الربا والفائدة ما بين الشرع والاقتصاد المعاصر

محمد الارناؤوط

الربا والفائدة ما بين الشرع والاقتصاد المعاصر
رد على كتاب: الربا والفائدة دراسة اقتصادية مقارنة" للدكتور رفيق يونس المصري والدكتور محمد رياض الأبرش
6/8/2005    
محمد م. الارناؤوط / أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة آل البيت

منذ عدة سنوات أطلقت "دار الفكر"سلسلة" حوارات لقرن جديد" صدر منها حوالي عشرين كتابا حتى الآن. والاصل في هذه السلسلة التي تحمل عناوين ذات شأن للقرن الجديد( الحادى والعشرين ) مثل "الإسلام والعصر تحديات وآفاق " و"الإسلام والغرب الحاضر والمستقبل" و"الديموقراطية بين العلمانية والإسلام" الخ.. أن تجمع بين باحثين معروفين في المجال المذكور برؤيتين مختلفتين تكملان بعضهما البعض من خلال التعقيبات. فهناك دراسة لكل واحد منهما ثم هناك تعقيب لكل منهما على دراسة الآخر.

وضمن هذه السلسلة فقد صدر كتاب "الربا والفائدة دراسة اقتصادية مقارنة" للدكتور رفيق يونس المصري والدكتور محمد رياض الأبرش الذى لاقى من الاهتمام ما دفع الدار الى اصدار طبعة ثانية في 2001. ولاشك ان هذا في حد ذاته مؤشر الى الاهتمام بالموضوع الذى يضمه الكتاب.

وتجدر الاشارة الى ان المؤلفين متخصصان في الاقتصاد من الجامعات الاوروبية (الاول من فرنسا والثاني من المانيا) ولهما باع معروف في هذا المجال. فالدكتور المصري هو أكاديمي في احدى الجامعات السعودية و باحث في "مركز ابحاث الاقتصاد الإسلامي " بجدة وله عدة كتب في"الاقتصاد الاسلامي". أما الدكتور الأبرش فله خبرة كبيرة في العمل بالمنظمات الدولية في عدة بلدان وفي التأليف في مجال الاقتصاد والتخطيط.

ومع ان العنوان يضمن ما يشير الى انه "دراسة إقصادية مقارنة" الا ان الكتاب بطبيعة موضوعه هو دراسة اقتصادية ولكن من زاويتين مختلفتين: الاقتصاد الاسلامي الذى يستمد مرجعيته من الشريعة والاقتصاد المعاصر الذى يقوم على الليبرالية. فالمقارنة هنا تعود الى منهجين مختلفين: بين ما يجب حسب رأي الشرع وبين ما انتهى اليه الاقتصاد المعاصر بعد سلسلة طويلة من التطورات العالمية.

ومن الواضح ان كفة نتيجة الحوار لم تكن متوازنة وانما مالت بشكل جلي الى طرف الدكتور الأبرش, وخاصة في التعقيبات. فقد جاء تعقيب الدكتور المصري أقرب الى الوعظ منه الى التحليل والرد على ما جاء في دراسة الأبرش, بينما حاول الأبرش في تعقيبه احتواء دراسة المصرى واثبات صوابية ما ذهب اليه.

ويمكن القول ان المصري لم يتجل هنا في هذا "الحوار" كما في كتبه الاخرى التي يتوجه فيها الى جمهور "مؤمن" سلفا بـ " الاقتصاد الاسلامي" وخياراته المحتملة, لانه وجد نفسه هنا في مواجهة باحث لا يعترف أصلا بوجود "اقتصاد اسلامي" بل باقتصاد عالمي يتطور باستمرار.

  ويبدو هنا كأن المصري قد وقف في منتصف الطريق. فقد انطلق المصري من كشفه لاقرار جمهور الفقهاء للزمن بحصة من الثمن في البيع الآجل, وهو ما يسمح للبائع ان يأخذ زيادة في الثمن عن البيع الفوري, بينما اعترض بعض الفقهاء على البيع الآجل وعدوه من الربا المحرم. وبالاستناد الى ذلك ( قيمة الزمن في المعاملات ) اعتبر المصري ان البيع الآجل الذى يقر بزيادة حاصلة من " قيمة الزمن" انما هو نوع من "الربا الجائز". وللتأكيد على ذلك استند المصري على بعض الفقهاء الرواد ( ابن عباس وغيره) الذين قالوا بوجود" ربا حرام وربا حلال" في تفسيرهم للآية القرآنية " وأحل الله البيع وحرم الربا" , حيث ان قوله " وأحل الله البيع" لا يعنى ان كل البيوع حلال كما ان قوله "وحرم الربا" لا يفيد ان كل ربا حرام ( ص 23). وفي هذا المجال يشير د. المصري الى اجتهاد مهم يتمثل في فهم آية "ولا تقربوا أموال اليتامى الا بالتي هي أحسن". ففي هذه الحالة لم يتم فقط ضمان رأس المال المأخوذ من اليتامى ( وهو غير وارد في الحالات الاخرى ) بل تم أيضا ضمان ربح لهم وهو غير وارد أيضا لان القاعدة الفقهية لا تجمع بين الضمان والاجر/ الربح ( ص 38-56).

