التمويل العقاري الإسلامي في بريطانيا ما يزال الأغلى وخياراته محدودة

ناصر التميمي

لتمويل العقاري الإسلامي في بريطانيا ما يزال الأغلى وخياراته محدودة
رغم ارتفاع حجمه إلى نحو 17 مليار دولار
لندن: ناصر التميمي
أطلق اخيرا احد البنوك الاسلامية الكبرى في بريطانيا منتجا تمويليا عقاريا يتوافق مع أحكام الشريعة الاسلامية، ومن المتوقع ان يلاقي هذا المنتج الجديد ترحيبا من الجالية الاسلامية في بريطانيا التي تبحث للحصول على صفقات بأسعار معقولة ولكن بشكل لا يتناقض مع معتقداتها الدينية. وقبل عدة سنوات كانت الجالية الاسلامية تملك خيارات محدودة جدا خصوصا للذين يرغبون بشراء منازل في بريطانيا من خلال استخدام التمويل الاسلامي، الذي يحرم التعامل بـ(الفائدة). وكان المسلمون يضطرون إما الى استخدام وسائل التمويل التقليدية الموجودة في السوق، او الى دفع اقساط اكبر لمجموعة صغيرة من المؤسسات الاسلامية التي تعمل في بريطانيا.
وقدم الاسبوع الماضي بنك «لويدز تي اس بي» خدمة عقارية تتوافق مع احكام الشريعة الاسلامية في إطار ما يسمى بمنتج «البراق»، الأمر الذي رفع من آمال الجالية الاسلامية في بريطانيا بزيادة المنافسة والحصول على تمويل بشكل أرخص من السابق. ومن المعروف أن بنك المؤسسة العربية المصرفية «بي إل سي»، وبالتعاون مع مؤسسة «بريستول آند ويست» العقارية البريطانية المعروفة، طرح في العام الماضي منتج «البراق»، وهو طريقة جديدة تتبع اصول التمويل الاسلامي القائم على نظام المشاركة. وكان قد سبقها بنحو عامين في يوليو (تموز) 2003 بنك «اتش اس بي سي» بتقديم خدمات عقارية اسلامية.
وحول طبيعة منتج «البراق» قالت لـ«الشرق الأوسط» جوليي بلاندن، رئيسة تطوير الاسواق في مؤسسة «بريستول أند ويست» العقارية البريطانية «نحن نعمل بشكل وثيق مع المؤسسة العربية المصرفية ومع اللجنة الشرعية الاسلامية التابعة لها من اجل ضمان منتجات تتوافق تماما مع أحكام الشريعة الاسلامية، ولكن في إطار عصري ومرن لا يترك عملاءنا من الجالية الاسلامية بوضع غير منافس مع المؤسسات العقارية التقليدية في بريطانيا».
* سوق جذاب
* ويبدو ان العديد من البنوك الكبرى ترغب باكتساب حصة من سوق التمويل الاسلامي الذي ينمو باضطراد، وفي هذا السياق قدر بنك «اتش اس بي سي» حجم سوق العقارات الاسلامي في بريطانيا حاليا بنحو 9 مليارات جنيه استرليني (17 مليار دولار). وطبقا للارقام التي أوردتها مؤسسة «بريستول آند ويست» العقارية في بريطانيا، فإن عدد الجالية المسلمة في بريطانيا يصل الى 1.8 ـ 2 مليون نسمة، في حين ان هذا العدد قد يرتفع الى 2.5 في شهور الصيف، خصوصا مع قدوم الزوار من البلدان الاسلامية، وبالذات منطقة الخليج وماليزيا. وتقدر المؤسسة القوة الانفاقية المالية للزوار المسلمين بحولي 1.5 مليار دولار. كما تشير المؤسسة الى ان المسلمين يشغلون عقارات سكنية يصل عددها الى حوالي نصف مليون منزل، وهو ما يؤكد الفرص المتوافرة في هذا السوق. وحسب نتائج الابحاث التي أجراها بنك «لويدز» فإن ثلاثة ارباع المسلمين في بريطانيا يرغبون باستخدام المنتجات المالية الاسلامية خصوصا في مجال شراء العقارات.
ومن المعروف ان التمويل العقاري الاسلامي غالبا ما يكلف اكثر من القروض العقارية التقليدية، حيث كان يطلب في السابق مقدم او عربون يصل الى 30%، ولكن مع ذلك زيادة المنافسة في الآونة الاخيرة ودخول عدة مؤسسات مالية كبرى الى سوق المنتجات المالية الاسلامية. فمثلا، وفي اطار القوانين منتج البراق الخاضع لتعاليم الشريعة، فإن البنك يشتري 80 ـ 90% من قيمة العقار، والزبون يدفع النسبة المتبقية. كما انه يقوم بدفع مبلغ متفق عليه وفي اطار نسبة يتفق عليها وتحدد من قبل اللجنة الشرعية، ويشمل ذلك الايجار وعائد رأس المال. وعلى سبيل المثال منتج «البراق» العقاري يمكن ان يمتد الى 25 سنة ويقدم خيارين في مجال الدفعات المالية; الخيار الاول، يتمثل في دفع ايجار ثابت لمدة 6 أشهر ومن ثم يتم تقييمه كل 6 أشهر، أما الخيار الثاني، فهو ايجار ثابت لمدة سنتين، ومن ثم تقييمه كل 6 أشهر.
