تجربة الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا في تدريس مادة التفكير الإبداعي

د. جمال احمد بشير بادي

مجلة إسلامية المرعفة
العدد: 041 > بحوث و دراسات

تجربة الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا في تدريس مادة التفكير الإبداعي

د. جمال احمد بشير بادي
مقدمة:
برزت أهمية التفكير بأنماطه المختلفة، ودوره الأساسي المحوري في عمليتي التعلّم والتعليم، في ظل تداعيات نتائج البحوث المتتابعة في علم النفس المعرفي على مدى العقود الثلاثة الماضية. وقد كان الجدل في بداية الأمر بين طائفتين من العلماء حول إمكانية تدريس التفكير. فهل يمكن تدريس التفكير؟ وهل يمكن نقله إلى الآخرين؟ وهل يمكن لجهود تطوير التفكير وتحسينه أن تنتج نتائج مثمرة مستمرة؟ أليس الكل يبذل جهداً والكل يفكر، واختبارات الذكاء أليست قائمة؟ كل هذه الأسئلة كانت مطروحة للنقاش وعرضة لاختلاف وجهات النظر في العقود الماضية.
ويقدم نكرسون بركنز أنموذجاً لرأي القائلين بجدوى تدريس التفكير بقوله: "إذا كان تدريس التفكير لا يمكن القيام به، ونحاول القيام به، فيمكن أن تضيع بعض أوقاتنا وجهودنا. ولكن إذا كان تدريس التفكير ممكناً ، وفشلنا في محاولة القيام به، فإن الثمن سيكون باهظاً وذلك بتعاقب أجيال من الطلاب، قدراتهم على التفكير الفعال أقل بكثير مما يمكن أن يكون. وبناءً على ذلك فإن النصح الأنفع أن نتبنى الاتجاه القائل بإمكانية تدريس التفكير، ولنحاول جادين وبقوة أن ندرسه، ولندع التجربة تثبت خطأنا إن كان لها ذلك." ومن الناحية العملية طوّر أهل التخصص في المجال المذكور، برامج تربوية وتعليمية جديدة تعتمد تدريس التفكير بأنماطه المختلفة، وخاصة التفكير الإبداعي منها، كمهارات وتقنيات أثبتت جدارتها، وأظهرت تأثيرها بشكل إيجابي على مستوى الأداء العلمي والأكاديمي، لدى الطلاب الذين وجدوا حظاً في دراسة تلك المهارات.
لكن العلماء طرحوا سؤالاً آخر هو: لمن ندرس مهارات التفكير والإبداع؟
كانت العناية في بدايات القرن العشرين بالمتفوقين عقلياً والموهوبين، وفي أواخر منتصف القرن نفسه بدأت العناية -في كثير من الدول الغربية- تتجه إلى الطلاب كافة وإلى مستويات التعليم جميعها؛ بما فيها الحضانة والابتدائية دون نظر إلى مستوى تفوقهم. وقد أثبتت التجارب نجاح الفكرة وقد خصصت محاور المؤتمر العالمي الثامن للتفكير -الذي عقد في سنغافورة في 1997م- لدمج التفكير الإبداعي في المناهج التعليمية، كما عرضت دول عدة منها: أمريكا، وبريطانيا، وأستراليا، وفنزويلا، وسنغافورة تجاربها، التي تجاوزت في بعضها خمسة عشر عاماً في ذلك الوقت.
أولاً: الخطوات العملية الأولى التي اتخذتها إدارة الجامعة للبدء في تدريس مهارات الإبداع ضمن المقررات العلمية الجامعية:
يمكن تلخيص الخطوات التي اتخذتها الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا في تدريس المقرر على النحو الآتي:
1. تشكيل لجنة من أعضاء هيئة التدريس في تخصصات مختلفة لصياغة المقرر وذلك سنة 1995م، وقد أنجزت مهمتها في سنة تقريباً. وكانت أهم محاور المقرر: التفكير في ضوء القرآن والسنة، والتفكير الإبداعي، والتفكير النقدي، وعوائق التفكير الإبداعي، والمنهج العلمي، والمنطق، وأخطاء التفكير (الأغاليط) وطرق تقويم الأدلة، والمجموعات، والاحتمالات، واتخاذ القرار، واللغة والتفكير.
2. اعتماد المقرر من مجلس الجامعة رقم 191 المنعقد في 29/11/1996م. وقد نص القرار على أن يخصص للمقرر الدراسي ثلاث ساعات أسبوعية. وأن يتولى قسم الدراسات العامة تدريس المادة. وأن يبدأ تدريس المادة في الفصل الدراسي الثاني 1996/1997م، كمادة اختيارية لكل طلبة الجامعة الذين يتم تشجيعهم على الانخراط فيها. وأن يتم تطوير المقرر إلى نموذجين يراعى فيهما خلفية الكليات. وعلى اللجنة التي صممت المقرر أن تعد مادة علمية للمقرر يتم تحويلها إلى كتاب دراسي منهجي فيما بعد.
وأن يتم تدريس المقرر على أساس تشجيع الطلاب على التفاعل معه، وأن يحتوي على أنشطة من شأنها تشجيع الطلاب على التفكير الإبداعي، وأن تصمم الأمثلة والحالات المدروسة وفق تخصص الطلاب.
