم على ذلك، وهذا غلط" انتهى كلامه، رحمه الله.

الضبابيةٌ بين القرض والتمويل أما آن لها أن تنجلي

. حمزة بن محمد السالم

تختلط مفاهيم "القرض والسلف والسلم والدين والمبادلة والبيع" مع مفهوم "الربا" عند غالب الناس وعلى رأسهم كثير من طلبة العلم، مما أدى إلى قصر إدراكهم وتصورهم للربا على أنه إعطاء لشيء مقابل استرداد مثل هذا الشيء مؤجلاً بزيادة. فأدخلوا في الربا ما ليس بربا وأخرجوا من الربا ما هو من صميم الربا.

ونحن نذكر إلى عهد قريب مسألة وقوع الطلاق بالثلاث في مجلس واحد والضبابية التي كانت تلفها عند كثير من طلبة العلم وذلك لاستقرار الفتوى على وقوع مثل هذا الطلاق لألف وثلاثمائة عام.

 

الضبابية في الفرق بين القرض والربا (ربا الديون وربا البيوع) لا تظهر عند البحث في كتب السلف ولا عند الراسخين من أهل العلم المعاصرين. إنما ظهر الخلط والإبهام بعد ظهور أوراقنا المالية المعاصرة وارتباطها بالذهب قديما (قبل عام 1971م) وأصبحت عماد أموال الناس واختلاف العلماء في قياسها على الذهب والفضة. فدخل البر والفاجر والمفكر وطالب العلم والمستغرب والمستعرب في جدال فكري ضاع فيه التأصيل فاختلطت الفروع بالمصالح المرسلة والوسائل بالغايات والاحتياط بالفتوى والسياسة الشرعية. فتحيرت الأفهام وتاهت السبل. ولو رُجع إلى كتب السلف والعلماء المعاصرين الراسخين في العلم واستنبطنا آراءهم ضمن المعطيات الحالية والتي حديثاً (وفي خلال زمن قصير جدا) تغيرت في جوهرها تغيرا مؤثرا في استنباط الأحكام، لاهتدينا إذاً لأضواء المدينة النبوية ولسرنا بأنوارها عبر المستجدات التي استجدت في النظام المالي الحديث. إن الركام الذي اجتمع في أذهان الناس عن الفرق بين ربا الديون وربا البيوع قد يصعب إزالته في مقال مختصر ولكنه ليس بمستحيل إذا تجرد القارئ الكريم من الحكم المسبق وتأمل بموضوعية وعلم أنه من الواجب على المسلم إذا نهى عن أمر عرف حده، وما يدخل فيه وما لا يدخل، ثم اجتهد واستعان بربه في تركه، وإن هذا ينبغي مراعاته في جميع الأوامر الإلهية والنواهي. ربا الديون وهو ربا القرض وهو عقد إحسان ورفق وتبرع ويدخل في جميع ما يصح بيعه بالأجل (فتدخل فيها المنافع) وأجمعت الأمة على تحريمه. وينقسم إلى نوعين، النوع الأول هو الزيادة في الأجل مقابل الزيادة في المقدار. كأن يبيع شخص لآخر سيارة بالتقسيط فإذا عجز عن السداد في الوقت المحدد زاد في السعر مقابل هذا التأخير في الزمن وهو ربا الجاهلية. وأما النوع الثاني فهو الزيادة المشروطة في أصل القرض كأن يقترض شخص من آخر منفعة كسكنى أسبوع مقابل أسبوعين بعد مدة أو استقراض جمل بجملين أو طابع بريد بطابعين إلى أجل أو ريال بدولار أو ريالين بأجل. لكن ماذا لو قويض الأسبوع بالأسبوعين مبادلة لا قرضا والجمل بالجملين بيعا وشراء والطابع بالطابعين أخذا وعطاء والريال بالدولار أو الريالين تمويلا دون قصد القرض الذي هو عقد إحسان ورفق وتبرع؟ فهذا يقودنا إلى ربا البيوع. فربا البيوع يقع في عقود الصرف والمقايضة بين السلع والمبادلات التجارية بعضها ببعض. وهو ربا النسيئة أي ( الأجل أو الزمن) وأما ربا الفضل (الزيادة) فهو وسيلة إلى النسيئة لأنه لا يتخيل من عاقلين أن يتبادلا نفس الشيء تماما مع زيادة في أحدهما من غير أجل بينهما. هذا الربا (ربا البيوع) لا يقع إلا في الأصناف الستة المنصوص عليها في الحديث، "الذهب، الفضة، البر، الشعير، التمر والملح"، أو ما يقاس عليها. إذن فالأسبوع بالأسبوعين مبادلة، والجمل بالجملين بيعا وشراءً، والطابع بالطابعين أخذا وعطاء لا بأس بها إن لم يكن هناك قصد القرض الذي هو عقد إحسان ورفق وتبرع لأنها لا تقاس على الأصناف الستة وبذلك أفتى علماؤنا رحمهم الله. وأما الريال بالدولار أو بالريالين تمويلا وبيعا وشراء دون قصد القرض الذي هو عقد إحسان ورفق وتبرع فهذا الذي لم تتضح حقيقته الاقتصادية إلا في العقدين السابقين. فإن كانت الريالات والدولارات تقاس على الذهب، فالريال