اكتتاب البنك الأهلي السعودي والصيرفة الإسلامية في السعودية

د. عبد الباري مشعل

في سياق أحداث اكتتاب البنك الأهلي السعودي الذي بدأ يوم الأحد 19 أكتوبر، نشر الدكتور عبد الباري مشعل رئيس مجموعة رقابة عدداً من البيانات المتعلقة بما صدر من فتاوى وآراء حول الاكتتاب، ولتعم الفائدة لجميع الباحثين والمتابعين، تضع رقابة بين يدي القراء الأفاضل هذه البيانات المنشورة بقلم الدكتور عبد الباري مشعل.
بين الدكتور مشعل أن عدد من الخبراء والعلماء في المملكة حرموا الاكتتاب؛ لأن البنك ربوي أو يغلب على أعماله الربا، رغم أنه يقدم منتجات تمويل إسلامية ضمن منتجاته.

وقد اشتهر البنك الأهلي بأنه يقوم بعملية تحول إلى المصرفية الإسلامية منذ منتصف التسعينات، لكن المسار لا يدل على عملية تحول، وإنما على تقديم منتجات إسلامية (نوافذ إسلامية) كما هو حال البنوك التقليدية الأخرى في المملكة، ورغم وصول التمويلات الإسلامية لنسبة تفوق النصف من التمويلات الربوية وفق تقدير الأخ د.العصيمي، غير أنه لم يقم أحد من العلماء والخبراء -وفق ما اطلعت عليه- باعتبار ذلك كافياً للجواز الشرعي للاكتتاب.
وأضاف قائلاً: لقد قرأت مقالا للدكتور عبدالعزيز قاسم -نشرته سبق نقلا عن الوطن- يقول فيه : (إن تناقض الفتاوى بخصوص اكتتاب البنك الأهلي نكأ لديه جراحًا غائرة) ويقول: "ففي السابق كانت الفتوى الرائجة للشيخ العلامة ابن باز أن يأخذ المودع الفائدة الربوية ولا يتركها للبنك ويتصدق بها، ولكن بعد هذه الأسلمة الصورية للتعاملات المصرفية، باتت البنوك اليوم تأخذ الربح والفائدة مضاعفة، ولا نسفّ والمجتمع إلا التراب".
وأجاب عن ذلك قائلاً: أما عن التناقض في الفتاوى؛ فلم أجده في فتاوى الفقهاء، ولا يعتد بكلام الدكتور السالم فقهًا، وما ذكره قاسم عن الشيخ ابن باز يحمل على من اضطر لفتح حساب في بنك ربوي بفائدة في الحسابات بدون فائدة أو في غياب البنوك الإسلامية فلا بأس أن يأخذها ويصرفها في الخيرات تخلصاً لا تصدقًا.
وما ذكره عن انفراد البنوك بالأرباح فلا محل لذكره في سياق الاكتتاب الحالي، ولا يخفى أن الذي يحصل على الأرباح في البنوك هم المساهمون وهم ملايين المواطنين، ومسؤولية البنوك عن المجتمع تختلف من بنك لآخر، وتعود لوعي مجلس الإدارة، وتدور في إطار الوطنية والتبرع وعلى مؤسسة النقد أن تضع بعض الخطوط الإرشادية لمساعدة البنوك على لعب دور أكبر في المسؤولية الاجتماعية.
وأما عن تغريدات الدكتور حمزة السالم التي يرى فيها أنه لا يوجد حرام في قروض البنوك التقليدية، وأنها حلال، فإن ذلك لا قيمة له من الناحية الفقهية، فهو لا يرى الربا في النقود الورقية؛ لأنها ليست ذهبا ولا فضة، وله فهم خاص لم يوافق عليه أهل الاختصاص.
وتعليقاً على صدور فتوى الهيئة الشرعية للبنك الأهلي السعودي التي صدرت بتاريخ 22/12/1435ه قال الدكتور مشعل:
فتوى الهيئة الشرعية للبنك الأهلي التي صدرت بجواز المساهمة محل اعتبار، وهي تخالف ما شاع من رأي شرعي بالمنع منسوب للمشايخ المطلق الخثلان والأخ .د.محمد العصيمي.