   ومع هذه الاجتهادات يعود د.المصري الى حسم الامر بالتمييز بين القرض الحسن الذى يقدم للفقراء دون أية زيادة/ فائدة وبين القراض او المقارضة في مجال التجارة حيث استشهد بما انتهى اليه بعض الفقهاء المعاصرين مثل د. سيد طنطاوى في جواز قيام الشريك في القراض/ المضاربة بضمان رأس المال والربح معا, أى أن هذا الامر يبقى في باب الجواز لدى بعض الفقهاء فقط.

   ولكن من الملاحظ هما ان د. المصري أغفل أهم تطور حديث في هذا المجال  ألا وهو جواز تحديد الربح/الفائدة على القروض المقدمة من الأوقاف التي توجه الربح/الفائدة الى الاغراض الاجتماعية( التعليم والصحة..الخ). فقد ظهر هذا التطور الجديد الذى اعتبر "ثورة في الفقه الإسلامي" في الدولة العثمانية خلال القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي وانتشرت معه آلاف الأوقاف النقدية بملايين الدراهم التي كانت تقدم قروضا بفائدة محددة 10%-12% الى التجار والحرفيين وتوجه العائد منها للأغراض الاجتماعية, ما أدى الى ظهور ما يمكن تسميته بـ"بنوك اجتماعية" رائدة كان يمكن أن تؤسس عليها تطويرات معاصرة.

  وفي المقابل لا يخفي د. الأبرش اسلامه ولا ليبراليته التي يعرف كيف يدافع عنها. فهو يركز باستمرار على ايمانه بالإسلام واحترامه لما ورد في القرآن الكريم, ولكنه يعتبر ان الفكر الليبرالي الغربي لكونه تجريبيا كان قد استفاد مما ورد في الأديان ( من الكونفوشية وحتى المسيحية والإسلام), وهو لايزال يتطور و"لربما عما قليل سيكون فكرا عالميا او لربما كونيا ينسجم مع ما سيتوصل اليه الغرب الذى سيقود بلا شك المرحلة القادمة من التطور الحضاري الانساني ". وفي هذا السياق يرى ان الاقتصاد الإسلامي "لا يوجد بعد على الواقع " لان " دولة الإسلام ماتزال تعيش في قلوب الكثيرين من المسلمين الذين جاؤوا الى هذا العالم بعد الخلافة الراشدة, ولكنها لم تعد الى الحياة والواقع رغم هذه القرون المتطاولة"(ص 127).

 ومع هذا التمييز الواضح منذ الصفحة الاولى لدراسة الأبرش نجد انه اعتمد على أمر بسيط ومهم جدا بالنسبة لهذا الكتاب ألا وهو التمييز بين الربا والفائدة. فهو يوضح كيف ان الفلاسفة اليونان والرومان والاديان   (المسيحية والاسلام) قد اجمعوا على تحريم الربا باعتباره يمثل استغلال الإنسان لأخيه الإنسان, بينما جاءت الفائدة نتيجة لعصر التنوير في الغرب خلال القرن السابع عشر وتقننت خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وهكذا يعيد د.الأبرش بداية هذا التطور الحديث الى جيرادين مالين الذى طالب بإلغاء الفائدة على القروض الاستهلاكية وانشاء جمعيات للقرض الحسن, وتوماس كليبر الذى طالب بضرورة تحديدالفائدة لتشجيع التجارة, ووصولا الى دادلي نورث الذى قال بنظرية العرض والطلب وتأثيرها على سعر الفائدة ودافيد هيوم الذى أكد على نظرية حرية السوق وترك معدل الفائدة الذي يبدأ معها علم الاقتصاد الحديث.

 ومع تأكيده على م اتطور في الفكر الاقتصادي المعاصر حول النظرة الى المال, حيث لم يعد يعتبر سلعة كباقي السلع, وعلى ما يتطور في الاقتصاد العالمي حيث تحول المال الى ورق ثم الى أرقام حسابية دفترية في المصارف وأخيرا الى الكترونية وشبه عالمية, يأخذ د.الابرش على  "الفقهاء والمتفقهين" الجمود في قراءة النص خارج السياق التاريخي الذى نزل فيه. ومع تقديره ما للورع من تأثير على النفوس يأخذ د. الأبرش على "الفقهاء والمتفقهين" عدم اعتبارهم للحرية الشخصية التي استعادت اعتبارها بعد تراجع الافكار الشمولية, وعلى ان "العقد في نهاية الامر شريعة المتعاقدين", اي أن يترك الخيار للمسلم المعاصر وفق ما يراه مناسبا ويرتاح اليه. وينتهي د. الأبرش من ملاحظاته تلك الى التأكيد مرة أخرى على تمايز ما هو ديني وعقائدي وشمولي عما هو اقتصادي عالمي قائم على الليبرالية/الحرية, ولذلك فهو يعتبر الفقهاء مثل الساسة في المجتمع المعاصر: لهم حرية التعبير عن أفكارهم ولكن ليس لهم حق فرض آرائهم على الآخرين(ص 175).

 وفي النهاية لا بد من القول مرة أخرى ان هذا الموضوع (الربا والفائدة) كما طرح هنا في هذا الكتاب/الحوار فوت على دعاة " الاقتصاد الإسلامي" فرصة ان يسوقوا آراءهم بشكل أفضل أمام جمهور يستمع الى غيرهم  أيضا ويأخذ بما يقتنع به.