* تكلفة أعلى
* وعلى الرغم من بعض الايجابيات التي جاءت بها دخولات البنوك الكبرى الى سوق التمويل العقاري الاسلامي، وكان آخرها بنك لويدز، الا انه بحسب ما جاء في صحيفة «الفايننشال تايمز» فإن هناك دلائل قليلة على ان المنتجات الجديدة تحولت الى عملية تنافسية يستفاد منها لبناء الجالية الاسلامية.
وفي الحقيقة، فإن عملية المقارنة بين عمليات التمويل الاسلامي والطرق التقليدية تثبت ان المسلمين الذين يبحثون عن منتجات تتوافق مع الشريعة يملكون خيارات محدودة. ففي اطار صفقة تبلغ قيمتها 135 الف جنيه استرليني (الجنيه = 1.87 دولار) ولفترة تمتد الى 25 سنة مع دفعة اولى (مقدم او عربون) بقيمة 15 الف جنيه استرليني، فإن الدفعة المطلوبة شهريا من قبل الزبون المسلم إذا قام بالشراء حاليا من بنك لويدز تصل الى 883 جنيها ويشمل ذلك 190 جنيها سدادا لرأس المال، اضافة الى 693 جنيها كإيجار.
ويقوم بنك لويدز بحساب إيجاره ليس حسب القيمة السوقية للعقار وانما وفق مؤشر يسمى «لندن انتربنك» او «ليبور» يضاف اليه هامش يصل الى 1.09%. وهذا المؤشر الذي تمت اجازته من قبل اللجنة الشرعية الاسلامية في البنك وتتم مراجعته كل 6 اشهر.
وفي هذا السياق يزيد ما يقدمه بنك لويدز عن نظيره في «اتش اس بي سي» الذي تصل الدفعة الشهرية على نفس التمويل العقاري الى 857 جنيها استرلينيا وهي ارخص بنحو 26 جنيها، ويتضمن ذلك 668 جنيها كإيجار شهري، اضافة الى 189 سدادا لرأس المال، والدفعة الشهرية مستندة الى مؤشر شهري تصل نسبته الى 5.99% مجازة شرعيا ويتم اعادة النظر فيها كل 6 اشهر. كما توجد هناك دفعة إلزامية للتأمين على العقار وهو ما يضيف مبلغا جديدا.
وعند مقارنة ما تقدمه المنتجات الاسلامية فاننا نجدها أغلى من تكلفة التمويل التقليدي، فهناك عروض تقدمها مؤسسة «كينت ريلاينس» في بريطانيا على سبيل المثال تصل قيمتها الى 754 جنيها في الشهر، اي اقل بنحو 130 جنيها شهريا مما تقدمه المنتجات الاسلامية، كما ان نسبة الفائدة تثبت لمدة عامين او اكثر في بعض الحالات.
* منافسة قوية
* وتعترف البنوك بأن منتجاتها اغلى من التمويل التقليدي، الا انها تصر على ان أسعارها «معقولة». وفي هذا السياق، قال لـ«الشرق الأوسط» كيث ليتش، المدير التسويقي لبنك المؤسسة العربية المصرفية «بي إل سي» في لندن «ان تقديم الخدمات المالية الإسلامية في السوق البريطانية يعد أكثر تكلفة مالية مقارنة بالمؤسسات التقليدية او غير الاسلامية. طبعا لا يعني ذلك أننا نقدم خدمات أغلى من الآخرين، لكني اعتقد بأننا لن نحصل على نسبة كبيرة من غير المسلمين، إلا إذا تغيرت القوانين والتشريعات بهذا الخصوص. ومع ذلك، فنحن نقدم مستوى من الخدمات الشخصية التي لا يمكن الحصول عليها في المؤسسات التقليدية».
في الحقيقة، ان قطاع العقارات في بريطانيا يخضع لمنافسة شديدة للغاية، حيث يوجد اكثر من 100 مؤسسة عقارية تقدم حوالي 8 آلاف منتج عقاري، وهناك عدة مؤسسات اسلامية الآن في بريطانيا تتنافس على تمويل العقارات في الاطار الاسلامي، الا انها لا تزال محدودة، كما ان الجالية الاسلامية، بحسب بعض الخبراء، تعتقد انه لا توجد هناك فرص افضل في اطار التمويل الاسلامي في بريطانيا.
