كيف استغنت المصارف الإسلامية عن الربا

منى بن الطيبي

كيف استغنت المصارف الإسلامية عن الربا

خبرة العمل المصرفي بالحضارة الإسلامية

أ. منى بن الطيبي
    

06/04/2002

ظل جهاز التمويل الإسلامي عاملا في البلاد الإسلامية حتى جاء الاستعمار الذي صمم أن يصوغ الحياة في مستعمراته على الصورة التي رسمها لها، فأسس البنوك الربوية، وهو ما ساعد على ذلك المناخ السياسي السائد آنذاك بالإضافة إلى انقطاع صلة المسلمين بالممارسات المصرفية التي سادت إبان النهضة الإسلامية، وهذا بالطبع مهد إلى انتشار البنوك الربوية التي تعتبر الفائدة محور نشاطها، إلى حد تبنت معه المنظومة الغربية فكرة استحالة قيام اقتصاد، وبالتالي بنوك بدون فوائد واعتبرت ذلك ضربا من الخيال.

لكن المسلمين الغيورين كانوا توَّاقين دائما إلى صيغة تجنبهم هاته المعاملات الربوية المحرمة؛ فكان عليهم واجب رفع التحدي وإيجاد بدائل شرعية للبنوك الربوية وتفنيد الفكر القائل باستحالة قيام بنوك بدون فوائد، وتبعا لذلك الجهد لتحقيق هذا الحلم، انعقدت المؤتمرات وقامت دراسات لتناول القضايا المتعلقة بالأعمال المصرفية من منظور الفكر الإسلامي، وهكذا أنشئت البنوك الإسلامية، وقبل أن نتعرف على البدائل الشرعية التي مكنت هاته البنوك من رفع التحدي الذي تمت الإشارة إليه، نتساءل حول ما إذا عرف العالم الإسلامي نظاما مصرفيا قبل أن يتم التحول عنه نحو النموذج الغربي؟

المؤرخون للصيرفة الحديثة يلحون على فكرة رئيسية وهي أن انبعاث الأعمال المصرفية قد نشأ مع ازدهار المدن الإيطالية، مثل البندقية وفلورنسا في القرن الثاني عشر، وبذلك يتبادر للذهن أن العمل المصرفي مرتبط بالغرب وأن المسلمين قد استلهموه منه، إلا أن كتب التاريخ[1] تدحض هذه الفكرة وتثبت مما لا يترك مجالا للشك أن المسلمين قد حققوا السبق في هذا المجال، أي أن الحضارة الإسلامية قد عرفت صورا مصرفية عديدة في عهودها المزدهرة. صورا يمكن أن تؤخذ كدليل على إمكانية ائتلاف الأعمال المصرفية في العصر الحاضر مع المفاهيم الإسلامية، تماما كما ائتلفت مع هذه المفاهيم في العهود السابقة.

ومن الصور المصرفية التي عرفتها الحضارة الإسلامية نذكر:

1- الوديعة والقرض:

فقد ثبت في كتب التاريخ أن الزبير بن العوام مثلا كان يستودعه الناس أموالهم وقد تنبه بذهنه الذكي أنه لا يجوز حفظ هذا المال دون استثمار، فكان يشترط على المودع الذي يستودعه المال على ألا يأخذه منه وديعة أمانة وإنما يأخذه قرضا لأنه يخشى عليه الضيعة؛ لأنه في حالة ما إذا أخذ المال أمانة وهلك عنده دون تعد أو تقصير فهو ليس مسؤولا، أما إذا أخذ المال قرضا، أصبح المال في ذمته، فيصبح بذلك مسؤولا عنه، وفي مقابل هذه المسؤولية كان يستثمر المال.

2- التعامل بالعملات:

خلال وضع القواعد لتأسيس الدولة الإسلامية الأولى في المدينة كان التجار يسألون النبي -صلى الله عليه وسلم- عما يحل ويحرم في باب الصرف، وذلك كما حدث مع ابن عمر -رضي الله عنه- حيث قال: كنت أبيع الإبل في البقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فوقع ذلك في نفسي، فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسألته: فقال لي: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفرقا وبينكما شيء" [2].

وكتبنا الفقهية حافلة بالكلام عن الصرف وضوابطه وشروطه وفق ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من أحاديث مبينة لشروط التعامل في الذهب والفضة وغيرها من الأصناف.

3- التعامل بالأوراق التجارية غير النقدية:

ولم يقف تعامل الناس على حد المصارفة بين العملات، بل استقر العمل بنماذج من الأوراق  التجارية والتي كانت محمل قبول لدى الأسواق مثل[3]:

أ - رقاع الصيارفة:

وهي تعهدات مكتوبة بدفع مقادير نقدية عند الطلب أو في موعد محدد للمستفيد أو حامله، وهي تقابل حاليا السند الإذني أو لأمر، وإن اقتصر تحديدها في بادئ الأمر على الصيارفة… حيث كانت تؤدي وظيفة الشيك المصرفي أو بطاقات الائتمان حاليا، والمسلمون أول من عرفها، وانتقلت منهم إلى غيرهم.

ب - الصكوك أو الصكاك:

 مفردها صك، وهي كلمة معرية، أصلها "حك" وتنطق "شك" وكانت الأوراق تسمى كذلك لأنها تخرج مكتوبة من المحرر إلى الصيارفة بدفع مقدار من النقود لحامل الصك أو المسمى فيه وهو الشيك المعروف حاليا.

جـ - السفاتج:

 مفردها "سفتجة" وأصلها فارسي "سفتة" بمعنى الشيء المحكم، وتعرف حاليا في القوانين العراقية والسورية واللبنانية بنفس هذا الاسم كمرادف لتعبير الكمبيالة أو البوليصة في القوانين الأخرى، عرفها المسلمون واستخدموها منذ القرن الثامن الميلادي وانتقلت منهم إلى المدن الإيطالية والأندلس ثم باقي مدن أوروبا فلم يستخدمها الإنجليز إلا في القرن السادس عشر.

وبذلك يمكن القول بكل اطمئنان من خلال البحث في العمل المصرفي، أن ما كانت تملكه الحضارة الإسلامية منذ البداية من قاعدة فكرة قوية ومتكاملة بُنيت على القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع الصحابة، قد ساعدها على تيسير المعاملات بين المتعاملين بكل ثقة واطمئنان من خلال أنماط متنوعة من صيغ العقود، تغطي تقريبا كل مناحي النشاط الاقتصادي مدعوما بنظام قضائي قوي على رأسه قاضي القضاة الذي كان في بعض الأحيان يسائل الخلفاء والأمراء ويجلسهم مجالس المتهمين دون تمييز.

مما سبق، يتبين أن الأعمال المصرفية التي عرفتها الحضارة الإسلامية، لم تكن أقل شأنا وتقدما مما عرفته المجتمعات التي عاشت في نفس الظروف والاحتياجات، وهذا يخالف الظن السائد لدى العديد من الباحثين -الذين يعتقدون نظرا لعدم قيامهم بالتدقيق العميق أو لمجرد النقل أو الاستنتاج المستعجل- أن العمل المصرفي صناعة مصرفية مرتبطة بالربا، وبذلك تبدو منقطعة الصلة بتراث الحضارة الإسلامية من قريب أو بعيد، وقد ساعد على ترسيخ هذا الظن المخالف لواقع الأحداث، السيطرة التي تعرض لها العالم الإسلامي من جانب الفكر الأوروبي بعد هذه النهضة والانطلاق الصناعي وبداية عهد الاستعمار.

[1] ظهر الإسلام: محمد أمين دار الكتاب العربي بيروت ص: 3 سنة 1962.

[2] السنن الكبرى ج5 للإمام البيهقي ص 284 دار المعارف النظامية سنة 1344هـ.

[3] د.ناصر الغريب: التمويل المصرفي الإسلامي: ندوة التطبيقات الاقتصادية المعاصرة سنة 1998