ما القياس البرهاني وأنواعه وكيفية تأليفه واستعماله، واستخراج نتائجه

رسائل إخوان الصفا - الرسالة الرابعة عشرة

رسائل إخوان الصفا - الرسالة الرابعة عشرة

ما القياس البرهاني وأنواعه وكيفية تأليفه واستعماله، واستخراج نتائجه.

لما كانت طرق العلوم والمعارف والاستشعار والإحساس كثيرة، بعضها محسوس وبعضها معقول، وبعضها من أجناس العلوم؛ فإن القياس يعتبر طريق الحدود. ولما كان أكثر معلومات الإنسان مكتسبا بطريق القياس، وكان القياس حكمه تارة يكون صوابا، وتارة يكون خطأ، فإن القياس هو تأليف المقدمات، واستعماله هو استخراج نتائجها، ومقدمات القياس مأخوذة من المعلومات التي في أوائل العقول، وتلك المعلومات أيضا مأخوذة أوائلها من طرق الحواس.

تدرك الحواس أن الأشخاص مركبة من جواهر بسيطة، في أماكن متباينة، وأعراض جزئية، في محال متميزة، فكانت أعيان غير بعضها. أما كمياتها وكيفياتها فلا تعلم على الاستقصاء إلا بالقياسات الموضوعة المركبة. مثال ذلك أنه إذا علم الإنسان بالحواس أن بعض الأجسام ثقيلة أوكثيرة أو عظيمة، فإنه لا يمكنه أن يعلم كمية أثقالها إلا بالميزان، ولا كثرتها إلا بالكيل، ولا عظمها إلا بالذراع، وما شاكل هذه، وهي كلها موازين ومقاييس يعلم الإنسان منها ما لا يمكنه أن يعلمه بالحزر والتخمين. ويدخل الخطأ في القياس من وجوه ثلاثة، أحدها أن يكون المقياس معوجا ناقصا أوزائدا، والثاني أن يكون المستعمل للقياس جاهلا بكيفية استعماله، والثالث أن يكون القياس صحيحا، والمستعمل عارفا، ولكن يقصد فيغالط غشا لمأرب له.

من جهة المستعمل الجاهل: الإنسان مطبوع على استعمال القياس منذ الصبا، كما هو مجبول على استعمال الحواس، وذلك أن الطفل إذا ترعرع واستوى، وأخذ يتأمل المحسوسات، ونظر إلى والديه وعرفهما حسا وميز بينهما، وبين نفسه، أخذ عند ذلك باستعمال الظنون والتوهم والتخمين. فإذا رأى صبيا مثله وتأمله علم عند ذلك أن له والدين وإن لم يرهما حسا، قياسا على نفسه، وهذا قياس صحيح لا خطأ فيه، لأنه استدلال بمشاهدة المعلول على إثبات العلة. فإن كان له إخوة وقد عرفهم بالحس، أخذ عنه ذلك أيضا بالتوهم والظن والتخمين، بأن لذلك الصبي أيضا إخوة، قياسا على نفسه، وهذا القياس يدخله الخطأ والصواب، لأنه استدلال بمشاهدة المعلول على إثبات أبناء جنسه، لا على إثبات علته. (ص ١٧٥)

فصل في بيان طريق الخطأ عند العقلاء وخطأ القياس عند الفلاسفة وعلى هذا المثال يجري سائر أحكام العقلاء وظنوم وتوهمهم في الأشياء قبل البحث والكشف، حتى يستبين لهم بعد التجربة حقيقة ما كانوا يتوهمون. إن نسبة المعلومات التي يدركها الإنسان بالحواس الخمس، إضافة إلى ما ينتج عنها في أوائل العقول، كثيرة. ص ١٧٦

فصل في كيفية أعوجاج القياس وكيف التحرز منه:

إن الخطأ الذي يدخل في القياس من جهة اعوجاجه كثير الفنون كثرة يطول شرحها، فمن القياسات التي تخطئ وتصيب القياس على مجرى العادة بالأنموذج، وهو قياس الجزء على الكل. وشروط صحته أن يؤخذ في كل علم وتعلم قياسي معنيان معلومان، مما هو في أوائل العقول، وهما: هل هو، وما هو، وإنما أوصى بهذا من أجل أنه لا يمكن ان يعلم مجهول بمجهول، ولا أن يقاس على شيء مجهول وشيء معلوم، فلا بد أن يؤخذ شيء معلوم مما هو في أوائل العقول، ثم يقاس عليه سائر ما يطلب بالبرهان. والذي في أوائل العقول شيئان اثنان: هويات الأشياء وماهياتها، وذلك أن هويات الأشياء تحصل في النفوس بطريق الحواس، وماهياتها بطريق الفكر والروية والتمييز، وإذا حصلت هويات المحسوسات في النفس بطريق الحواس، وماهياتها بطريق الفكر والروية والتمييز، سميت النفوس عند ذلك عاقلة. وإذا تأملت وأردت أن تعرف ما العقل الإنساني، فليس هوشيئا سوى النفس الإنسانية التي صارت علامة بالفعل بعدما كانت علامة بالقوة. وإنما صارت علامة بالفعل بعدما حصل فيها صور هوية الأشياء بطريق الحواس، وصور ماهيتها بطريق الفكر والروية.

القياس البرهاني: إنه على هذين العلمين يبنى سائر القياسات البرهانية، أعني: هل هو، وما هو. ص ١٧٧

أوائل العقول وأوائل المعلومات (مسلمات أو بديهيات): هذه الأشياء وأمثالها تسمى أوائل في العقول، لأن كل العقلاء يعلموا، ولا يختلفون فيها إذا تأملوها وأمعنوا النظر فيها؛ وإنما اختلافام تكون في الأشياء التي تعلم بطريق الاستدلال والمقاييس، وسبب اختلافهم فيها كثرة الطرق وفنون المقاييس وكيفية استعمالها، وتسمى أوائل في العقول لأنه يحصل في نفوس العقلاء باستقراء الأمور المحسوسة شيئا بعد شيء، وتصفحها جزءا بعد جزء، وتأملها شخصا بعد شخص، فإذا وجدوا منها أشخاصا كثيرة تشملها صفة واحدة حصل في نفوسهم هذا الاعتبار أن كل كما كان من جنس ذلك الشخص ومن جنس ذلك الجزء هذا حكمه، وإن لم يكونوا يشاهدون جميع أجزاء ذلك الجنس، وأشخاص ذلك النوع،  بمثل هذا الاعتبار تحصل المعلومات في أوائل العقول بطريق الحواس.

إن أكثر ما يدخل الخطأ على المتأملين في حقائق الأشياء المحسوسة، إذا حكموا على حقيقتها بحاسة واحدة. مثال ذلك من يرى السراب ويتأمله، فيظن أنه أنهار. وإنما دخل الخطأ عليه لأنه حكم على حقيقتة بحاسة واحدة، وليس كل الأشياء تعرف حقائقها بحاسة واحدة، ذلك أن بحاسة البصر لا يدرك إلا الألوان والأشكال، وحقيقة الماء لا تعرف باللون واللمس والشكل، بل بالذوق، وذلك أن كثيرا من الأجساد السيالة تشبه لون الماء مثل الخل المصعد؛ والنفط الأبيض وما شاكلها. ولكل جنس من المحسوسات حاسة تعرفها حقيقة ذلك الجنس، والأجسام السيالة يعرف فرق ما بينها وبين غيرها باللمس، وبعضها يعرف الفرق بينها بالذوق، وألوانها تعرف بالبصر، فلا ينبغي للمتأمل أن يحكم على حقيقة شيء من المحسوسات إلا بتلك الحاسة المختصة بمعرفة حقيقة ذلك الجنس من المحسوسات.

ينبغي أن يوضع في القياس البرهاني أولا شيء معلوم: هل هو، وما هو، ليعلم به شيء آخر، كما يفعل المهندس فيضع خطا ثم يعمل عليه مثلثا متساوي الأضلاع، أو يقسمه بقسمين، أو يقيم عليه خطا آخر. ص ١٧٨