ورغم ان كيث ليتش يتفق مع الرأي السابق، الا انه متفائل فيما يتعلق بالتمويل العقاري الاسلامي، حيث قال «ان السوق التي تتعلق بالتمويل العقاري الاسلامي ما زالت صغيرة، وفي الواقع، فإن نسبة التعاملات المالية الاسلامية تمثل نسبة قليلة من اجمالي التعاملات المالية في بريطانيا. لكن هذا الأمر لا يعني في أي حال من الأحوال انه لا توجد سوق، بل على العكس من ذلك هناك سوق واعد. فحسب تقديراتنا يوجد هناك حاليا 400 ـ 500 الف عقار سكني تابع للجالية الاسلامية في بريطانيا، تصل قيمتها الى عشرات المليارات».
ورغم هذه التطورات، فإنه بدون دخول معظم المؤسسات المالية في بريطانيا الى سوق التمويل الاسلامي، بالتالي وجود منافسة قوية فإن فرص اقتناص صفقات جيدة تبقى محدودة. كما ان هذه التغيرات تأتي بعد اقرار الحكومة البريطانية ايقاف العمل اخيرا بفرض الرسوم العقارية مرتين، حيث كانت تفرض رسوما عندما يشتري البنك العقار المطلوب، ورسوما مرة ثانية عندما يشتري الزبون العقار من البنك. ومن المعروف ان التمويل العقاري الاسلامي غير خاضع لإشراف سلطة الخدمات المالية البريطانية (FSA)، وهو ما يمنع بيع المنتجات العقارية الاسلامية الى جانب المنتجات التقليدية، بالتالي تمكين الزبون المسلم من التسوق والحصول على استشارة من عدة أماكن.
بالاضافة الى ذلك فان التمويل العقاري الاسلامي لا يستخدم المؤشر (APRs) الذي تستخدمه المؤسسات التقليدية، بالتالي فانه من الصعب القيام بمقارنة بين المنتجات التقليدية مع المنتجات الاسلامية او حتى القيام بالمقارنة بين المنتجات الاسلامية ذاتها.
* مشاركة ضعيفة
* وفي هذا السياق، أظهر استطلاع أجراه قسم الاقتصاد في جامعة «لافبرة» البريطانية اخيرا، ان الاسباب الرئيسية لعدم تحمس غالبية المسلمين للمنتجات المالية الاسلامية حتى الان في بريطانيا، تتمثل في المعلومات القليلة المتوفرة عن هذه المنتجات، فضلا على انها اغلى من المنتجات التقليدية، اضافة الى محدودية هذه المنتجات مقارنة مع المنتجات الاخرى.
وبين الاستطلاع الذي أجرته الجامعة على عينة تشمل 503 من المسلمين في جميع انحاء بريطانيا ويتحدرون من مختلف القوميات بمن فيهم البريطانيون والعرب، ان 5% فقط من المسلمين مهتمون بجدية بالمنتجات المالية الاسلامية وحوالي 23% مهتمون بهذه المنتجات خصوصا التمويل العقاري في حال اصبحت اسعارها منافسة للمنتجات التقليدية.
وقالت الدراسة انه بالاستناد الى وجود نحو 1.8 مليون مسلم في بريطانيا يعيشون فيما يقارب نصف مليون عقار، فإن الطلب على التمويل العقاري الاسلامي سيكون بحدود 45 مليون منزل بما يقدر بحوالي 3 مليارات جنيه استرليني (حوالي 5.5 مليار دولار)، مقارنة مع ما تتوقعه مؤسسة «داتا مونيتور» البريطانية من ان الطلب على العقارات التي سيتم تمويلها اسلاميا سيصل الى نحو 4.5 مليار جنيه استرليني ( حوالي 8.2 مليار دولار) في العام المقبل. واعتبرت الدراسة هذه التوقعات متفائلة ومبالغا فيها.
ولكن مع ذلك، فإن بعض المؤسسات تؤكد ان سوق المنتجات المالية الاسلامية ينمو بطريقة سريعة، فوفقا لبيانات مؤسسة (DTZ) الاوروبية، التي تتابع حركة الاستثمارات المالية الاسلامية عن كثب، فإن العقارات هي الاستثمارات المفضلة للأموال الاسلامية حيث بلغت الاستثمارات القادمة من الشرق الاوسط والتي توجهت الى الاصول العقارية منذ عام 1997 وحتى الان نحو 20 مليار دولار، 50% منها تعود لمؤسسات اسلامية، بعد ان كانت تمثل 3% في عام 1997. وأشارت المؤسسة الى ان الاستثمارات الاسلامية تمثل كذلك 25% من اجمالي الاستثمارات العقارية العابرة للحدود في اوروبا ومعظمها يتركز في فرنسا وبريطانيا ودول «البينيلوكس».
ورغم تعدد الآراء في هذا الاتجاه، الا ان معظم الدراسات تؤكد بشكل كبير ان المنتجات الاسلامية، وخصوصا ذات الطابع العقاري، ستشهد طفرة كبيرة خلال السنوات القليلة المقبلة.
Copyright: 1978 - 2005© H. H. Saudi Research & Publishing Company (SRPC)