3. إنشاء قسم الدراسات العامة بكلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية ليتولى تدريس هذه المادة إلى جانب مواد أخرى من المتطلبات العامة.
4. بناء على ما جاء في توصيات وملاحظات قرار مجلس الجامعة تم إعداد توصيف تفصيلي للمقرر الدراسي يأخذ في الاعتبار إلغاء فقرتي المجموعات والاحتمالات من مفردات المقرر المذكورة أعلاه، ذلك أن الطلبة الذين طبقت عليهم المادة كانوا من طلاب كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية الذين تنقصهم الخلفية الرياضية. والإبقاء على بقية فقرات المقرر مع إضافة ما يؤكد: تشجيع الإسلام على التفكير وإعمال النظر والإبداع. وقصد بذلك توجيه نظر طلاب الدراسات الإسلامية، إلى أن الإبداع والتفكير عموماً هما من صلب ثقافتنا وتراثنا، لا كما يفهم بعضهم من أنهما مستوردان من الخارج، وأنهما من مظاهر التأثر والانبهار بالآخر. وإضافة نماذج مبدعة من العلماء المسلمين. وكان التركيز في البداية على بعض الشخصيات الأقرب لمجال معارف الوحي والتراث. ثم تطور هذا المحور ليشمل المجالات العلمية كافة. وتخصيص فقرة كاملة لتقديم مهارات التفكير الإبداعي التي صممها إدوارد دي بونو في كتابه "الإبداع الجاد".
وبدأ تدريس المادة عمليًا في بداية الفصل الدراسي الثاني لعام 1996/1997م يوم 24/2/1997م. وتم توفير شعبتين؛ واحدة تدرس باللغة الإنجليزية، والأخرى تدرس بالعربية. وجرى توفير المادة باعتبارها مادة اختيارية لطلبة كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية، على ألا يزيد حجم الشعبة عن 25 طالباً وطالبة. وكان الاستهداف مقتصراً على طلبة السنتين الثالثة والرابعة في المرحلة الأولى من التجربة، وذلك على مدى فصلين دراسيين. ثم بدأ قسم الدراسات العامة في الفصل الدراسي الثاني 1997/1998م وحتى الفصل الدراسي الثاني للعام الدراسي 2000/2001م، بتوفير شعب خاصة لطلبة كلية الهندسة المعمارية لدراسة المادة ضمن المواد الاختيارية، وذلك بناءً على طلب كليتهم. وقد أبدى طلبة تلك الكلية تفوقاً في استيعاب المادة. وقد لاحظ أساتذة المادة ميلهم إلى لغة الرسوم والأشكال، فكانوا يشجعونهم على الإجابة عن الأسئلة والتمرينات والتدريبات باستعمال تلك اللغة.
5. قرر مجلس الجامعة في اجتماعه 253 في 23/2/2001م أن تصبح مادة التفكير الإبداعي متطلبًا جامعياً، لكل طلبة كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية اعتبارًا من الفصل الدراسي الأول 2001/2002م الذي بدأ في يونيو 2001م. كما قرر تعديل المقرر ليحتوي على المنظور الإسلامي بشكل أوضح، وألا تكون محتوياته مجرد اقتباس من الآخرين، وذلك لأمرين هما: الأول وهو المهم والأساسي خصوصيتنا الثقافية التي تقبل الانفتاح على تجارب الآخرين، مع الاستيعاب والهضم والتمثيل وإعادة التشكيل، والأمر الثاني: وهو مقصود بالتبع، كون المقرر يستهدف في تلك المرحلة طلاب معارف الوحي (الدراسات الإسلامية) فيكون ألصق بتخصصهم. وأن يبنى تقويم أداء الطلاب على التمرينات والتدريبات العملية التي تعطى داخل الفصل، أو ضمن الواجبات المنزلية، وألا يعتمد بشكل مكثف على الامتحانات النهائية، التي شكلت ما نسبته 60% جميع أقسام الكلية في ذلك الوقت.
وتمشياً مع قرار مجلس الجامعة تم تعديل توصيف المقرر لتضم محتوياته الرئيسة، على النحو الآتي: تعريف أهم مصطلحات المادة، مع تعريف الطلاب بالمصطلحات القرآنية للتفكير، وبيان مكانة التفكير في الإسلام، وتشجيعه على التفكير والتأمل والإبداع. وبيان دور الاجتهاد في إحياء الإبداع الإسلامي. بالإضافة إلى تعريف شامل بإبداعات علماء المسلمين في فروع العلم المختلفة، وأساليب التفكير في ضوء القرآن الكريم وأهمها: التفكير الموضوعي، والتفكير العقلي، والتفكير العلمي، والتفكير التمثيلي، والتفكير الافتراضي. وأساليب التفكير في المنظور الغربي (القبعات الست) ودور الإدراك الحسي في التفكير وعوائق التفكير الإبداعي من المنظورين الإسلامي والغربي. ومهارات التفكير الأفقي والإبداعي. ومهارات التفكير النقدي: الاستنباط والاستقراء، وطرق كشف الأغاليط. ومهارات حل المشكلات.
