نشاط أسواق المال

د. عبد القادر ورسمه غالب

أسواق المال تقوم بدور كبير في تنشيط بيع وشراء الأسهم والسندات عبر عدة وسائل من ضمنها ما يعرف بنشاط  صانع السوق الذي بدأ بصورة واضحة في الفترة الأخيرة. ويقوم بهذا النشاط، في العادة، بعض الشركات التي لها رأسمال كبير ويكون لهذه الشركات الاستعداد لشراء الأصول المالية أو بيعها بسعر محدد وواضح على المدى الطويل. ويجب أن تشترك هذه الشركات في العمليات مباشرة إما بصفتها بائع أو مشتر. كما تقوم، الى حد بعيد، بتحديد أسعار بيع أو شراء أدوات التداول الخاصة. ومن الأدوار الأساسية لصانع السوق العمل علي توفير السيولة أو خلق الفرص للمستثمرين في السوق لشراء مجموعة كبيرة من الأسهم والعملات والعقود الآجلة وأدوات التداول الأخرى و بيعها بسعر محدد واضح.

ان صانع السوق يشكل نظاما خاصا يمنح أسواق المال عمقا مؤسسيا واستثماريا، ولدرجة كبيرة، تقلل من الفجوة بين العرض والطلب للأسهم المدرجة. وفي هذا فان صانع السوق يخاطر بأمواله نظرًا لأنه الطرف الآخر دائمًا في أي صفقة، ومن أجل هذا السبب عليه دائما القيام باتخاذ دور مهني يؤهله لوضع العديد من الاستراتيجيات المطلوبة لتوفير الضمان والتحوط ضد الخسائر.

حتي يتم تصنيف الشركة بأنها من صناع السوق، فان حصتها من اجمالي حجم التداول يجب أن تكون بنسبة واضحة من رأسمالها لأن الأمر يقاس هنا بقدرة الشركة على التأثير في تحركات السوق من خلال طرح أسعارها للبيع والشراء. وصانع السوق، من الناحية الفنية، يختلف دوره عن الوسطاء الذين يعملون في الغالب وفق تعليمات وتفويض الزبائن وصانع السوق لا يعمل وسيطاً أو وصياً لمعاملات الزبائن المستثمرين بل يعمل في السوق حسب سياسته بعد اتخاذ اجراءات التحوط المالي المطلوب في ما بين توفير السيولة النقدية ورأس المال.

وفي هذا الوضع فان صانع السوق يعتبر هو المقابل لكل عمليات الزبائن مجتمعة، وهو دائما يوفر ويعرض شقين للأسعار (الشراء والبيع) وهذا يعتمد على قوى السوق في ذلك الوقت، ومصدر دخله يتمثل في فروقات السعر بين أسعار العرض والطلب. ويحب ان يبقى صانع السوق على الحياد بالنسبة للزبون، ولهذا ليس هناك أي علاقة شخصية تتعلق بإدارة الاستثمار في الأسواق بين صانع السوق والزبائن. بل ان صانع السوق في عمله يعبر عن مجموع تعاملات كل الزبائن، وهذا  يتطلب من صانع السوق الحرص في الموازنة بين تعاملات الزبائن والتحوطات المالية الواجب عليه اتخاذها وفق سياسته لإدارة المخاطر وكذلك التوجيهات الصادرة من السلطات الاشرافية الرقابية.

وحتي يقوم بدوره علي الوجه الأكمل، يجب على صانع السوق أن يكون دائمًا على أهبة الاستعداد لشراء الأصول المالية أو بيعها بسعر محدد واضح على المدى الطويل. ويشترك صانع السوق في المعاملات التجارية مباشرة بصفته بائعا أو مشتريا ويحدد أسعار بيع أو شراء أدوات التداول الخاصة. ومن هذا يتضح أن الدور الأساسي لصانع السوق يتمثل في توفير السيولة أو خلق فرص للمستثمرين في السوق لشراء مجموعة كبيرة من الأسهم والعملات والعقود الآجلة وأدوات التداول الأخرى وفق الطرق القانونية أو بيعها بسعر محدد وواضح. ويتبين من النشاط أن صانع السوق، كما ذكرنا، يخاطر بأمواله نظرًا لأنه الطرف الآخر دائمًا في أي صفقة، ولذا فعليه دائمًا وضع الاستراتيجيات الاحترازية التحوطية “التحوط” للضمان ضد الخسائر.

هذا الدور الهام في أسواق المال يجب أن يتم وفق الأنظمة والتشريعات التي تحكم عمل صانع السوق مع مراعاة الإفصاح والشفافية في التعامل، وفي تحديد الأسعار بناء على تفاعل طبيعي يوضح أن صانع السوق يعزز فرص التداول على الأوراق المالية المختارة من خلال ضمان أن المستثمرين يمكنهم تنفيذ أوامر البيع والشراء الخاصة بهم في أي وقت من الأوقات على أفضل سعر ممكن. وهذا الوضع الحساس بدوره، يؤدي إلى تحسين استقرار الأسعار ودخول أحجام أكبر من أوامر البيع والشراء في سجل الأوامر مع مرور الوقت. ولا بد من القول، أنه في ظل وجود صانع السوق، من الصعوبة أن تتدفق عروض بيع من دون أن تقابلها طلبات شراء أو تتدفق طلبات شراء من دون أن تقابلها أوامر بيع. وبالتالي، وبفضل صانع السوق فان أسواق المال تحتفظ في أغلب الأوقات بتوازن بين العرض والطلب وهذا بدوره يعمل على تضييق الفجوة بين سعري البيع والشراء، وبذا يتضح أن صانع السوق يمكن أن يلعب وبدرجة مؤثرة في ثبات واستقرار الأسعار وفق قيمتها العادلة وهذا هو المطلب الأساسي، في نظرنا، لقيام أسواق المال ولتحقيق فلسفتها الهادفة علي المديين القريب والبعيد.

ونظرا لأهمية هذا الدور وحساسيته، نتطلع لقيام أسواق المال بعمل كل المطلوب لخلق وتمكين صناع السوق من تنفيذ أدوارهم سعيا لتحقيق الفائدة المنشودة من قيام الأسواق المالية وليتم دعم الحركة التجارية والاستثمارات المالية لتحريك الاقتصاد.خاصة وأن علي أسواق المال أن تقوم بدور كبير في توفير المكان والبيئة المناسبة لبيع وشراء الأسهم والأوراق المالية عبر الضوابط القانونية والتنظيمية الصارمة التي توفر الحماية الكاملة للمستثمرين في هذه "البضاعة" المهمة. وهذه الاجراءات في مجملها تقوم بدورها المنشود في  تعزيز نشاط الشركات المدرجة في الأسواق وجعلها تعمل في أطر قانونية سليمة متطورة وشفافة وبما يحقق الفائدة للجميع ويدعم الأسواق...