القيمة المالية للزمن في التحليل الاقتصادي الاسلامي

عدنان علي سعيد باصليب

القيمة المالية للزمن في التحليل الاقتصادي الاسلامي.. عدنان علي سعيد باصليب
إن الناظر في أدبيات المعاملات في الفقه الإسلامي يجد أن هناك موقفين متناقضين تجاه الزمن وذلك للوهلة الأولى، حيث نجده قد أباح الزيادة في البيع بالأجل مقابل التأجيل، وفي المقابل نجده قد حرم الزيادة في الدين الثابت في الذمة عند حلول الأجل، وإن كان سبب الدين عملية بيع، فهل أقر الإسلام بأن للزمن قيمة مالية أو اقتصادية أم لا؟ وكيف تتحدد قيمة الزمن؟ وإن كان للزمن قيمة مالية في التشريع الإسلامي، فهل هي مقابل الزمن المجرد؟ وما هو تفسير الاختلاف بين الموقفين السالفي الذكر؟
الزمن في التحليل الاقتصادي الوضعي:
يقوم التحليل الاقتصادي على نوعين من التحليل وذلك باعتبار الزمن، وهما التحليل الساكن «الاستاتيكي» والتحليل الحركي «الديناميكي»، فالتحليل الساكن يهتم بدراسة الظواهر الاقتصادية في نقطة محددة من الزمن، أما التحليل الحركي فهو يهتم بدراسة الظاهرة الاقتصادية خلال فترة زمنية. ولقد فرق الاقتصاديون بين الأجل القصير وهو الفترة التي لا يمكن أن تتغير فيها العوامل المؤثرة في الظاهرة الاقتصادية بحيث تبقى ثابتة، والأجل الطويل وهو الفترة التي يمكن أن يحدث خلالها تغييرات في العوامل المؤثرة على الظاهرة الاقتصادية.
لقد اهتم التحليل الاقتصادي بالزمن من حيث إن أي تغير في المتغيرات الاقتصادية إنما يحدث عبر الزمن، عليه فإن دراسة ظاهرة اقتصادية بمعزل عن تأثير الزمن قد تكون ناقصة أو قاصرة، وهذا التأثير هو ما عناه الاقتصاديون بالتغير التكنولوجي أو التقدم التقني في دالة الإنتاج، حيث يعامل الزمن كما لو كان عنصرًا إنتاجيًا، وبذلك يظهر أن أهمية الزمن بالنسبة للتحليل الاقتصادي نابعة ليس فقط من تأثر الظواهر الاقتصادية بالفترات الزمنية فحسب، بل من كون منهجية التحليل قد تؤدي إلى نتائج خاطئة إذا تم تجاوز تأثير الزمن فيه.
إلا أن الاقتصاد الوضعي نظريًا لا يقر للزمن المجرد بقيمة، فالزمن لا ينتج ولا يغل بمجرده، وإن كان التطبيق التربوي يوحي بذلك، حيث نجد أنه أقر أن لصاحب رأس المال «المقرض» وفي كل الأحوال الحق في اتخاذ زيادة عن قيمة قرضه، ولكن هذه الزيادة ليست في مقابلة الزمن بل هي في مقابلة التضحية عن السيولة أو الاستهلاك الحالي، أو التضحية بالاستخدام الحالي للسيولة «الفرصة البديلة» إلى الاستعمال المستقبلي.
الزمن والمعاملات المالية في التشريع الإسلامي:
للإجابة عن الأسئلة الواردة في مقدمة هذه المقالة حول هل أقر الإسلام بقيمة اقتصادية أو مالية للزمن أم لا؟ لابد من تناول الموضوع من جوانب عدة تحتاج إلى بحث وتأمل ونظر، فالزمن واعتباره يدخلان في كثير من الأحكام الفقهية، إلا أننا سنركز على جانب المعاملات المالية، وذلك فيما يخص البيوع والقروض وما يتعلق فيها من معاملات يمكن من خلالها تحليل موقف الإسلام من الزمن.
الزمن والبيع: يقول الله تعالى{وأحل الله البيع وحرم الربا }[البقرة: 275 ]، وقال تعالى {إلاَّ أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء : 29 ]، وفي هاتين الآيتين دليل على مشروعية البيع المطلق مع اشتراط الرضا في انعقاده، والزمن يدخل في عقود البيع من خلال تأجيل أحد العوضين أو كلاهما، فالبيع هو مبادلة مال بمال، فالمبادلة هنا هي مبادلة ثمن بثمن، فإن كان الثمن والمثمن ناجزين فهو البيع حال العوضين، وإن كان الثمن مؤجلاً والمثمن حالاً فهو البيع بالأجل، وإن كان الثمن حالاً والمثمن موصوفًا في الذمة فهو السلم، أما إن كان الثمن والمثمن مؤجلين فهو بيع الكالئ بالكالئ أو بيع الدين بالدين وهو من البيوع الممنوعة.
البيع بالأجل: يبرز عامل الزمن في هذا النوع من البيع في تأجيل الثمن لفترة من الوقت، وفي هذه الحالة يجوز أن يكون الثمن مساويًا للقيمة البيعية يوم العقد أو أقل أو أكثر، وبغض النظر عن الخلاف الفقهي حول جواز الزيادة في ثمن البيع عن سعر يومه للأجل، وإن قلنا بالجواز فهل هذه الزيادة لمجرد الأجل فعلاً؟ وهل يفهم من جواز أخذ الزيادة أن الإسلام يقر بالقيمة المالية والاقتصادية للزمن المجرد؟
إن المتأمل في قول الله تعالى
{إلاَّ أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء : 29 ]، يفهم أن الرضا ركن من أركان عقد البيع، والرضا يشمل رضا البائع والمشتري بالثمن، فإن كان البائع قد زاد في سعر المبيع عن سعر يوم العقد معتبرًا الأجل في حسابه فهذا لا يفهم منه أن الإسلام يقر أن للزمن قيمة مالية، بل غاية ما هناك أن هذه معاملة جائزة توافر فيها أركان عقد البيع وشروطه فجازت، كما أن الزيادة هنا ليست مقابل محض التأجيل بل هي مقابل زمن مقترن بسلعة فلو لم تكن السلعة موجودة لم يجز التأجيل، ثم إننا وفيما أعلم لا نجد نصًا من كتاب أو سنة يدل بأي وجه من الأوجه على أن الإسلام قد أقر بوجود قيمة مالية أو اقتصادية للزمن، بل الذي نجده هو أن الإسلام قد جرد الزمن من أي قيمة مالية يمكن أن تحتسب فيما ثبت في الذمة من الديون سواء كان سببها البيع لأجل أو القرض.
الربا: يبرز عامل الزمن في مسألة الربا في ربا النسيئة أي ربا التأجيل، وأخذ تحريمه من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم من قوله «يدًا بيد» أي دون تأجيل البدلين أو أحدهما مما كان الأموال الربوية، ولقد فهم بعضهم من ذلك أن تأخير البدلين يعني أن الذي أخر تسليم ثمنه قد أربى وظلم، وكانت فائدته أكبر وعليه حرم الإسلام تأخير البدلين، وعليه يفهم من ذلك أن الإسلام قد أقر بقيمة مالية للزمن، ويجاب عن ذلك بالقول إذا كان الذي أخر تسليم ثمنه قد كسب الزمن فيكون بذلك جار وظلم، فالحل الأمثل للاستفادة من المعاملة هو أن يقال بجواز أخذ الطرف الآخر للزيادة مقابل تأخر الطرف الأول لثمنه عليه تتحقق العدالة والتساوي، فالأول أخذ الثمن مع الزمن والثاني أخذ المقابل مع الزيادة مقابل الزمن لا أن يقال بتحريم المعاملة بالكلية، لكن الذي نعرفه من الحكم الشرعي هنا هو تحريم التأجيل والزيادة مع اشتراط التقابض والتماثل.
القرض: يتجلى في القرض عامل الزمن في كون المقرض يدفع ماله للمقترض ليقبض بدله «وبنفس قيمته» في المستقبل القريب أو البعيد، ودون زيادة وبأي صورة كانت تلك الزيادة، بالرغم من أن هناك مالاً مدفوعًا مؤجل الوفاء، وبالرغم من ذلك نجد أن الإسلام لم يجز الزيادة هنا مقابل الأجل لأن التأجيل هنا محض أي مجرد زمن عليه فهذا أصرح وأصرخ دليل على أن الإسلام لم يقر بأن للزمن قيمة مالية، بل الذي يفهم منه أن الإسلام لم يعترف أن للزمن المجرد قيمة مالية.
الخلاصة: مما سبق يتضح جليًا أن الإسلام لم يقر بأن للزمن المجرد عوضًا ماليًا، بل الذي يفهم عدم جواز أخذ العوض المالي مقابل مجرد الزمن، ولا يفهم من ذلك أن نقول ليس للزمن قيمة اقتصادية، فلا يستوي في الأجرة استلامها في أول الشهر أو في آخره كما لا يستوي في ثمن البيع المؤجل والحال، ولكن ليس ذلك للزمن بمجرده بل بما يقتضيه التأجيل من تضحية بالفرصة البديلة التي يمكن أن يحصل عليها الدائن حال التعجيل.