6. تمت مراجعة المقرر مرات كان أهمها في سبتمبر 2002م، ثم في يونيو 2003، وأخيراً في 3/11/2004م. وكان من بين التعديلات الأخيرة التركيز على تدريس مهارات العصف الذهني في حل المشكلات، وتم اعتماد كتاب أليكس أوزبورن (الخيال التطبيقي) مرجعاً لهذه الفقرة. ومن التعديلات أيضاً إعطاء مدة أطول لتدريس مهارات التفكير الإبداعي، فأصبحت ثلاثة أسابيع بدلاً عن أسبوعين فقط. ومن الإضافات اختيار نماذج تطبيقية من الفقه الإسلامي، وربطها بمهارات التفكير الإبداعي.
ثانياً: تقويم أداء الطلاب ومنهج تدريس المقرر
ومع مرور الزمن، واكتساب الخبرات في تدريس المادة، تم وضع منهاج كامل مفصل لتقويم أداء الطلاب أثناء الفصل الدراسي على الشكل الآتي:
1. طريقة توزيع الدرجات: بما أن المادة تعتمد بشكل أساسي على تعليم المهارات، فكان من قرارات مجلس الجامعة الذي سبقت الإشارة إليه، ألا يعتمد تقويم أداء الطلاب على درجات الامتحان النهائي بشكل مكثف، لذا تم تخصيص 30 % من مجموع الدرجات للتدريبات والواجبات، و10% للاختبارات التطبيقية للمهارات، و20% للامتحان النصفي الذي يغطي ما درس في النصف الأول من الفصل الدراسي، و40% للامتحان النهائي.
2. الواجبات خارج الفصل: يعطى الطلاب في بداية الفصل الدراسي تعليمات مفصلة عن الواجبات المطلوبة منهم، وكيفية قيامهم بها، والمدة المتاحة لهم لتسليمها مع تنويع التدريبات. كذلك يعطى الطلاب صورة عن الامتحانات النصفية والنهائية السابقة؛ ليتعرفوا من خلالها حالات تطبيق المهارات، مع إعطائهم حق اختيار الحالات.
3. التعامل مع الطلاب الذين لديهم ضعف أو قصور في فهم المهارات أو استعمالها: فبعد تصحيح الامتحانات النصفية والتدريبات التطبيقية تتم مناقشة أخطاء الطلاب بشكل عام وكيفية تجاوزها، ويخبر كل طالب على ورقته بمواطن الخلل والقصور ونقاط القوة والتمكن. ويشجع الطلاب الضعفاء على القيام بتطبيقات إضافية خلال مدة أقصاها أسبوع واحد. وتعطى درجات إضافية تشجيعية يصل مجموعها إلى خمس درجات للطلاب الذين يلاحظ الأستاذ تحسناً في أدائهم.
4. طريقة التدريس: يجتهد الأساتذة في تدريس المادة بشكل مرح، وفي جو من الانفتاح ورفع التكلف، ووضع الطلاب في حالة نفسية منشرحة تشجعهم على المتابعة وتبعد عنهم الملل والكسل والخمول. ومن أهم الخطوات المتبعة في تدريس المهارات: تقديم المهارة إلى الطلاب بما في ذلك التعريف بها، وبيان أهميتها، وهدف استعمالها، وكيفية استعمالها، والنتائج المتوقعة لذلك الاستعمال. واختيار حالة أو قضية أو مشكلة يقوم الأستاذ بتطبيق المهارة عليها. ثم يسأل الطلاب عن أي استفسار لديهم بخصوص فهم المهارة أو استعمالها. والقيام بتدريبين على الأقل في الفصل على حالات أخرى يختارها الطلبة، وهنا تكون مهمة الأستاذ المساعدة والتوجيه والتشجيع والتحفيز، ويترك للطلاب فرصة تطبيق المهارة، مع التعليق على أي لبس أو سوء فهم أو قصور أو خطأ يقع فيه الطلاب بشكل لبق، لتشجيعهم على الاستمرار في المشاركة. واختيار مقالات صحفية من وقت لآخر لتطبيق المهارة عليها. وإعطاء الطلاب تغذية راجعة بخصوص مشاركاتهم، وبيان نقاط القوة ونقاط الضعف لديهم بشكل عام. وبعد تصحيح الامتحانات والتدريبات تعطى تغذية راجعة مماثلة للطلاب. مع إعطاء فرصة لتعليقات الطلاب وأسئلتهم، التي كثيراً ما تساعد أستاذ المادة على تطوير أدائه، وفهم عقليات طلابه وطريقة تفكيرهم، ومدى تجاوبهم وفهمهم للمهارات واستعمالها. بالإضافة إلى تنويع وسائل الاستشارة وأوقات اتصال الطلاب بأستاذ المادة، وأهمها: آخر خمس عشرة دقيقة من الدرس، وساعة مكتبية كل يوم من أيام الأسبوع، والاستشارة عبر هاتف المكتب الذي يوفر رقمه مع جدول الاستشارة للطلاب في بداية الفصل الدراسي. والاستشارة عبر البريد الالكتروني.