بالدولار أو الريالين تمويلا وبيعا وشراء هو نوع من الربا (ربا البيوع لا ربا الديون). وأما إن كانت الريالات والدولارات لا تقاس على الذهب، فحكم الريال بالدولار أو الريالين بأجل هو الجواز كالسلع الأخرى إذا كانت تمويلا وبيعا وشراء (والأوراق والسندات سلع حقيقية بذاتها وليست تمثيلا لغيرها كما نوقش سابقا، وهذا بين واضح بين لمن تخصص فيها). وأذكر هنا على عجالة مواقف بعض العلماء ذوي القدم الراسخة في العلم في قياس الأوراق المالية على الذهب. فممن توفى منهم، رحمهم الله، الشيخ عبد الرحمن بن سعدي الذي رد هذا القياس ورفضه وأما الشيخ محمد بن إبراهيم فعبر عن ذلك بقوله هي نقد نسبي والاحتياط فيها أولى (وكانت آنذاك مربوطة بالذهب)، وتوقف عن هذا القياس كل من الشيخ عبد الله بن حميد والشيخ محمد الأمين الشنقيطي والشيخ عبد الرزاق عفيفي. (وانظر رحمك الله إلى هؤلاء! فمن القوم غيرهم؟) ورغم أن ذلك كان قبل انفكاك الارتباط بالذهب أو بعد الانفكاك وعدم إدراك تبعيات هذا الانفكاك في ذلك الوقت المتقدم. وما زال من الأحياء جمع متوقفون في هذا منهم الشيخ صالح اللحيدان والشيخ عبدالله بن غديان (إن ما زالوا على موقفهما) ومن الأحياء الذين ردوا هذا القياس الشيخ حسن أيوب والشيخ الدكتور محمد الأشقر الذي طالب بالنظر في السماح وجواز تبادل الريال بالدولار أو الريالين بالأجل تمويلا وبيعا وشراء ومنهم الشيخ الدكتور علي جمعة مفتي مصر الذي أفتى بجواز ودائع البنوك لأن الوضع النقدي تغير. ويحب على في هذا الموقف أن أوضح على عجالة حيثيات فتوى الشيخين، الأشقر وعلي جمعة، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى مقالاتي السابقة. فالمشهور من المذاهب الخمسة أن الربا لا يجري في الأوراق النقدية، وشروط القياس التي اعتمدها المتأخرون في قياس الذهب على الأوراق المالية بجامع مطلق الثمنية لم تعد قائمة وهي أنها مقياس للقيم الآجلة ومستودع للثروة وأن هذا أصل فيها لا طارئ. وليرجع من شاء إلى أي من كتابات وبحوث الذين قاسوا الذهب على الأوراق المالية فسيجد الاستدلال على هذا القياس بأن الأوراق المالية هي مقياس للقيم الآجلة ومستودع للثروة وهذا ما لم يعد قائما بعد الانفكاك عن الذهب وعليه فيبطل هذا القياس لانتفاء شروطه، هذا القياس الذي وصفه الشيخ الأشقر بأنه قياس مهترئ وباطل. ومن المعلوم بالدين من الضرورة أن الفتوى تتغير بتغير المعطيات والوقائع. وأختم بشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - حيث قال "إنه ليس كل ما اعتقد فقيه معين أنه حرام كان حراما. إنما الحرام ما ثبت تحريمه بالكتاب أو السنة أو الإجماع أو قياس مرجح لذلك. وما تنازع فيه العلماء رد إلى هذه الأصول. ومن الناس من يكون نشأ على مذهب إمام معين أو استفتى فقيها معيناً أو سمع حكاية عن بعض الشيوخ، فيريد أن يحمل الناس كلهم على ذلك، وهذا غلط" انتهى كلامه، رحمه الله. * نقلا عن جريدة "الرياض" السعودية.

 

 

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "Kantakji Group" group.
To post to this group, send email to kantakjigroup@googlegroups.com
To unsubscribe from this group لفك الاشتراك من المجموعة أرسل للعنوان التالي رسالة فارغة, send email to kantakjigroup+unsubscribe@googlegroups.com
For more options, visit this group at
http://groups.google.com/group/kantakjigroup?hl=en
سياسة النشر في المجموعة:
- ترك ما عارض أهل السنة والجماعة.
- الاكتفاء بأمور ذات علاقة بالاقتصاد الإسلامي وعلومه ولو بالشيء البسيط. ويستثنى من هذا مايتعلق بالشأن
العام على مستوى الأمة كحدث غزة مثلا.
- عدم ذكر ما يتعلق بشخص طبيعي أو اعتباري بعينه. باستثناء الأمر العام الذي يهم عامة المسلمين.
- تمرير بعض الأشياء الخفيفة المسلية ضمن قواعد الأدب وخاصة منها التي تأتي من أعضاء لا يشاركون عادة، والقصد من ذلك تشجيعهم على التفاعل الإيجابي.
- ترك المديح الشخصي.