حكایة مستثمر ربوي

ياسر بن عبد الرحمن آل عبد السلام

لنتخیّل أننا الآن على جزیرة تقع في عرض البحر یعیش أھلھا في سكینة ووئام وراحة ورغد عیش، حتى جاء ذلك
الیوم الذي وفد فیھ على أھل الجزیرة مستثمر أجنبي یرغب في استثمار أموالھ وتنمیتھا لیستفید ویفید أھل الجزیرة
ولیعم علیھم الخیر والرخاء. فجاءه أحد كبار تجار الجزیرة یعمل في مجال الزراعة فشرح لھ عن تجارتھ وأرباحھ
التي یحققھا من نشاطھ التجاري وطلب من المستثمر أن یشاركھ في مزرعتھ لیكوّنا شركة زراعیة عالمیة، وبعد أن
اطلع المستثمر على أنشطة المزرعة والأرباح التي تحققھا أعجب بھا، غیر أنھ رفض المشاركة في المزرعة
ووافق على إقراض التاجر قرضاً بفائدة حیث سیعطیھ مبلغ 500 على أن یردھا لھ 700 بعد سنة وذلك بضمان
المزرعة في حال التعثر عن السداد، ونظراً إلى أن التاجر واثق من مزرعتھ ومن أدائھا السنوي قرر الموافقة على
أخذ القرض بفائدة لیتوسع في نشاطھ وتزید أرباحھ في وقت قصیر. سمع تاجر یعمل في مجال المواشي بالقرض
الذي حصل علیھ صاحب المزرعة ومن باب المنافسة خشي أن یتفوق علیھ في مجال التجارة وزیادة الأموال فقرر
الذھاب إلى المستثمر والحصول على قرض مالي، وبعد اطلاع المستثمر على نشاط الماشیة والأرباح السنویة التي
تحققھا قرر الموافقة على منح تاجر الماشیة قرضاً بقیمة 500 على أن یردھا لھ بعد سنة 700 وذلك بضمان
الماشیة، فرح صاحب الماشیة بالقرض وبدأ في تطویر تجارتھ. بعد ھذا توقف المستثمر مؤقتاً عن الإقراض حیث
ھو لا یملك إلا ألف دینار وقد أقرضھا بفائدة قدرھا 40 في المائة إلى سنة وجلس ینتظر مرور السنة دون أي عمل
یفید الجزیرة، خاصة أنھ أخذ الضمانات الكافیة التي تجعلھ مطمئناً على مستقبل أموالھ وأنھ سیربح ومستحیل أن
یخسر، ولو افترضنا أن الجزیرة لیس فیھا إلا ھذه الألف فإن قیمة العملة سوف تنخفض إلى 40 في المائة خلال
السنة وسوف ترتفع الأسعار في الجزیرة أیضاً 40 في المائة لتعویض نزول العملة بسبب سعر الفائدة، وھذا ما
یسمى بالتضخم الذي یؤدي إلى تآكل العملة مع الزمن.
وبعد مرور السنة سوف یحضر أحدھم المبلغ كاملاً والآخر لن یستطیع أو كلاھما لن یستطیعا ومن المستحیل أن
یحضرا المبلغ المطلوب وھو 1400 جمیعاً لعدم توافره في الجزیرة، فالنقود لا تتوالد ولا تزید مع الوقت بعكس
السلع والخدمات التي من الممكن أن تزید مع الوقت. وعند حضور صاحبي المزرعة والماشیة إلى المستثمر قدما
لھ الألف ووعداه أنھ في السنة المقبلة سوف یحضران لھ بقیة الدیّن وھو 400 ؛ مما أثار غضب المستثمر وطلب
منھما أن یحضرا لھ في العام المقبل 600 ولیس 400 زیادة علیھم وإلا سوف یأخذ الضمانات، وبعد انصرافھما قام
المستثمر بإقراض الألف إلى تجار آخرین وإدخالھم في مصیدتھ.
وعندما عاد صاحبا المزرعة والماشیة إلى مقر عملیھما اتخذا عدة قرارات؛ منھا زیادة ساعات العمل على
الموظفین دون أجر إضافي أو زیادة في الرواتب مع وجود الغلاء الذي تعیشھ الجزیرة، كما قررا تسریح نصف
العمال لتقلیل التكالیف مما أدى إلى بطالة سببت الفقر لسكان الجزیرة وأدى الفقر إلى انتشار الجریمة وسلوك طرق
منحرفة للكسب، حیث انتشرت تجارة الرقیق الأبیض وبدأت زراعة المخدرات وترویجھا؛ وفي ظل ھذه الأوضاع
المتردیة بدأت حالات الانتحار وبدأت الجزیرة تظھر علیھا علامات الانھیار بدل الرخاء والازدھار الذي كانت
تعیشھ، ومع ھذا كلھ قام المستثمر بأخذ الضمانات على كل من لم یستطع أن یسدد، فبعد أن رجعت لھ أموالھ أصبح
أیضاً یملك أغلبیة الأصول في الجزیرة، ولیس ھذا فقط بل طالبھم بمزید من الفوائد فأصبح تجار الجزیرة عبیداً عند
ھذا التاجر وفقدوا جمیع أملاكھم ویعملون فقط لیوفروا طعامھم، وبعد أن استنفد المستثمر خیرات الجزیرة رأى أن
البیئة الاستثماریة في الجزیرة أصبحت غیر ملائمة فقرر استثمار الألف التي معھ في جزر أخرى لیحقق مزیداً من
الأرباح!
جمیع الحقوق محفوظة لصحیفة الاقتصادية الإلكترونیة 2009
صحیفة الاقتصادیة الالكترونیة http://www.aleqt.com/2010/07/11/article_417629.print
1 11 من 2 /07/2010 ص 09:26
تصمیم وتطوير وتنفیذ إدارة البوابة الإلكترونیة في صحیفة الاقتصادية