5. المادة العلمية للمقرر: حيث تم إعداد كتاب منهجي دراسي (باللغة الإنجليزية) يغطي ما يقارب 80% من المقرر الدراسي، مع إعداد ملخصات في شكل نصوص أو عروض تقديمية، لكل المهارات وموضوعات المادة، تظهر من خلال صفحة الجامعة الخاصة بالتعليم الإلكتروني عبر مواقع الشبكة الدولية الانترنت.
ثالثا: بعض العقبات التي واجهت الأساتذة في تدريس المقرر وكيف تم التغلب عليها:
1. من أولى العقبات التي واجهت الأساتذة في تدريس المادة إثارة الطلاب وتشجيعهم وتحفيزهم؛ ليصبح الإبداع عنصراً مهما في حياتهم اليومية، فيهتموا بتحسين تفكيرهم وتطويره حتى وإن كان جيداً في نظرهم. وهي مشكلة أشارت بحوث علم النفس المعرفي إلى أنها ناتجة عن: "دعم وإعلاء الأفكار الخاصة بأن تكون الدراسة والمذاكرة للامتحان، مع تقليص الأفكار المتعلقة بأن يكون التعلم للحياة." وتم التعاطي مع هذه العقبة ببيان أهمية الإبداع ودوره في الحياة، ومدى حاجتنا إليه لحل مشكلاتنا وتطوير برامجنا وشؤوننا، ودخوله في كل جانب من جوانب الحياة. مع إعطاء أمثلة نموذجية لما نقرره من هذه المسائل. وعادة ما يتم هذا في الأسبوع الأول وخلال اللقاءات الأولى مع الطلاب.
2. تنوّع طرق تفكير الطلاب ونوعية اللغة المفضلة لديهم: إن تدريس طلاب من كليات مختلفة أو تخصصات مختلفة في الكلية الواحدة، يعد أمرا في غاية الأهمية والحساسية. فاختلاف الخلفيات والتجارب والخبرات التعليمية ونوعية اللغة المستعملة أمر حساس جداً، ينبغي لمن يدرس هذه المادة أن يتفطن له ويتعامل معه بشكل منهجي. فقد لاحظ الأساتذة من خلال تدريس المادة تسع سنوات لطلاب كليات مختلفة وتخصصات متنوعة، أن كل طائفة منهم لها لغة مفضلة. ففي حين يفضل طلاب معارف الوحي وكثير من طلاب العلوم الإنسانية لغة الخطاب والكلام، فإن طلاب المعمار يفضلون لغة الأرقام والرسوم والتخيل (اللغة التصويرية). وقد تم التعامل مع هذه المشكلة على مستويات، الأول: تخصيص شعب مستقلة لطلاب كل كلية ليصبح التعامل معهم بشكل أفضل. والثاني: معاملة كل طلاب حسب خلفياتهم ولغاتهم المفضلة، مع إكسابهم اللغات الأخرى وتشجيعهم على استعمالها. ومما لاحظه الأساتذة من فروق بين الطلاب، تميّز أداء طلاب كلية المعمار عن طلاب التخصصات الأدبية. وهو أمر قررته بحوث علم النفس المعرفي المعاصرة. فيقول الدكتور فتحي الزيات: "إن صعوبات التعلم بأنماطها المختلفة، تميل إلى أن تشيع لدى التخصصات الأدبية، بصورة تفوق شيوعها لدى التخصصات العلمية."
3. لاحظ أساتذة المقرر بأن طلاب العلوم الاجتماعية والإنسانية أفضل أداءً من طلاب معارف الوحي في الجملة والعموم، وإن وجدت نماذج متميزة من طلاب معارف الوحي كأفراد. ولعل أهم الأسباب وراء هذه الظاهرة عائق اللغة، إذ إن المادة تدرس باللغة الإنجليزية فقط دون العربية، وكثير من هؤلاء الطلاب الذين نتحدث عنهم (معارف الوحي) كانت دراساتهم السابقة باللغة العربية يستوي في ذلك الطلاب المحليون والوافدون. مع التنويه هنا إلى أن الجامعة تطالب جميع طلابها بإجادة اللغتين العربية والإنجليزية، وتقوم بامتحانهم قبل بدء دراستهم في الكليات التي اختاروها، وتطلب ممن لم يتجاوز تلك الامتحانات دراسة مواد إضافية في اللغة الإنجليزية، خاصة في مهارات القراءة والكتابة والاستماع، قبل التحاقهم بكلياتهم، وقبل تسجيل مواد دراستهم المطلوبة. وهنا يبرز عائق متفرع عن سابقه ألا وهو: أن معظم الطلاب الذين يدرسون مادة التفكير الإبداعي في السنوات القليلة الماضية أصبحوا من المراحل الجامعية الأولى والثانية. وقد تم التعامل مع هذا العائق بتوفير مذكرات في المقرر الدراسي باللغة العربية لمن يحتاجها، وذلك بالإعلان في أوائل الفصل الدراسي عن هذا الأمر، وبعد سؤال الطلاب مباشرة عمن لديه هذا العائق. كذلك تم تخصيص ساعات الاتصال بالطلاب في المكتب (ساعة كل يوم) لشرح ما يحتاجه هؤلاء الطلاب لمن -رغب منهم- باللغة العربية. وقد سمح بعض أساتذة المادة لهؤلاء الطلاب بكتابة واجباتهم، وتدريباتهم وتمريناتهم وإجاباتهم عن أسئلة الامتحانات باللغة العربية. وفي العموم فإن نسبة هؤلاء الطلاب لا تتجاوز خمسة إلى عشرة بالمائة.
