المصارف الإسلامية وسعر الفائدة العالمي

مقبل صالح أحمد الذكير

المصارف الإسلامية وسعر الفائدة العالمي
د. مقبل صالح أحمد الذكير

في مجلس الأمير سعود العبد الله الفيصل العامر، سألني الصديق الأستاذ سهل هاشم تعليقا على مقالاتي التي خصصتها في شهر رمضان المبارك للحديث عن أداء المصارف الإسلامية، سألني عن سبب استمرار ارتباط المصارف الإسلامية بأسعار الفائدة العالمية؟ وعن إمكانية تخلصها من ذلك؟

سبق للأستاذ سهل أن عمل فترة في القطاع المصرفي، وقد لاحظ أن المصارف الإسلامية عند تحديد هامش الربح الذي تحسبه وتتقاضاه عندما تجرى عمليات تمويل مبنية على صيغ البيوع الآجلة كالمرابحة مثلا، لاحظ أن هذا الهامش يكون مرتبطا بسعر الفائدة العالمي صعودا وهبوطا. والواقع أن ملاحظته صحيحة، لكن يجب أن أوضح أولا أن هامش الربح الذي تتقاضاه المصارف الإسلامية هو جزء من ثمن بيع آجل صحيح لا غبار عليه من الناحية الشرعية. والاستفسار هو عن طريقة حساب هذا الهامش وسبب ارتباط عملية الحساب بسعر الفائدة السائد في الأسواق العالمية، وعن إمكانية وجود بديل لهذه الطريقة.
والواقع أن أسواق السلع والخدمات العالمية اليوم تعمل وفق سعر معياري (استرشادي)، يجرى العمل به وتقاس عليه أسعار الصفقات في كل سوق حسب نوع وجودة المنتج، لأن هذا يحقق لهذه الأسواق الاستقرار. ففي سوق الذهب مثلا يمثل سعر زيورخ معيارا لسوق الذهب. وفي سوق النفط يقوم سعر برميل نفط برنت في بحر الشمال بهذا الدور. أما في أسواق التمويل الدولية، فيقوم بهذا الدور سعر الفائدة السائد بين البنوك في سوق لندن والمسمى (ليبور Libor). وأحيانا يقوم به السعر الذي تتقاضاه مصارف نيويورك عند إقراض أفضل عملائها والمسمى (برايم ريت Prim rate).
والمعروف أن أسعار الفائدة في الأسواق العالمية تمثل الفرصة البديلة لتشغيل أموال المصارف التقليدية. فالمصرف الربوي يجب أن يحصل من أي عملية تمويل على عائد أعلى من سعر الفائدة السائد في الأسواق العالمية لتكون عملية التمويل التي يقوم بها مجدية بالنسبة إليه. لكن هذا البديل غير قائم بالنسبة إلى المصارف الإسلامية لأنها لا تستطيع توظيف أموالها في أسواق النقد العالمية التي تتعامل بالفوائد الربوية. لكن نظرا لكون المصارف الإسلامية، لا تزال جزءا من هذه المنظومة العالمية، فهي في تنافس مع المصارف الأخرى. لذلك فهي مرغمة في الوقت الحاضر أن تنظر لسعر الفائدة السائد في الأسواق العالمية عند تحديد هامش الربح في صيغ التمويل القائمة على البيوع الآجلة كعقد المرابحة وعقد التأجير، بحيث لا تزيد عليه كثيرا وإلا ذهب العملاء للبنوك التقليدية (إلا من يمنعه ورعه عن ذلك).
والمعروف أن أسعار الفائدة في الأسواق العالمية تمثل الفرصة البديلة لتشغيل أموال المصارف التقليدية. فالمصرف الربوي يجب أن يحصل من أي عملية تمويل على عائد أعلى من سعر الفائدة السائد في الأسواق العالمية لتكون عملية التمويل التي يقوم بها مجدية بالنسبة إليه. لكن هذا البديل غير قائم بالنسبة إلى المصارف الإسلامية لأنها لا تستطيع توظيف أموالها في أسواق النقد العالمية التي تتعامل بالفوائد الربوية. لكن نظرا لكون المصارف الإسلامية، لا تزال جزءا من هذه المنظومة العالمية، فهي في تنافس مع المصارف الأخرى. لذلك فهي مرغمة في الوقت الحاضر أن تنظر لسعر الفائدة السائد في الأسواق العالمية عند تحديد هامش الربح في صيغ التمويل القائمة على البيوع الآجلة كعقد المرابحة وعقد التأجير، بحيث لا تزيد عليه كثيرا وإلا ذهب العملاء للبنوك التقليدية (إلا من يمنعه ورعه عن ذلك).
كما أن المصارف الإسلامية لن تحدد هامش ربح يقل كثيرا عن أسعار الفائدة، لأن المودعين لديها وكذلك ملاكها سيتركونها للبنوك التقليدية (إلا من يمنعه ورعة أيضا عن فعل ذلك). ولاشك أن هذا وضع غير مثالي، ولكننا نأمل أن يكون مرحليا.

