تعليقا على مقال السيد فؤاد هلال عن ملف الإصلاح الاقتصادي في العدد 61 فقرة قانون الإصلاح الزراعي وقانون العلاقات الزراعية

الدكتور/ سامر قنطقجي

أتمنى من "الاقتصادية" أن تكون منبرا حرا للرأي والرأي الآخر وأن تتيح الفرص لنشر الآراء أملا في الوصول لما هو أفضل.

لقد انتقد كاتب المقال المشار إليه نظام الإرث بوصفه مسؤولا عن تفتيت الملكية الزراعية، بينما رأى فيه مزايا اجتماعية سامية. ثم استشهد مقترحا بالتجربة الإنكليزية التي تعطي أفضلية الإرث للابن البكر في وراثة الأرض الزراعية.

إن الإسلام قد سلك طريقا لتفتيت الثروة بشكل هادئ وعلى المدى الطويل أو بشكل انقلابي في بعض الأحيان عن طريق إعادة التوزيع[1]. فالزكاة هي إعادة توزيع هادئ للثروات، بينما الإرث هو إعادة توزيع انقلابي لها. وعليه فإن الميراث هو تفتيت لتكتل وتجمع الثروة لذلك فهو مغاير تماما للرأسمالية، كما أن إعادة توزيعه على الأقارب والأهل تتناغم مع الطبيعة البشرية وهذا مغاير تماما للشيوعية ، مما يثبت فعلا تميز النظام الإسلامي بمفاهيم اقتصادية ومالية تجعله مستقلا عن غيره.

فإذا كان دور الزكاة هو تحقيق العدالة الاجتماعية على مستوى المجتمع ، فإن نظام المواريث يهتم بتحقيق العدالة على مستوى الأسرة. وتتحقق العدالة بين الورثة كل حسب أهميته في السّلم الهرمي للأسرة وحسب دوره الاجتماعي فيها. وبهذا ترث المرأة نصف نصيب الرجل أو بقدره أو أكثر منه طبقا لدور كل منهما في الأسرة[2]. ويعلل ابن كثير (ت 774هـ- 1373م ) زيادة حصة الذكر لاحتياجه إلى مؤنة النفقة والكلفة، ومعاناة التجارة والتكسب، وتحمل المشاق[3].

أما عن المثال الإنكليزي فأسأل الكاتب ماذا تفعل القوانين الإنكليزية بالإرث الصناعي هل يفتتون معاملهم ويجزؤون شركاتهم أم أنها من نصيب البكر دون غيره؟

إنه لمن المستغرب أن لا يتفق أبناء الأسرة الواحدة على تكوين شركة فيما بينهم أم أن الحياة المادية طغت وانعكست آثارها وتبعاتها على طريقة عيشهم وأستذكر في هذا المقام قصة تكسير العيدان المتفرقة وعصيانها عن التكسير عند اتحادها.

إن العدل هو سياج الأمة وحصنها الحصين ، و لا يمكن تحقيق أي استثمار في ظل الظلم والجور. ومن الظلم والقصور أن ينسب باحث اقتصادي وقانوني إهمال الزراعة وهجرة الريف إلى المدينة إلى نظام الإرث لأنه ليس السبب ، بل إن ما نراه هو نتاج عدم الالتزام بالشريعة ، وبسبب نشأة الأسر على الفكر المادي واقتصاد الرغبات والتقليد والسعي نحو الوصول السريع إلى الملذات والشهرة بأقصر الطرق. إن المرء الذي يفقد ولاءه لأسرته ولأرضه لا يُطلب منه أي ولاء لوطنه لأنه نشأ وترعرع على البرغماتية فهو لا يرى إلا بمنظار إشباع رغباته.

وأُذكر بأن الإسفين الأول الذي زعزع ثقة المستثمر في بلادنا هو التأميم والمماطلة في إيصال أصحاب الحقوق إلى حقوقهم. ويجب أن لا يدفعنا كرهنا لاستغلال الإقطاعي للفلاح إلى مصادرة أموال الناس فهذا ظلم على ظلم وجور على جور.

لذلك حبذا لو تعمق الكاتب بالتحليل العلمي المؤيّد بالدراسات والإحصاءات سندا لأقواله ليكون البحث موضوعيا ويهدف لتسليط الضوء على حلول صحيحة لا مجرد سرد أقوال لم نسمع بها من باحث من قبل...

 

 

نشرت بالجريدة الاقتصادية السورية - العدد 63