وعائق انعدام أو قلّة الخلفية اللازمة للمقرر من علم النفس المعرفي. وقد تم التعامل مع هذا العائق بتوفير مادة علمية إضافية، أو إرشاد الطلاب إليها حال السؤال عن تفصيلات موضوع ما في مراجع هذا الفن المتوافرة. كذلك قام أساتذة المادة بتوفير ملخصات مفيدة في بعض هذه الموضوعات لهؤلاء الطلاب، وخاصة في السنتين الأخيرتين، بعد ظهور المشكلة بشكل ملحوظ.
4. ومن العوائق التي قابلت الأساتذة في تدريس المادة، عدم مشاركة كل الطلاب في تطبيقات وتدريبات المهارات داخل الفصل؛ لكبر حجمه (خمسون طالباً وطالبة). ومن طرق التغلب عليها إجراء التدريبات الجماعية بتوزيع طلاب الفصل إلى مجموعات في تطبيق المهارة، ومنها تقسيم الفصل إلى صفوف تعطى أرقاماً، ثم تحويل مشاركاتهم في التدريب إلى مسابقة بينهم ليرى من الفائز من تلك المجموعات، مع وضع قانون لا يسمح للطالب إلا بمشاركة واحدة داخل كل مجموعة. ومنها الأسئلة التي يكافأ عليها الطالب المشارك بإضافة درجة إلى حصيلة درجاته التراكمية في التقويم، وهو أسلوب حاول أساتذة المادة تفادي الإكثار منه حتى لا يتحول إلى شرط منعكس.
5. ومن العوائق المشابهة للعائق السابق، عدم وجود قناعة كافية لدى معظم الطلاب لتطبيق المهارات خارج الفصل. والقيام بهذا التطبيق أمر مهم يحتاجه الطالب لإتقان المهارات، وتحويلها إلى سلوك ذهني مع الوقت، والاستمرار في التدريب والاستعمال. وقد تم التغلب على هذا العائق بأمرين؛ الأول: تقليل نسبة الاعتماد على الامتحان النهائي، والثاني: تكليف الطلاب بواجبات إضافية خارج الفصل على كل مهارة من المهارات تخصص لها نسبة 30% من مجموع الدرجات النهائية، مع إعطائهم فرصة كافية للتطبيق ومراجعة أستاذ المادة بخصوص أي معضلة تقابلهم، وتشجيعهم على العمل الفردي في تلك التدريبات، ولا يسمح بعمل المجموعات إلا لحالات استثنائية يقدرها أستاذ المادة، على ألا يتجاوز عدد أفراد المجموعة ثلاثة طلبة.
6. ومن العوائق أيضا أن تعلُّم بعض مهارات الإبداع وتطبيقها أسهل من بعضها الآخر. فمن المهارات السهلة: القبعات الست، ومهارات توسيع الإدراك عموماً، مع وجود مشكلة في التنبؤ بمآلات الأفعال على المدى البعيد دون القريب والمتوسط. ومن المهارات السهلة أيضاً: مهارات العصف الذهني، وكشف الأغاليط، ومروحة المفاهيم، والتركيز المبدع، والتوقف المبدع. وكانت هناك صعوبة في بعض مهارات التفكير الأفقي وأهمها: التحدي المبدع، ومهارات الحركة الذهنية. وقد تم التعامل مع هذه العوائق بعمل شرح وافٍ، وتطبيقات لمهارة التحدي المبدع، مع التركيز على جانبين من جوانب التحدي المبدع هما: تحدي الافتراضات، وتحدي الأفكار المسيطرة، مع عمل تدريبات على مقالات مختارة من مجلة أو صحيفة سيارة، وذلك في الفصل الدراسي الثاني للعام الدراسي 2004/2005م، وكانت النتائج مشجعة. أما ما يتعلق بمهارات الحركة الذهنية، فقد تم التعامل معها بإضافة وقت أطول لتدريسها، وإضافة تطبيقات في الفصل؛ للتأكد من فهم الطلاب للمهارة، ثم تكليفهم بواجبات إضافية حولها. وقد كانت النتائج مشجعة إلى حد ما، ولكن ما زالت دون المستوى المأمول.
7. ومن العوائق في تدريس مهارات الإبداع، ما قد يقع في تدريس أي مادة أخرى، ومن أمثلته هنا عائق الطالب المتفرد أو المهيمن، وفي الغالب نجد في الصف طالبين إلى ثلاثة على الأكثر، ممن لهم قابلية أقوى على فهم المهارات، ولهم قدرات ذهنية جيدة، فيستحوذون على المشاركة، ويخطفون الأضواء من الآخرين، الأمر الذي يؤدي ببعض الطلاب إلى الإحباط والكف عن المشاركة، كما يؤدي إلى الإجحاف في حق بقية طلاب الفصل، الذين لديهم مقدرة متوسطة أو قريبة من المستوى الجيد. وهذا العائق تتم معاملته بالتحكم في مشاركات الفصل وتشجيع كل الطلاب، مع بيان السبب في عدم السماح للطالب المتفرد بالتمادي في السيطرة، ولكن بشكل لبق حتى لا ينتهي الأمر إلى خسرانه هو الآخر. فقد لاحظ أحد أساتذة المادة في أحد الفصول الدراسية، تراجعًا مفاجئًا لإحدى الطالبات في المشاركة بعد تميزها في الأداء والتدريبات في البداية، فسألها ذات مرة بشكل لبق عن سبب توقفها عن المشاركة، فأجابته بأنها كلما أرادت المشاركة لم تحظ بالاهتمام، ولم تعط فرصة المشاركة، فقررت التوقف! وعندما بيّن لها الأستاذ السبب في هذا السلوك الصادر عنه، والذي قصد به توزيع الفرص بشكل متكافئ لكافة الطلاب فهمت السبب ورجعت للمشاركة.