من المهم أن نلاحظ أن السؤال هو عن طريقة حساب هامش الربح في المصارف الإسلامية، وليس في كونها تتعامل أخذا وعطاء بسعر الفائدة فهي بالقطع لا تفعل ذلك، وإنما تلاحظ هذا السعر عند تحديد هامش أرباح عمليات التمويل لديها. وفي الدراسة التي قدمها أخي وصديقي العلامة الدكتور محمد القرى لمجمع الفقه الإسلامي في جدة قبل عدة سنوات، ذكر أنه ليس هناك – في حدود ما يعلم - قيود شرعية على كيفية تحديد هامش الربح. وإنما المهم من الناحية الشرعية هو صحة عقد التمويل بحيث يكون مكتمل الأركان وتام الشروط الشرعية لعقد البيع. فإذا أصبح هامش الربح هذا جزءا من ثمن البيع المقطوع سواء دُفع منجما( أي على أقساط) أو دُفع مرة واحدة، فلا غبار عليه. لكن ما لا يجوز أن تفعله المصارف الإسلامية، هو أن تحدد هامش الربح بحيث يتغير مبلغ القسط مع الزمن بتغير أسعار الفائدة، فهذا التصرف غير جائز في عقد البيع لأنه يجعل في العقد غررا فاحشا مفسدا له، كما أن فيه زيادة في دين ثبت في ذمة المدين لا يجوز تغييره.
لا شك أن اعتبار المصارف الإسلامية لما يجرى لسعر الفائدة في الأسواق العالمية عند تحديد هوامش الربح – حتى دون التعامل به - هو أمر غير مستساغ ومناف للذوق الإسلامي وقد يثير شك عامة الناس في مدى إسلامية عملها، وخاصة أولئك الذين لا يفهمون تفاصيل العقود الإسلامية, بل يُخشى أن تضطر بعض المصارف الإسلامية إلى "حِـيَلٍ" يكون بعضها غير مقبول شرعا، كأن تدخل ترتيبا يؤدي إلى تغير عائد الاستثمار مع تغير أسعار الفائدة العالمية، بسبب حرصها على عدم الانفصال عن مستويات تلك الفائدة، مثل أن تقوم بربط الأقساط في عقد التأجير المنتهي بالتمليك بمعدل سعر الفائدة المسمى(ليبور)!
إن تخلص المصارف الإسلامية من هذه الظاهرة سيعتمد، كما ذكرت في المقالات السابقة، على تقليص عملياتها المعتمدة على البيوع الآجلة المولدة للديون، واتجاهها أكثر لتطبيق صيغ المشاركات. فهذا من شأنه أن يبعدها عن الارتباط بمعدل الفائدة في الأسواق العالمية، لأن المصارف لن تحتاج في صيغ المشاركات إلى تحديد عائد ثابت. ومع ذلك فإننا بحاجة فعلا إلى تطوير مؤشر أو معيار يكون مناسبا لطبيعة نشاط المصارف في سوق التمويل الإسلامي. وهناك اقتراحات أن يؤخذ مثلا متوسط الأرباح التي تحققها المصارف الإسلامية من عملياتها ويسمى " مؤشر الأرباح المصرفية " ليكون بديلا عن مؤشر سعر الفائدة العالمي، وفي الوقت نفسه يكون معيارا لقياس مخاطر التمويل لدى المصارف الإسلامية.

سيستمر تطوير صناعة الصيرفة الإسلامية بحول الله، لأن هناك نموا متسارعا في الطلب على خدماتها. وقد ذكرت جريدة "الفاينانشيال تايمز" أخيرا، أن منافسة محمومة تجري الآن بين مختلف المصارف الدولية على ابتكار منتجات إسلامية جديدة تستطيع من خلالها استقطاب مزيدامن أموال كبار عملائها في الدول العربية المنتجة للنفط.
تقبل الله من الجميع الصيام والقيام، وجعل أعيادكم مباركة.

نقلاً عن جريدة "الاقتصادية" السعودي