والواجب على المساهم أن يجنب ما يخص سهمه من الدخل الربوي في نهاية كل فترة مالية، فجواز المساهمة استنادا لنظرية الحكم للأغلب لا يعني استحلال الربا. وهذا لم تذكره الفتوى.
وأضاف أن حرب الفتاوى ما زالت تتصاعد، فبعد أن كانت الغلبة للمنع أصدرت الهيئة الشرعية للبنك الأهلي فتوى الجواز، كما صدرت فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة بتحريم الاكتتاب في البنك الأهلي /فتوى رقم (26302) تاريخ 22/12/1435ه في نفس اليوم الذي صدرت فيه فتوى الهيئة الشرعية للبنك الأهلي بالجوار. وربما كانت فتوى البنك هي المتأخرة.
وتساءل الدكتور مشعل ماذا يفعل المواطن في ظل هذه الفتاوى؟
وأوضح الدكتور مشعل أن اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة أفتت بالتحريم بصفة عامة، وسبقها إلى ذلك بعض الفقهاء كالدكتور عبدالله المطلق والدكتور سعد الخثلان، وأفتت الهيئة الشرعية للمنتجات الإسلامية في البنك بالجواز على اعتبار غلبة الحلال على أعمال البنك، ولم تشر إلى ضرروة تطهير دخل المساهم من الدخل المحرم الذي بلغ 33% تقريبا من الدخل في آخر فترة فحصتها الهيئة الشرعية للبنك.
وقياس رأي اللجنة الدائمة يحرم حتى الاكتتاب في أرامكو وسابك وغيرها من الشركات المختلطة التي يدخل الربا في أعمالها وهو رأي المجمع الفقهي، وقياس رأي الهيئة الشرعية للبنك الأهلي أنها ترى الجواز عملاً برأي جواز المساهمة في الشركات المختلطة وهو رأي هيئة المحاسبة بالبحرين وعدد من الهيئات الشرعية، ويعني رأي الهيئة الشرعية للبنك الأهلي أن البنك أصبح بمثابة شركة مختلطة، لكنه هذا الرأي مشروط بالتطهير للدخل أو الإيراد المحرم، وهو الذي لم تشر له الهيئة.
و إقدام المواطنين الذي يهمهم الجانب الشرعي على الاكتتاب يتنازعهم فتويين، وهما رأيان مشهوران في الشركات المختلطة والعمل في كثير من الهيئات الشرعية برأي الجواز، يعني أن الخلاف ليس انطلاقًا في تحقيق المناط بناء على قول فقهي، وإنما قولان فقهيان أصلاً.
وفي ظل تلك الفتاوى بالجواز والمنع سيذهب المواطنون للاكتتاب، والمتوقع أن ينجح الاكتتاب بشكل كبير رغم هذا التضارب في الفتاوى لأهمية البنك الأهلي في السوق السعودي والفتاوى ربما ينحصر تأثيرها على شريحة ضيقة من المجتمع السعودي.
وفيما يتعلق بكلام الشيخ المنيع: ((في المثل العربي يقول: قطعت جهيزة قول كل خطيب. فسماحة المفتي وإخوانه اللجنة الدائمة أصدروا بيانًا بأنه حرام ولا يجوز، وهذه جهة رسمية تمثل الدولة، فبناء على هذا نحن في الواقع إن قلنا أو ما قلنا، وكون نحن أفراد ونقول، هذا الآن الفتوى الرسمية الصادرة ممن يمثل الدولة، صدرت فعلى كل حال وعلى إخواننا أن يتصرفوا وأن يتحمل كل واحد مسؤولية تصرفه)) قال الدكتور مشعل:
1. الفتاوى صدرت متقاربة وفتوى الأهلي صدرت متأخرة عن فتوى اللجنة الدائمة، وفي اللحظة الحرجة مع بدء الاكتتاب يقول الشيخ المنيع وهو رئيس الهيئة الشرعية للبنك التي أصدرت الجواز، الكلام المنقول أعلاه، وتناقلته بعض المواقع الإخبارية بأنه تراجع عن فتواه في البنك الأهلي.
2. المعمول به في فتاوى الهيئات الشرعية في البنوك أن الرأي هو رأي الأغلبية، وبالتالي على افتراض مخالفة أحد الأعضاء، أو التراجع عن فتواه، فإن مكان المخالفة يكون في محضر الجلسة، أو بصدور ملحق كتابي للمحضر أو الفتوى موقع من العضو المخالف، مع بيان سبب مخالفته. ورغم المخالفة يبقى الرأي منسوبا للهيئة الشرعية للبنك الأهلي كهيئة اجتهادية جماعية.