8. وهناك عائقان يتعلقان بتدريس المهارات، لهما علاقة بأستاذ المادة، وهما: أن يتحول المضمون والمشكلة إلى الهم الكلي للمدرس، فيكون ذلك على حساب تعليم المهارة، دون أن يتنبه الأستاذ في الوقت المناسب. وكذا التفريق بين فهم الطلاب للمهارة المعينة، وبين مقدرتهم على تطبيقها بشكل تام، وصحيح. وقد أفادنا في تجاوز هاتين العقبتين ما ذكره الدكتور دي بونو في كتابه (تدريس التفكير) من شرح مطول وموسع حول الموضوع.
رابعاً: إشكالات حول تدريس الإبداع ومناقشتها:
يثير بعض المتخصصين تساؤلاً مهماً هو: ما مدى استفادة الطلاب من دراسة هذه المادة؟ وهل يصبح هؤلاء الطلاب مبدعين بدراستها؟ ويمكن الإجابة عن هذه التساؤلات من خلال المحاور الآتية:
1. إن موضوع "الإبداع" وتحويله إلى جزء من بناء الشخصية، يتطلب قناعة مشتركة من جميع المسؤولين عن التعليم في المؤسسة الواحدة، كالجامعة هنا. ومعنى ذلك أن الأساتذة أنفسهم بحاجة إلى دورات تدريبية متواصلة في مهارات الإبداع، وتأهيلهم ليصبحوا قادرين على نقل تلك المهارات إلى فصولهم الدراسية وطريقة تدريسهم لموادهم. فمن القصور البين تدريس الطلاب مهارات الإبداع في مقرر دراسي، ثم لا يجدون المناخ المناسب المشجع لهم لتطبيق تلك المهارات في بقية المواد التي يدرسونها. وليس هذا فحسب، بل إن هذا المشروع "الإبداعي" يحتاج إلى تغيير المناهج والكتب الدراسية، لتتواءم مع هذا التوجه والهدف العظيم. فتصميم المناهج والكتب التي لدينا لم يتم ضمن أهداف إنتاج طلاب مبدعين. وهذا ينعكس على طريقة ترتيب معلومات الكتاب، وطريقة عرضها، وطريقة الأسئلة في آخر كل فصل من فصول الكتاب الدراسي؛ حيث ينبغي أن يكون الإبداع عنصراً حاضراً فيها. ولا يكون هذا على مستوى الجامعة فقط، بل على كل مستويات الدراسة والمراحل التعليمية بدءاً بالحضانة والمرحلة الابتدائية. فالطالب عندما يصل إلى الجامعة تكون عقليته قد تشكلت وشخصيته قد أخذت أبعادها.
وما ذكرته آنفاً من متطلبات على مستوى التعليم، تؤكده الدراسات المعرفية المعاصرة؛ حيث تشير الدراسات إلى أن عدم تكافؤ الفرص التعليمية، والظروف البيئية، خلال التنشئة الاجتماعية، أو الالتحاق بمدارس فقيرة في محتوى البرنامج الدراسي، يؤثر في نسبة الذكاء. فالتمايز للقدرات العقلية الأولية إنما يحدث " تبعاً لكمية وكيف الاستثارات العقلية المعرفية القائمة على نوع التعليم أو التدريب، الذي يتلقاه الفرد في مرحلة نمو تلك القدرات."
فإذا كان التعليم في مستوياته الدنيا متدنيًا، وإذا كانت شخصية الطالب مبنية ومؤسسة على الحفظ والتلقين وسرد المعلومات، وقد أطفئت فيها جذوة حب الاستكشاف، وأميتت فيها روح التساؤل، وملئ الدماغ بالقيود والحدود والسدود الوهمية المعيقة، فإن تدريس الإبداع في المرحلة الجامعية -كما شاهده وعاشه أصحاب هذه التجربة- يكون أشبه بتعامل الطبيب مع حالة موت الدماغ؛ حيث لا يشفى من "المرضى" وتكتب لهم الحياة إلا نسبة ضئيلة جدًا. وكذا الحال بالنسبة للطلاب الذين لم ينشأوا في بيئات مشجعة على الإبداع خلال مراحل التعليم المختلفة، وعلى العكس من ذلك نشأوا في بيئات مثبطة تضع العراقيل والقيود في طريق التفكير السليم. فمن كانت هذه حاله من الطلاب، فإنه سيحتاج إلى جهد مكثف ووقت طويل في التمرين والتدريب، حتى يتمكن من تغيير سلوكاته الذهنية الجامدة.
وأريد هنا عرض نموذج واحد لما ذكرته آنفاً حول أثر أساتذة المقررات الدراسية في غرس الإبداع لدى طلابهم. فقد كان من بين الذين درّسوا مادة التفكير الإبداعي بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، أستاذان من قسم علم النفس، خلال العام الدراسي 1998/1999م. وكان مما قام به الأستاذان إجراء استفتاء لطلاب المادة في تلك السنة حول مدى تشجيع أساتذة المواد الأخرى بالجامعة -التي درسها الطلبة أو يدرسونها ذلك الوقت- على الإبداع. فكانت النتيجة غير مشجعة، وتبين أن إجابات عدد كبير من الطلاب كانت سلبية. وقد حرصت الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا على اتخاذ خطوة إيجابية -قد تساعد في حل هذه المشكلة- منذ سنة 1999/2000م بأن شجعت أساتذة معارف الوحي "الدراسات الإسلامية" على دراسة دبلوم عال في العلوم الإنسانية بالجامعة نفسها، كذلك شجعت أساتذة "العلوم الإنسانية" في المقابل على دراسة دبلوم عال في معارف الوحي. ثم تتابع برنامج الدبلوم العالي ليشمل كليات أخرى منها: الطب، والصيدلة في سنة 2004م. ومن بين المواد التي يدرسها الأساتذة في برنامج الدبلوم العالي مقرر "مهارات التفكير". وينبغي التنبيه هنا إلى أن سياسة الجامعة التعليمية قامت منذ تأسيسها على أساس الدمج بين العلوم والمعارف والتخصصات. فطلاب الدراسات الإسلامية لا بد أن يتخصصوا في مجال فرعي في العلوم الإنسانية، وكذا طلاب العلوم الإنسانية عليهم التخصص في مجال فرعي في العلوم الإسلامية. وأخيراً فتح المجال لطلاب الدراسات الشرعية "معارف الوحي" لدراسة تخصصات جزئية أخرى في العلوم التطبيقية والاقتصاد والتكنولوجيا. أما طلاب الكليات العلمية، فمطلوب منهم دراسة أربع مواد من كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية، ثلاثة منها إجبارية هي: التصور الإسلامي للكون، والإسلام والمعرفة والحضارة، وقضايا معاصرة في الفقه والأخلاق. وبناءً على السياسة التعليمية نفسها تنوي الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، أن تحوّل مادة "التفكير الإبداعي وحل المشكلات" إلى متطلب جامعي لكل طلابها من جميع الكليات والتخصصات، والعمل جارٍ على تطبيق هذه الفكرة بحلول عام 2010م.
2. إن عملية بناء "الشخصية المبدعة" والمشروع الإبداعي في العالم العربي والإسلامي، هي مسؤولية وطنية وجماعية، يجب أن تسير على كل المستويات. فللقادة السياسيين والمسؤولين دورهم الريادي في تشجيع المشروع. وللوالدين دورهما، في تشجيع أبنائهما وبناتهما على الإبداع، وللإعلام دوره، ولكل المؤسسات التربوية في المجتمع دورها، وهو دور يبين أبعاده الحديث النبوي الشريف: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". فإذا ما أخذ كل مسؤول نصيبه في هذا المشروع الريادي، فستكون النتيجة في قمة صورها المتوقعة بإذن الله. وهنا تتحقق روح الانسجام بين قدرات الفرد الداخلية، وبين بيئته الثقافية، فلا يعيش في تناقض ولا يصاب بالإحباط، وهذان الأمران -وإن استطاع بعض المبدعين تجاوزهما بصعوبة ومعاناة- ليس في مقدور كل أفراد المجتمع مقارعتهما. وهنا لا يكون جلّ اهتمام المبدع منصباً على كيفية تخطي العقبات الثقافية والبيئية، بل يركز اهتمامه كاملاً على العملية الإبداعية ذاتها. وأمر آخر مهم هنا وهو: وإن تمكن بعض المبدعين من السباحة ضد تيار الجمود والتقليد في بيئاتهم الثقافية، فوصلوا إلى أفكار مبتكرة ومفيدة، إلا أن فقدان عنصر التشجيع من مؤسساتهم ومنظماتهم وأسرهم ومجتمعاتهم، سيُبقى آراءهم وأفكارهم وتجديداتهم ومنتجاتهم وابتكاراتهم حبيسة الأدراج إن وصلت، أو حبيسة السطور إن كتبت، أو حبيسة الصدور إن كتمت فتموت بموتهم.
3. إن الناس يتحدون في امتلاك مقومات الإبداع وملكاته، وكلهم يملكون الفرصة ليكونوا مبدعين، متى أتيحت لهم فرص فهم مهارات الإبداع وتقنياته، كما هو الحال في بقية العلوم والمعارف التي تقوم على المهارات؛ كالرياضة وقيادة السيارات، والاتصال، وغيرها. إلا أنه يبقى بعد تعلم المهارات أمور نملك بعضها ولا نملك بعضها الآخر مثل مدى رغبة المتعلم في المواصلة والاهتمام، وبذل المجهود في الارتقاء والتطوير، وتطبيق ما تعلمه من مهارات الإبداع في الشؤون الحياتية العامة والخاصة، وأن يكون على قناعة وقبول، لا أن يكون مجرد حضور روتيني، واستجابة مؤقتة ظرفية. وهنا يأتي دور "المشروع الإبداعي الحضاري" -الذي نأمل أن يعم كل أرجاء الوطن العربي والإسلامي- بحيث يكون هذا المشروع آخذا في الاعتبار مثل هذه التحديات، فيحسب حسابها في تصميم المناهج والمقررات والكتب. وتبرز هنا أهمية ما ذكر في المحاور السابقة من تكامل الأدوار المختلفة لكافة فئات ومؤسسات المجتمع. ولعل من المفيد أن أذكر هنا من واقع تجربة الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا في تدريس المادة، أنه رغم تغير إدارة الجامعة، إلا أن المشروع بقي على أهميته، وحظي بالاهتمام نفسه. فالحرص على تحقيق رؤية الجامعة وفلسفتها وأداء واجبها، كان هو المحرك والدافع للاستمرار في المشروع والمضي به قدما نحو التحسين المستمر. وكأي عملية تقوم على المهارات والتقنيات، فإن الناس -كما مرّ- يمكنهم جميعا إتقان المهارات من حيث الجملة والعموم، إلا أنهم سيتفاوتون في قدراتهم وإمكاناتهم، وحسب تكوينهم وطاقاتهم وبيئاتهم، واستعداداتهم الفطرية في درجة إعمال هذه المهارات وتطبيقها. وهو ما يشبه أمور الرياضة التي تقوم على تعلم المهارات والتدريب، إلا أن اللاعبين يتفاوتون في مستوى أدائهم، ولا يفوز بالمراتب الأولى إلا أشخاص محددون، ولكن ليس معنى ذلك أن بقية اللاعبين لا يتقنون فن تلك الرياضة، وهذا موضوع نبّه عليه الدكتور دي بونو في مواضع كثيرة من مؤلفاته.
4. ومن الإشكالات المثارة في تدريس هذا المقرر هو تساؤل بعض المتخصصين في هذا المجال أيضاً: هل يمكن قياس وتقويم الإبداع؟ وإذا كان ممكنا فعلى أي أساس يتم ذلك؟ وللتعاطي مع هذا الإشكال لا بد من الإلمام بالجانب التاريخي لتدريس الإبداع. فقد بدأ طرح التساؤل عندما كانت زاوية النظر إلى الإبداع باعتباره موهبة لا يمكن اكتسابها ولا يمكن تعلمها أو تعليمها، ولكن يمكن تشجيعها وتحسينها. أما بعد تصميم مهاراته وتقنياته من قبل رواد هذا الفن، وتجريبها وتدريسها ونجاحها الباهر في كثير من دول العالم، فإن هذا التساؤل يصبح أقل إشكالاً. فالتقويم يكون للمحاولة والجهد المبذول في فهم واستيعاب ثم استعمال المهارات والتقنيات، وهو أمر يمكن قياسه إلى حد كبير ولو بشكل نسبي.
خاتمـة:
بناءً على ما ناقشته هذه الدراسة وما طرحته من أفكار وقضايا يمكن الوصول إلى نتيجة مهمة ألا وهي: ضرورة قيام مشروع "المجتمع المبدع"، وذلك بضرورة العناية بتدريس مهارات الإبداع في كل مراحل التعليم، بدأ من مرحلة الحضانة في البلاد العربية والإسلامية. ويتطلب هذا المشروع الحضاري إعداد المدربين المهرة ليقوموا بتلك المسؤولية، ولا بد من إنشاء مؤسسات ومراكز لإعداد هؤلاء المدربين إعدادا يتكافأ مع دورهم المنشود. كذلك يتطلب أيضاً تغيير المناهج التعليمية والكتب المدرسية لتحقيق هذا الهدف السامي، إضافة إلى حسن إعداد المعلمين في المدارس والمؤسسات التعليمية، وإقامة الدورات التدريبية لهم ليتحولوا إلى أساتذة مبدعين.
ومن متطلباته أيضاً تواصل الجامعات بالعالم العربي والإسلامي من أجل تفعيل هذا المشروع والاستفادة من خبرات الآخرين وتجاربهم. ويجب أن يكون لمشروعنا "الإبداعي الحضاري" خصوصيته، فينطلق من ثوابت ثقافتنا وقيمنا. وليس هذا من باب الحجر على الإبداع، بقدر ما هو توجيه له بحيث يكون إبداعاً إيجابياً بناءً، ولكي يتفادى سلبيات الإبداع المنفلت من القيم. وقد بدأت الدراسات في الغرب نفسه -وهو الذي له السبق في هذه التجربة- عن هذا الموضوع، كما في فصل "الجانب المظلم من الإبداع" في دائرة معارف الإبداع وغيره.
وبقي أن نقول؛ ووفقاً لقاعدة المائة ميل تبدأ بخطوة: أنه يجب على مؤسساتنا العلمية في العالمين العربي والإسلامي الأخذ بزمام المبادرة لتبني هذا المشروع ونقله إلى أرض الواقع.