المعلول لا يوجد قبل العلة: وهذا أيضا بين في أوائل العقول، لأن المعلول لا يكون قبل العلة، ولكن من أجل أما من جنس المضاف إنما يوجدان معا في الحس، وإن كانت العلة قبل المعلول بالعقل، حتى ريما يشكل، فلا تتبين العلة من المعلول؛ مثال ذلك إذا سئل من يتعاطى علم الهيئة: ما علة طول النهار في بلد دون بلد، فيقول: كون الشمس فوق الأرض هناك زمانا أطول. وإذا عكس هذه القضية وقيل: كل بلد يكون فيه مكث الشمس فوق الأرض أكثر، فنهاره أطول، فتصدق، فيخفى على كثير ممن ليست له رياضة بالتعاليم، أيهما علة للآخر، أكون الشمس فوق الأرض لطول النهار، أوطول النهار لكون الشمس فوق الأرض. وهكذا النار والدخان ربما يوجدان معا، وربما يوجد أحدهما قبل الآخر، وربما يستدل بالدخان على النار، وربما تجعل النار سببا لوجود الدخان، فلا يدري أيهما علة للآخر. والنار والدخان ليس أحدهما علة للآخر، بل علتهما الهيولانية هي الأجسام المستحيلة؛ وعلتهما الفاعلية هي الحرارة، وهما يختلفان في الصورة، وذلك أن الحرارة إذا فعلت في الأجسام المستحيلة فعلا تاما، صارت نارا، وإن قصرت عن فعلها لرطوبة غالبة، صارت دخانا وبخارا.

لا يستعمل البرهان الأعراض الملازمة وإن علة الشيء من ذاتياته، وكون المقدمة كلية: لا يستعمل في البرهان الأعراض الملازمة، لأن الأعراض الملازمة لا تفارق الأشياء التي هي لازمة لها، كما أن العلة لا تفارق معلولها، وذلك أنه متى حكم على شيء بأنه معلول، فقد وجب أن له علة فاعلة له. والأعراض الملازمة، وإن كانت لا تفارق، فليست هي فاعلة له. مثال ذلك أن الموت، وإن كان لا يفارق القتل، فإنه ليس له بعلة، ولا القتل أيضا علة للموت ذاتية، إذ قد يكون موت كثير بلا قتل، فلا يكون معلول بلا علة. وأما قوله: وأن تكون العلة ذاتية للشيء، فإنما قال هذا من أجل أنه قد يكون للشيء الواحد علل عرضية، ولكنها لا تكون مستمرة في جميع أنواع ذلك الجنس، ولا جميع أشخاص النوع، كالقتل الذي هو علة عرضية للموت غير مستمرة في جميع أنواعه، ولكن تحتاج أن تكون العلة ذاتية، حتى تكون القضية صادقة قبل العكس وبعده، كقولك: كل ذي لون فهو جسم، فإذا عكسته وقلت: وكل جسم فهو ذو لون، لأنه لا يوجد شيء ذو لون إلا وهو جسم، فإذا الجسم علة ذاتية لذي اللون.

أما أن تكون المقدمة كلية، فمن أجل أن المقدمات الجزئية لا تكون نتائجها ضرورية ولكن ممكنة، كقولك: زيد كاتب، وبعض الكتاب وزير، فيمكن أن يكون زيد وزيرا، وأما إذا قيل: كل كاتب فهو يقرأ، وزيد كاتب، فإذا زيد بالضرورة قارئ.

الحكم بالصفات الذاتية: أن يكون كون المحمول في الموضوع كونا أوليا، فالموضوعات على نوعين: منها أوليات، ومنها ثوان، مثال ذلك: كون ثلاث زوايا في كل مثلث كونا أولا، لأنها هي الصورة المقومة له، فإما أن تكون حادة أو قائمة أومنفرجة، فهو كون ثان.

فقد استبان أنه لا يستعمل في القياس البرهاني إلا الصفات الذاتية الجوهرية، وهي الصورة المقومة للشيء، وهذا  يكون ذلك الحكم المطلوب الذي يخرج في النتيجة الصادقة.

والصفات الذاتية الجوهرية ثلاثة أقسام: جنسية ونوعية وشخصية، وأحكم حكما حتما كما تعلمه ولا تشك فيه:

كل صفة جنسية فهي تصدق عند الوصف على جميع أنواع ذلك الجنس ضرورة.

وهكذا أيضا كل صفة نوعية فهي تصدق على جميع أشخاص ذلك النوع عند الوصف لها. فهذه الصفات هي التي تخرج في النتيجة صادقة، فاستعملها في البرهان، واحكم بها.

وأما الصفات الشخصية فإنها ليس من الضرورة أن تصدق على جميع النوع، ولا كل صفة نوعية تصدق على جميع الجنس، فلا تستعملها في البرهان، ولا تحكم بها حكما حتما، فإنك لست منها على حكم يقين.

فقد عرفت واستبان لك أن الحكماء والمتفلسفين ما وضعوا القياس البرهاني إلا ليعلموا به الأشياء التي لا تعلم إلا بالقياس، وهي الأشياء التي لا يمكن أن تعلم بالحس ولا بأوائل العقول، بل بطريق الاستدلال وهو المسمى البرهان. ولكل صناعة أهلا، ولأهل كل صناعة أصولا في صناعتهم، هم متفقون عليها، وأوائل في علومهم لا يختلفون فيها، لأن أوائل كل صناعة مأخوذة من صناعة أخرى قبلها في الترتيب.

صناعة البرهان نوعان: وأوائل صناعة البرهان مأخوذة مما في بداية العقول، وأن التي في بداية العقول مأخوذة أوائلها من طريق الحواس. وصناعة البرهان نوعان: هندسية ومنطقية. فالأوائل التي في صناعة الهندسة مأخوذة من صناعة أخرى قبلها مثل قول أقليدس: النقطة هي شيء لا جزء له، والخط طول بلا عرض، والسطح ما له طول وعرض، وما شاكل هذه من المصادرات؛ المذكورة في أوائل المقالات. فهكذا أيضا حكم البراهين المنطقية، فإن أوائلها مأخوذة من صناعة قبلها، ولا بد للمتعلمين أن يصادروا عليها قبل البرهان. فمن ذلك قول صاحب المنطق: إن كل شيء موجود، سوى الباري - جل جلاله- فهو إما جوهر وإما عرض. ومثل قوله: إن الجوهر هو القائم بنفسه، القابل للمتضادات، وإن العرض هوالذي يكون في الشيء لا كجزء منه، يبطل من غير بطلان ذلك الشيء. ومثل قوله: إن الجوهر منه ما هو بسيط كالصورة، ومنه ما هو مركب كالجسم. ومثل قوله: إن كل جوهر فهو إما علة فاعلة أو معلول منفعل، ومثل قوله: كل علة فاعلة فهي أشرف من معلولها المنفعل، وما شاكل هذه المقدمات التي يصادر عليها المتعلمون قبل البراهين. وينبغي لمن يريد النظر في البراهين المنطقية أن يكون قد ارتاض في البراهين الهندسية أولا، وقد أخذ منها طرفا، لأنها أقرب من فهم المتعلمين، وأسهل على المتأملين، لأن مثالاتها محسوسة مرئية بالبصر، وإن كانت معانيها مسموعة ومعقولة، لأن الأمور المحسوسة أقرب إلى فهم المتعلمين. والبراهين سواء كانت هندسية، أومنطقية، فلا تكون إلا من نتائج صادقة، والنتيجة الواحدة لا بد لها من مقدمتين صادقتين أوما زاد على ذلك، بالغا ما بلغ، (ص ١٨٠) وهكذا أيضا حكم البراهين المنطقية، وربما تكفيه مقدمتان، وربما يحتاج إلى عدة مقدمات.

مثال ذلك: في البرهان على وجود النفس مع الجسم تكفي ثلاث مقدمات، وهي هذه:

-      كل جسم فهو ذو جهات، وهذه مقدمة كلية موجبة صادقة في أولية العقل؛

-      لا يمكن للجسم أن يتحرك إلى جميع جهاته دفعة واحدة، وهذه مقدمة كلية سالبة صادقة في أولية العقل؛

-      كل جسم يتحرك إلى جهة دون جهة فلعلة ما تحرك، له مقدمة كلية صادقة في أولية العقل؛

فينتج من هذه المقدمات وجود النفس.

والذي ينبغي ليبرهن بأنها جوهر لا عرض، أن يضاف، إلى هذه المقدمات التي تقدمت، هذه الأخرى: وكل علة محركة للجسم لا تخلو أن تكون حركتها على وتيرة واحدة في جهة واحدة، مثل حركة الثقيل إلى أسفل، والخفيف إلى فوق، فتسمى هذه علة طبيعية. وأما أن تكون حركتها إلى جهات مختلفة، وعلى فنون شتى بإرادة واختيار مثل حركة الحيوان، فتسمى نفسانية، وهذه قسمة عقلية مدركة حسا. وكل علة محركة للجسم بإرادة واختيار فهي جوهر، فالنفس إذا جوهر، لأن العرض لا فعل له. وهذه مقدمات مقبولة في أوائل العقول.

فينتج من هذه أن النفس جوهر.