لا تظلمون ولا تظلمون

بسم الله الرحمن الرحيم

رد 2 من د. مرهف سقا على رد الدكتور رفيق المصري 1

العلامة المربي الفاضل الدكتور رفيق حفظكم الله:

قبل أن أبدأ بالجواب على أسئلتكم أود أولاً أن  أعتذر لكم إن فهم من رسالتي السابقة أي إساءة أو تعرضت فيها لما يسيء لكم سوى المخالفة لكم بالرأي، فإن الموضوع الذي نتكلم به ليس شخصياً حتى أقبل كلام غيرك ولا أقبل كلامك، كما أنه لا مجال لمقارنتي بكم فأنتم عنوان وأنا أمامكم نكرة وهذا ما أراه في نفسي وأراه فيكم، فأنتم أكبر سنا وأعظم قدرا وأكثر نفعاً، ولكن هذا لا يمنعني من الكلام في مجال تخصصي و إظهار الحجة دون مواربة، كما أنه  لا يضيرني ولا يسوؤني كتاباتكم في الربا والقضايا الفقهية، وعدم كتابتي فيها، كيف وأنا أعتبر أن أفضل كتاب قرأته في الربا واستفدت منه هو الجامع في أصول الربا للدكتور رفيق المصري.

كما أني يا سيدي لست ممن تظن في رفض ما يقوله رفيق المصري وقبول ما يقوله المفسرون من باب الشخصنة أو تقديس القديم، بل من الذين يقبلون كل ما يتوافق في التفسير مع أصول التفسير وقواعده مهما كان قائله، وعدم التسليم لكل ما أقرأ مهما كان كاتبه (فكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم).

-        أما عن موضوع النقاش قأقول: لو نظرنا إلى الآيات السابقة لقوله تعالى (( فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون)) لوجدنا  - ولا يخفى عليكم ذلك – أن الآيات تتحدث عن التحذير من الربا ومخاطره ثم النهي الجازم عنه ثم التهديد والوعيد بالحرب ثم الحكم فيمن تاب وترك الربا  بأن له رأس ماله دون زيادة ولا نقصان، لو قرنا سبب نزول الآية التي هي محل النقاش لعلمنا جو نزول الآية وفيمن نزلت لوجدنا أن الآية نزلت في قرض ربوي لقبيلة على قبيلة، إذن فالقرض الذي أنشئ كان قرضا ربويا لا قرضا حسناً، وقضية الآيات في القرض الربوي لا في القرض الحسن وعلى ذلك مساقها، فهل يؤجر المقرض قرضا ربوياً حتى نقول له : يجب عليك إن تبت أن تأخذ رأس مالك وتضع الربا لأن كل ربا الجاهلية موضوع، فلا تظلم بأخذ الزيادة ولا تُظلم بالأجر؟!! فأي أجر يستحقه إن كان منشأ قرضه مشروطاً بزيادة ربوية، ولذلك كنت أقول إن سياق الآية لا يساعد على قبول المعنى الذي ذكرتموه بتقدير الأجر، ولنفترض الآن أن س أقرض ع قرضاً ربوياً، ثم تاب س، فهل نقول له يا "س" يجب عليك ترك الربا ولك الحق برأس مالك وأنت مأجور على قرضك الذي أنشأته بالربا! الجواب : لا، بل يؤجر بعد توبته إن أمهل المستقرض بقرضه عند عسرته ولذلك جاءت الآيات بعدها تبين الحكم وكأن قائلاً قال: إذا وجب رأس المال للدائن ولم يستطع المستدين أداءه في الحال لكونه معسراً فما الحكم، فجاءه الجواب بقوله تعالى: ((وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)).

إذن فسياق الآيات ليس في القرض الحسن وإنما في القرض الربوي والذي أنشأ قرضاً ربويا لا يؤجر عليه، بل عليه أن يكون صادقا في توبته.

-        أما كون تقدير الثواب مخالف ليلاغة الآية لأن في الآية مقابلة في المعنى المقدر، فالنقص يقابل الزيادة وهذه من أساليب العرب في الكلام، أما تقدير الثواب على فرض قبوله فليس فيه هذه المقابلة.

-        أما قبول معنى المطل في الآية لا لأن المفسرين الأوائل قالوا به، بل لأنه محتمل، والمفسرون لم يذكروه على أنه التفسير الأول، بل ذكروه على أنه محتمل وذلك لأن المطل من المليء القادر في معنى النقصان، فلما كان المراد (( ولا تُظلمون)) بالنقص من رأس المال، جاء في معنى نقص الرأسمال التأخير في السداد مع القدرة عليه ويدل له الحديث (مطل الغني ظلم) ولذلك قلت بأن الآية جاءت بالعدل فكل أنواع الظلم في رأسمال المقرض لا ينبغي أن يكون، ولحق الآية يدل لهذا المعنى إذ حض سبحانه على إمهال المعسر وإعذاره في التأخير عن السداد (( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة))، وأنت قلت بأن 100 الآن لا تساوي 100 بعد مدة.

ولذلك أؤكد بأن الآية (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله...)) جاءت بالعدل، وأما قوله تعالى: ((فإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة...)) فقد جاءت بالإحسان.((إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي..))

-        أما قبول الثواب من السنة فلأنها صرحت به وقد ذكرت لك الحديث في الرسالة السابقة وثمة أحاديث كثيرة في هذا الباب.. وتصريح السنة بثواب القرض الحسن إنما هو استدلال مستقل وكما يقول الأصوليون إثباته بدليل آخر مستقل، ولو دلت الآية على ما تريد ولو إشارة نص لكان معتبراً وذكر على أنه أحد الأقوال المعتبرة المؤيدة بالسنة

-        يا سيدي الدكتور يحفظكم الله أنا لم أبالغ في الرفض بل من حقي أن أعرض الحجج على ما رأيته خطأ بتعدادها، بل أنتم الذين رفضتم ابتداءً وبشكل قاطع قول المفسرين من عهد السلف إلى الآن عندما جعلتم القول المعتمد ((و لا تظلمون)) بالنقص قولاً مرفوضاً، ولم تجعلوه حتى ضمن الأقوال المحتملة، فأينا بالغ أكثر: مَن خطأ أمةً، أم من خطّأ واحداً.

-        إن الكلام في تفسير هذه الآية ليس للفقهاء وإنما للمفسرين، كما أن الكلام في الفقه للفقهاء لا للمفسرين، فنحن نتكلم في بيان المعنى لا في أحكام الربا التفصيلية الشائكة

وأخيراً: فإني أؤمن على دعائكم في الهداية لي والاعتدال، وأسأله تعالى يريني الله الحق حقاً ويرزقني اتباعه، وأن يريني الباطل باطلاً ويرزقني اجتنابه، ولا يجعله مختلفاً عليّ فأتبع الهوى فأضل، كما أؤكد لكم حبي لكم وتقدير واحترامي.

                                                        مرهف عبد الجبار سقا