في تفسير- لا تظلمون ولا تظلمون

مرهف عبد الجبار سقا

في تفسير (لا تظلمون ولا تظلمون)

في تفسير أبي السعود :

({ وَإِن تُبتُمْ } من الارتباء مع الإيمان بحرمتها بعدما سمعتموه من الوعيد { فَلَكُمْ رُءوسُ أموالكم } تأخُذونها كَمَلاً { لاَ تظْلَمُونَ } غُرماءَكم بأخذ الزيادة ، والجملةُ إما مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب أو حالٌ من الضمير في لكم والعاملُ ما تضمّنه الجارُّ من الاستقرار { وَلاَ تُظْلَمُونَ } عطفٌ على ما قبله ، أي لا تُظلَمون أنتم من قِبَلهم بالمَطْل والنقص)

سأتكلم في هذه القضية من جهتين :

أحدهما: ثبوت الثواب لمن أقرض وأمهل المستقرض حتى الوفاء وهو المعنى الذي يريد إثباته د. رفيق من خلال الآية ولكن جانب الصواب فيها لأن الآية لا تدل على ذلك لما سيأتي ومحاولته في إثبات ما يريد إثباته إنما هو تحميل للآية لما لا تحتمله وليٌّ لعنق النص نحو ما يريد، وأما ثبوت الثواب فيدل عليه أحاديث عديدة منها:

وعن بريدة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

"من أنظر معسراً فله بكل يوم مثله صدقه". قال: ثم سمعته يقول:"من أنظر معسراً فله بكل يوم مثليه صدقة".

فقلت: يا رسول الله سمعتك تقول: "من أنظر معسراً فله بكل يوم مثله صدقة". ثم سمعتك تقول: "من أنظر معسراً فله بكل يوم مثليه صدقة".!؟

 قال: "له بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدين فإذا حل فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة". قال الهيثمي في مجمع الزوائد: (قلت: روى ابن ماجة طرفاً منه.رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.)

أقول: ولو لم يكن في الباب إلا هذا الحديث لكفى ولذلك فإن القول بأن المقرض متصدق بالزمن ومستفيد منه صحيح لهذا الدليل.

ثانيها: الكلام في مخالفة هذا التفسير لقواعد التفسير:

-       إن جعل المحذوف في قوله (لا تَظلمون) عائدا على الزيادة في المال، وجعل المحذوف في قوله تعالى : (ولا تظلمون) عائداً على الثواب فيه مخالفة من جهات:

أحدها: مخالفة سياق الآية لأنها تتكلم في الزيادة التي يحرص عليها المرابي بدون وجه حق، فلما أُمر بتركها خاف على نقص ماله وعدم الاسترداد فجاءت الآية بالعدل.

 ثم إن القول بأن "تقدير النقص خطأ": قول باطل وليس هو تفسير أول وهلة لأن الذي ينقص مال الدائن بغير رضاه ظالم، أما إن تنازل الدائن من نفسه فهذا مندوب له والآية ليست بصدد التنازل عند الرضا بل في أكل شيء من القرض عند السداد بغير رضا الدائن، يقول ابن عطية: ({ لا تَظلمون } في أخذ الربا { ولا تُظلمون } في أن يتمسك بشيء من رؤوس أموالكم ، فتذهب أموالكم . ويحتمل أن يكون لا تظلمون في مطل ، لأن مطل الغني ظلم ، كما قال صلى الله عليه وسلم .

فالمعنى أن يكون القضاء مع وضع الربا . وهكذا سنة الصلح ، وهذا أشبه شيء بالصلح ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار على كعب بن مالك في دين ابن أبي حدرد بوضع الشطر ، فقال كعب : نعم يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للآخر : قم فاقضه ، فتلقى العلماء أمره بالقضاء سنة في المصالحات)، ولذلك جاءت الآيات بعد (لا تظلمون ولا تظلمون) تندب للإمهال والوضع بقوله تعالى: ((وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا)) – أي: بالوضع والمسامحة – ((خير لكم)) يقول ابن كثير: (ثم يندب إلى الوضع عنه، ويعد على ذلك الخير والثواب الجزيل، فقال: { وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أي: وأن تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين. وقد وردت الأحاديث من طرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بذلك:....عن أبي أمامة أسعد بن زرارة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله، فَلْيُيَسِّر على معسر أو ليضع عنه).

ثانيها: تشتيت للضمائر في الآية بغير قرينة معتبرة وهذا التشتيت لا يتناسب مع بلاغة القرآن، بل هو تحكم بالتقدير لإثبات معنى في ذهن قائله.

ثالثها: الآيات التي تتكلم عن الثواب وآخرها (ولا يظلمون) (وأنتم لا تظلمون) لا تعتبر دليلا على التقدير هنا في آيات الربا لأن سياق الآيات مختلف وهذا مثل من يقول: (يا بني لا تقصص رؤياك على أخوتك فيكيدوا لك كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا)، فيلصق الآيتين ببعضهما لمجرد اتفاقهما بوجود "كيد".

إن أجمعت الأمة على معنى فإن هذا المعنى حق لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم، وما اجتمعت عليه الأمة لا ينتقض بأقوال لا دليل عليها، نعم قد يورد بعضهم معان يحتملها نظم القرآن ولها اعتبار حسب قربها من أصول التفسير؛ ولكن هذه المعان لا تلغي ما اجتمعت عليه الأمة، ولو جاء أحدهم بمعنى يعارض ما اجتمعت عليه الأمة لكان معناه باطلاً لأنه خالف الإجماع لأن الإجماع حجته قطعية، وتقدير الثواب لا يعارض ما اجتمعت عليه الأمة ولكنه يخالف القواعد العلمية المقرر في أصول الاستنباط واللغة العربية وقواعد التفسير كلها.

ولا أدري كيف بقي المفسرون قروناً عند أول وهلة ولم يستيقظوا منها وعميت عليهم.

 

مرهف عبد الجبار سقا

دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن