تعليم الاقتصاد الاسلامي في الجامعات بين الواقع والمأمول

تعليم الاقتصاد الاسلامي في الجامعات بين الواقع والمأمول ..


أكد الخبير في الاقتصاد الإسلامي النائب السابق في البرلمان اللبناني الدكتور زهير العبيدي أن الاقتصاد من حيث التعريف الإسلامي ينطبق عليه مبدأ الاعتدال في طرق العيش المختلفة . وقال الدكتور العبيدي في لقاء مع مجلة "المستثمرون" إن الاقتصاد الإسلامي يعمل على تحقيق التنمية المستدامة في شتى نواحي الحياة، وأشار بأنه لا يمكن حصر التنمية في إطار ضيق بل ينبغي أن تتلاءم مع التطور من أجل حياة كريمة فاضلة. وأضاف العبيدي بأن الاقتصاد الإسلامي يهدف إلى معالجة العمالة وتوفير العمل للقادرين وإعطائهم الأجر المتكافئ مع جهدهم، وأشار العبيدي إلى أن الاقتصاد الإسلامي يهدف أيضا إلى معالجة التضخم المالي وعدم الاستقرار النقدي في البلاد. وأكد أن الإسلام صان الملكية الفردية ووضع لها الحماية اللازمة شريطة أن تؤدي هذه الملكية حق الله من زكاة وصدقات وغيرها. وأوضح بأن المصارف الإسلامية جاءت تلبية لرغبة المسلمين في البعد عن التعامل بالربا والفائدة التي توفرها المصارف التقليدية. وحول مستقبل الاقتصاد الإسلامي أكد العبيدي أن المصارف الإسلامية تلعب دورا بارزا في التنمية وأن تلك المصارف تعتبر خطوة رائدة نحو التزام البلدان العربية والإسلامية لتطبيق النظام المالي الإسلامي. وأفاد العبيدي بأنه نتيجة لظهور الصحوة الإسلامية والرغبة في تطبيق الشريعة الإسلامية لدى كثيرا من الحركات الإسلامية وتزايد التساؤل حول الاقتصاد الإسلامي بدأ تدريس الاقتصاد الإسلامي. وحول كيفية تعليم الاقتصاد الاسلامي وأسسه الأكاديمية أجرينا مع الخبير في الاقتصاد الاسلامي النائب السابق في البرلمان اللبناني الدكتور زهير العبيدي الحوار التالي: كيف تعرّف الاقتصاد الاسلامي بين النظرية السابقة والتطبيق الحالي ؟ ان النظرة المتعمقة للنظام الاقتصادي الاسلامي وللنظرية الاسلامية التي عالجت من خلال النص القرآني والحديث النبوي لموضوع الاقتصاد وخصائصه تظهر لنا أن الاسلام عندما يعالج موضوع الاقتصاد الاسلامي يعالجه من منطلق أن الاسلام هو دين للحياة كافة ورسالة عالمية تشمل نظرته جميع نواحي الحياة كونه يعالج قضايا الانسان والمجتمع في الحياة الدنيا كما في الآخرة بعين التسليم لارادة الله وأوامره ونواهيه ، هذه الخاصية ينفرد بها الاسلام عن غيره من الشرائع السماوية كما أن الخاصية الثانية لهذا الدين مرتبطة بمبدأ اسلامي شامل هو قاعدة "الحلال والحرام" خلافا لما هو عليه من النظم المادية الأخرى أي الاشتراكية والرأسمالية . فالاقتصاد من حيث التعريف الاسلامي ينطبق عليه مبدأ الاعتدال في طرق العيش المختلفة أي بين الاسراف والتبذير من جهه والشّح والتقطير من جهة أخرى ، أن الاسلام يدعو الفرد الى أن يقتصد أي يعتدل ويحسن التدبير والتوفيق بين ايراداته ونفقاته. من هنا أرى أن تأمين الحاجات الاقتصادية الأساسية والإضافية للإنسان تدخل ضمن الرزق الحلال في الاسلام أي السعي للحصول على الطيبات والسعي في الأرض للحصول على انتاجها وثمراتها لقوله تعالى:" وهو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فأمشوا في مناكبها وكلوا من رزقه..." وقوله أيضا :" ولاتبذر تبذيرا ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين ". > ما هي الأهداف الرئيسية للاقتصاد الإسلامي؟ - أولا التنمية الشاملة المستدامه: بعد تحقيق الرفاهية والعيش الكريم للأفراد يعمل الاقتصاد الاسلامي على تحقيق التنمية المستدامة في شتى نواحي الحياة ، وقد يعتبر البعض ان التنمية مفهوم مادي فقط يتعلق بالتطوير الصناعي والزراعي ، بل يهدف الاسلام من خلال التنمية الى تحريك العقول وترتيب الأولويات المطلوبة للنهوض الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي ، فلا يمكن حصر التنمية في اطار ضيق بل ينبغي أن تتلاءم مع التطور من أجل حياة كريمة فاضلة . ثانيا: معالجة العمالة : يهدف الاقتصاد الاسلامي الى معالجة العمالة وتوفير العمل للقادرين عليه واعطائهم الأجر المتكافيء مع جهدهم فليس من المعقول ان ينطلق الاقتصاد لتحقيق مبدأ مادي لكل حسب حاجته مما يؤدي الى الكسل والضياع والبطالة والفساد . بل انما ينبغي ان يعالج العمالة وتوفير العمل المنتج للأفراد من خلال مبدأ " لكل وفق طاقته " لأن العالم اليوم يتطلع الى مزيد من الانتاجية لأنها توفر للانسان وللمؤسسات والشركات الدخل اللازم للحياة الكريمة . ثالثا: معالجة التضخم : من أهداف الاقتصاد الاسلامي معالجة آفة التضخم المالي وعدم الاستقرار النقدي في البلاد ، عندما تتحكم النقود الورقية والنظام الربوي في السياسة المالية للمجتمع يعيش الانسان هاجس فقدان القيمة الشرائية للنقود التي يحصل عليها مقابل جهده وعمله بسبب التضخم الذي يطال قيمة هذه النقود، لذلك فان الاقتصاد الاسلامي عندما يحرّم التعامل بالرّبا والفوائد، ويضع سياسة مالية واضحة تقوم على قاعدة : " من يربح كثيرا يدفع أكثر " عكس القاعدة الرأس مالية الجديدة التي تقول" من يستهلك أكثر يدفع أكثر" ، ان معالجة التضخم هو أحد أهم أهداف الاقتصاد الاسلامي . > كيف عالج الاسلام تراكم رأس المال والثروة اذا ؟ - الاسلام ينظر الى الملكية والثروة أنهما مال الله وأن الانسان وكيل لهذا المال وليس مالكا له بالمعنى الشرعي ، علما أن الاسلام لم يحارب التملّك "الملكية الفردية " بل صانها ووضع لها الحماية اللازمة شرط ان تؤدي هذه الملكية حق الله سواء عن طريق الزكاة أو الصدقات أو الوصية أما موضوع الضرائب التي قد تفرضها الدولة الاسلامية لتأمين نفقاتها المتعددة وهذا لايعني أن الاسلام يرفض أن يتملك المسلم رأس مالا كبيرا يساعده على الانتاج الكبير ، ولكنه في الوقت نفسه يحميه من المصادرة والتأميم، هذه النظرة شبه الشاملة لمبادىء وأسس النظام الاقتصادي الاسلامي يعطينا فكرة واضحة عن التوازن الموجود في هذا الاقتصاد لأنه مرتبط دائما في القاعدة الثانية" الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ". > كيف يطبق الاقتصاد الاسلامي وأين؟ - نحن نعلم أن اقتصادات الدول العربية والاسلامية بعد سقوط الخلافة العثمانية ، اتجهت نحو تطبيق "النظام الاشتراكي" أو" النظام الرأس مالي" وكان الصراع شديدا بين القوتين الرئيسيتين في العالم لفرض أنظمتهما على الدول الأخرى وفي أواخر القرن العشرين شرعت بعض الدول العربية والاسلامية ، ابتداء من المملكة العربية السعودية ، والسودان ، وايران وباكستان بتطبيق المنهج الاقتصادي الاسلامي بكل أسسه وأركانه . فظهرت السياسات الاقتصادية المالية القائمة على تحصيل الزكاة والصدقات وتطبيق قواعد الميراث وتحريم الربا والفوائد ووضع نظام مصرفي مالي اسلامي قدمت عمليات الإنتاج التي يقوم فيها الأفراد، فتحول الاقتصاد في تلك البلدان من اقتصاد يقوم على استغلال الانسان للانسان ، الى استغلال الانسان للأرض وتطويرها والمساهمة في القدرة الانتاجية التصديرية في بلده . > هل هناك تعارض بين المصارف الاسلامية والمصارف العادية التي لها تجربة كبيرة في هذا المجال ؟ - ان جميع الدول عامة والدول العربية والاسلامية خاصة ترغب في انقاذ شعبها من هيمنة رأس المال وتسلطه لأنها تريد أن تجعل شعبها يعيش بحرية بعيدا عن الاستبداد بجميع أشكاله . والمسلمون يرغبون في أن يروا شريعتهم الاسلامية مطبقة في واقع الحياة من خلال نظم وقواعد يأنسون لها وينعمون في ظلالها ، والمصارف الاسلامية جاءت لتلبي هذه الرغبة في ابعاد المسلم عن التعامل بالربا والفائدة. التي توفرها المصارف العادية والتي تأسست منذ سنوات بعيدة وسيطرت على عقول ونفوس الجميع بأعتبارها فكرة غربية هدفت الى التحكم برؤوس الأموال ومن يتحكم بالمال يتحكم بالقدرات العسكرية والسياسية في العالم ، فالمسلمون يتطلعون الى الاستقلال الاقتصادي والمالي بشكل كبير بعيدا عن المصارف التقليدية ومتطلباتها وجشعها ، كما يتطلع المسلمون أيضا الى أن يحتكموا بكل شؤونهم العامة لشريعتهم الاسلامية ،حتى لايعيشو ا في تناقض بين ما يؤمنون به وما يمارسونه . فمما لاشك فيه أن المصارف الاسلامية فتحت نافذة من الأمل للمسلمين ليعيشوا اسلامهم بحرية وكرامة . > هل هناك تعايش بين النظام المصرفي الاسلامي والنظام المصرفي الربوي ؟ - أول تجربة للتعايش بين النظامين المصرفيين الربوي واللاربوي قامت في باكستان في عهد ضياء الحق الذي شرّع للمصارف الاسلامية وترك المصارف الربوية تعمل في ظل دولة نظامها الاسلام . هذا التعايش أظهر اقبال المسلمين بأكثريتهم الساحقة للتعامل مع المصارف الاسلامية مما أثّر على نشاط المصارف الأخرى وجعلها في مأزق مالي شارف على اقفال أبوابها ، هذا الصراع بين تطبيق النظرية المالية الاسلامية اللاربوية وقوة رأس المال الربوي هو الذي أدى الى الاطاحة بالرئيس ضياء الحق، وهذا لم يمنع استمرار عمل المصارف الاسلامية في الباكستان وفي كثير من البلدان الاسلامية والعربية وهي تعمل في ظل نظام غير اسلامي وتحتل مكانتها المرموقة في أوائل سلم الترتيب بين المصارف العاملة ووجودها اشارة واضحة للمسلمين كي يبادروا الى دعم المصارف الاسلامية والتعامل معها لأظهار مدىالتزامهابالاسلام فكرا وتطبيقا . > هل هناك مستقبل للاقتصاد الإسلامي؟ - لا شك أن المستقبل بيد الله أولا وأخيرا ، ولكن من خلال القراءات والدراسات التي نقوم بها ، واتساع فكرة الصحوة الاسلامية وعلى الرغم من الحرب الضروس التي يقوم بها أعداء الاسلام لاسقاط نجاحات الاقتصاد الاسلامي والمصارف الاسلامية هذه الأخيرة تلعب دورا بارزا في التنمية وتوفير التمويل اللازم لكثير من المشاريع الاقتصادية في البلاد العربية والاسلامية التي تقوم على المشاركات والمضاربات والمرابحات بشكل يساعد في التنمية الاقتصادية المستدامة وتوفير فرص عمل تؤدي الى ارتياح كبير في نسبة الأرباح التي يحصل عليها أصحاب الودائع العاملة في تلك المشاريع . ان النظرة المستقبلية لعمل المصارف الاسلامية توفر للمتعاملين امكانية العيش الكريم وفقا لتعاليم الإسلام العظيم ، وهذه المصارف خطوة رائدة .نحو التزام البلاد العربية والاسلامية لتطبيق النظام المالي الاسلامي. > لماذا بدأ تدريس الاقتصاد الاسلامي اليوم بينما كان منسيا في السابق ؟ - في النصف الأول من القرن العشرين ومع ظهور الصحوة الاسلامية والرغبة في تطبيق الشريعة الاسلامية لدى الكثير من الحركات الاسلامية اتسعت المطالبة بالتعرف على مبادىء وخصائص الاقتصاد الإسلامي، طرح السؤال هل يتوفر عند المسلمين نظاما اقتصاديا واضحا يأخذ بحسنات النظامين الاشتراكي والرأسمالي؟ فكان الجواب سريعا لدى الكثير من الجامعات العربية والاسلامية بانشاء كليات تعنى بتدريس الاقتصاد الاسلامي حتى أن بعض الجامعات الغربية أفردت قسما خاصا في كلية الاقتصاد بتدريس الاقتصاد الإسلامي ، وتتالت الرسائل الجامعية من ماجستير ودكتوراه لكثير من الطلاب المسلمين في فروع معينة وأبواب مستقلة للاقتصاد وربطه بالحياة العلمية العامة ، كما أن بعض الجامعات الغربية أفردت في برامجها فروعا لتدريس فكرة المصارف الاسلامية كما حدث في جامعة السوربون والجامعات الغربية الأخرى حيث تلقف الأساتذة هذه الفكرة وبدأوا يوجهون طلابهم بالتفتيش والبحث عن الأفكار والمبادىء التي تلتزمها المصارف الاسلامية .وهذا الاتجاه شمل على ما أعتقد جميع الجامعات العربية والاسلامية احتل مكانة مرموقة بين النظريتين الرأسمالية والاشتراكية