ندوة حوار الأربعاء بعنوان الحَجْر

د. عبد العظيم إصلاحي

     جامعة الملك عبدالعزيز
    كلية الاقتصاد والإدارة
مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي
ندوة حوار الأربعاء بعنوان
الحَجْر
د. عبد العظيم إصلاحي
باحث بمركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي
جامعة الملك عبدالعزيز
الأربعاء
19/1/1423هـ
الموافق 3/4/2002م
المستخلص
"الحجر"
العنصر الأول : أصل الحجر وحقيقته
-        الحجر حكم من أهم أحكام الفقه الإسلامي .
-        معناه اللغوي "المنع" يقال حجر عليه حجراً أي منعه من التصرف فهو محجور عليه .
-   معناه الاصطلاحي "المنع من التصرفات المالية" ، قد اختلفت المذاهب في تعريفه بعض الاختلاف الذي نصرف عنه النظر لأنه ليس مهماً في هذا الحوار .
-   أصل الحجر يرجع إلى كتاب الله الكريم وإن لم يستعمل فيه هذا اللفظ لبيان هذا الحكم ، فأفصح آية وأوضحها في هذا المعنى قوله تعالى : ]ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها… [ [سورة النساء ، الآية5].
وأيضاً الآية التالية: ]وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم[، ويستفاد هذا المعنى أيضاً من قوله تعالى : ]فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل[ [سورة البقرة ، الآية 282] . إن هؤلاء ينوب عنهم أولياؤهم في الأداء ، فدل على ثبوت الحجر عليهم .
-   وقد استعمل هذا اللفظ في الحديث النبوي والآثار أكثر من مرة ، فعن كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ ماله وباعه في دين كان عليه [دار قطني 4/231] .
-   وعن عروة بن الزبير أن عثمان رضي الله عنه حجر على عبد الله بن جعفر بسبب تبذيره [مسند الشافعي] . وهذا يدل أن لفظ الحجر صار مصطلحاً شرعياً في العصر النبوي على صاحبه الصلاة والسلام وعهد الخلفاء الراشدين رضي الله عليهم أجمعين. وهناك تفاصيل فقهية حول الحجر واختلافات مذهبية توجد في كتب الفقه فليرجع إليها المهتم  .
 
العنصر الثاني : الحجر لمصلحة المحجور عليه والحكمة من تشريعه
   قرر الشارع الحجر لتكون الأموال مصونة من الأيدي التي تسلب أموال الناس بالباطل والغش والتدليس ، ولتكون مصونة أيضاً من سوء تصرف المالك .
    وقرر الحجر أيضاً على من يسترسلون في الغش والفجور والخلاعة، ويبددون أموالهم ذات اليمين وذات الشمال، صوناً لأموالهم وحرصاً على أرزاق أولادهم ومن يعولونهم في حياتهم وبعد مماتهم .
   فيفرض الحجر على الصبي والمجنون والسفيه والمبذر وغيرهم، حفظاً لأموالهم من الضياع .
 
العنصر الثالث : الحجر لمصلحة الغير
   الحجر مشروع لمصلحة الغير أيضاً، وفيما يلي بعض تفاصيله :
  • الحجر على المدين المفلس : هو حجر له عن التصرف في أمواله .
  • الحجر على المريض مرض الموت : تحجر عليه تبرعاته فيما زاد عن ثلث تركته لحق ورثته إذا لم يكن عليه دين .
  • الحجر على الراهن : يحجر عليه التصرف في العين المرهونة بعد لزوم الرهن ضماناً لحق المرتهن .
  • الحجر للمصلحة العامة : ذهب بعض الأئمة إلى فرض الحجر على ثلاثة وهم المفتي الماجن والطبيب الجاهل والمكاري المفلس، لأن الأول مفسد للأديان ، والثاني مفسد للأبدان، والثالث مفسد للأموال، فمنع هؤلاء المفسدين، لدفع الضرر العام والخاص .
ويبدو لي أن فرض الحجر على أهل الحرف مطلوب، إذا كانت ممارسة حرفهم  سبباً واضحاً لمخالفة مقاصد الشرع في حفظ الدين والنفس والمال والعقل والنسل والعرض .
 
العنصر الرابع : الآثار الاقتصادية والاجتماعية
    الحجر له أهمية بالغة في الاقتصاد الإسلامي . قد علمنا من الآية أنه شُرع لحفظ الأمـوال التي فيها قيام للناس ، فالحجر يعتبر مبدأ لتدخل المجتمع والدولة في الملكية الخاصة.
    وللحجر آثار اقتصادية اجتماعية كثيرة، وفيما يلي بعضها على سبيل المثال :
الأول : تعلق حق الغرماء بالمال فلا يصح تصرفه فيه بشيء بيعاً أو هبته أو وقفاً .
الثاني : من وجد عين ما باعه أو أقرضه فهو أحق بها (وفيه شروط) .
الثالث : يلزم الحاكم قسم ماله الذي من جنس الدين وبيع ما ليس من جنسه ، ويقسمه على الغرماء بقدر ديونهم ، ويجب أن يترك له ما يحتاجه من مسكن أو خادم وما يتجر به (إن كان تاجراً) أو آلة حرفة، ويجب له ولعياله أدنى نفقة مثلهم من مأكل ومشرب وكسوة .
الرابع : انقطاع الطلب عنه لقوله تعالى : ]وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة[، فمن باعه أو أقرضه شيئاً عالماً بحجره لم يملك طلبه حتى ينفك حجره .
الخامس : ومن دفع ماله إلى صغير أو مجنون أو سفيه فأتلفه لم يضمنه، ومن أخذ من أحدهم مالاً ضمنه،أما إذا أخذه ليحفظه ولم يفرط وتلف بعد ذلك فلا ضمان عليه.
السادس : يحرم على ولي الصغير والمجنون والسفيه أن يتصرف في مالهم إلا بما فيه حظ ومصلحة لقوله تعالى : ]ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن …[، والسفه والجنون في معناه .
السابع : تصرف الثلاثة المذكورين أعلاه ببيع أو وقف أو إقرار غير صحيح، وللولي أن يأكل من مال موليه الأقل من أجرة مثله أو كفايته لقوله تعالى : ]ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف [ لأنه يستحق بالعمل والحاجة جميعاً، فلم يجز أن يأخذ إلا ما وجدا فيه، ومع عدم الحاجة يأكل ما فرضه له الحاكم.
الثامن : يحسن إظهار الحجر لفلس أو سفه أو غير ذلك. وليعلم الناس فلا يعاملوه إلا على بصيرة .
   وفي النهاية يجدر بالذكر أن كثيراً من العلماء والمفسرين في الزمن الأخير ، منهم محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار وطنطاوي جوهري في تفسير الجواهر وأبي الأعلى المودودي وعبد الله يوسف على وغيرهم ، قد بذلوا عنايتهم في تفسير الجزء الأخير من آية الحجر ، أعني ]أموالكم التي جعل الله لكم قياماً[، وبينوا آثاره في الاقتصاد الجزئي والكلي للمسلمين .
 
الأربعاء  19/1/1423هـ               د. عبد العظيم إصلاحي
                       3/4/2002م