3. إن كلام الشيخ المنيع ليس صريحًا في التراجع وبيان خطأ الفتوى السابقة، وإنما أبدى دبلوماسية في التعامل مع فتوى المفتي واللجنة الدائمة وأطلق عليها فتوى الجهة الرسمية ممن يمثل الدولة، ومن المعلوم أن فتوى هذه الجهة الرسمية رغم هيبتها المعنوية إلا أن نظامها لا يلزم أحدا بالعمل بها وهي معلمة فقط.
4. في الحديث (استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك)، فمن يحرص على توقي الشبهات يعرف طريقه.
5. بصرف النظر عن الفتاوى والتي أخذت حيزا إعلاميا كبيرًا، فإن الممارسات المماثلة السابقة لا تفيد بأثر جوهري للجانب الشرعي على سير ونجاح الاكتتابات في البنوك الربوية. وسنتابع أثر ذلك على الاكتتاب الذي يبدأ اليوم.
وفي النهاية قد قدم الدكتور مشعل لمحة مختصرة عن واقع الصيرفة الإسلامية في المملكة، حيث أفاد بما يأتي:
1. عدد البنوك في المملكة الآن 12.
2. من إجمالي العدد 8 بنوك ربوية بنوافذ إسلامية بعضها نشيط وبعضها ضعيف: الرياض، السعودي للاستثمار، السعودي الأمريكي سامبا، السعودي البريطاني ساب، السعودي الهولندي، السعودي الفرنسي، الأهلي التجاري، العربي الوطني.
3. من إجمالي العدد 4 بنوك إسلامية كاملة: الراجحي (1988)، البلاد (2005)، الجزيرة (متحول 2006)، الإنماء (2008).
4. قبل عام 1990 لم يكن هناك بنك إسلامي سوى الراجحي، بعد عام 1990 بدأت البنوك الربوية بتقديم منتجات إسلامية.
5. مؤسسة النقد العربي السعودي التي تعد البنك المركزي السعودي، في المرسوم الملكي الخاص بنظامها الأساسي تحرم التعامل بالفوائد المصرفية أخذ وعطاء، وكما يلاحظ استخدمت كلمة الفوائد ولم تقل الربا، مما يعني أن جدلية أن الفوائد من الربا أو ليست من الربا ليست مطروحة في نظام مؤسسة النقد.
6. المحاكم في المملكة تعمل بأحكام الشريعة الإسلامية، ولو رفع إليها عقد بنكي تحكم بحرمته ولذا فإن البنوك الربوية تتجنب اللجوء للمحاكم الشرعية.
7. ما يصدر عن مؤسسة النقد العربي السعودي كسلطة مشرفة على البنوك في المملكة لا يلتزم بالضرورة بالنظام الأساسي بحرمة الفوائد. وأقامت لجنة الشكاوي المصرفية التابعة لحل النزاع بين البنوك وعملائها بصفة عامة.
8. حسب المتابعة من الصعب التعرف على موقف مؤسسة النقد العربي السعودي من تطبيقات الصيرفة الإسلامية في المملكة بشكل رسمي، فالمؤسسة لم تصدر أي تعليمات بشأن الرقابة الشرعية الداخلية للمنتجات الإسلامية، أو أي تعليمات حوكمة بشأن البنوك الإسلامية، وهيئات الرقابة الشرعية، فضلا عن عدم وجود هيئة شرعية مركزية في مؤسسة النقد نفسها.
9. هناك جدل صحفي في المملكة من غير المتخصصين خاصة حول حرمة الفوائد المصرفية وأنها خلاف الربا، وربما يلجأ بعضهم لاستدعاء رأي شيخ الأزهر الدكتور سيد طنطاوي رحمه الله، وهذا الجدل لا يعد الصحافة، ولا قيمة له، لأن هيئة كبار العلماء في المملكة والسواد العام لعلماء المملكة والخبراء والمتخصصين في المالية الإسلامية يقررون حرمة الفوائد المصرفية فضلا عن النظام الأساسي لمؤسسة النقد العربي السعودي.