الكوادر البشرية في البنوك الإسلامية غير مؤهلة تأهيلا كافيا

د. عبد الباري مشعل

د. عبد الباري مشعل الخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي:
الكوادر البشرية في البنوك الإسلامية غير مؤهلة تأهيلا كافيا

معاوية كنة من الرياض
http://www.aleqt.com/2009/02/01/article_191021.html


مع تزايد الاهتمام بالاقتصاد الإسلامي والاتجاه لتأسيس فروع للمعاملات الإسلامية في البنوك العالمية بعد الهزة الكبيرة التي واجهت الصناعة المالية في العالم، يبقى من المهم الالتفات إلى تجويد الصناعة الإسلامية، ولا سيما أنها اليوم باتت في الواجهة, وهذا ما دعا كثيرا من المتخصصين إلى الدعوة إلى ضرورة الاهتمام بالبرامج التدريبية والدورات التأهيلية للكوادر العاملة بهذه الصناعة بهدف تنمية قدراتهم في هذا المجال والإلمام بالمستجدات في الصناعة المصرفية عالميا ومحليا.

يؤكد الدكتور عبد الباري مشعل الخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي والهيئة الشرعية للرقابة والتصنيف, الذي قمنا بمحاورته, ما ذهب إليه كثير من المتخصصين ويضيف في هذا الخصوص الكثير المفيد, الذي يمكن التعرف عليه من خلال هذا الحوار.

هل يمكننا الاتفاق على أن غياب التدريب يعد من أكبر المشكلات التي تواجه الصناعة المالية الإسلامية اليوم؟

من المؤكد أن ذلك صحيح لكننا يجب من البدء القول إن هذا الغياب يطول أطرافا عدة بعضها يتصل بالعنصر البشري وبعضها الآخر يتصل باهتمام المصارف والمراكز التدريبية, فعلى مستوى الموارد البشرية الموجود ة داخل المصارف فهناك اعتراف عام بأن هذه الكوادر البشرية لم تتأهل التأهيل الكافي لتعبر عن أهداف البنك الإسلامي, وهذا يتمثل في عدد من القيم والمبادئ التي تتصل بعملية التسويق أمام العملاء بشكل جيد رغم وجود قدر من التأهيل نقول إن هذا القدر ليس كافيا, وأصبح هناك انطباع لدى الجمهور أنه عندما يدخلون البنك الإسلامي أن يجد العميل الموظف وهو مقضب الوجه وغير عالم بالفرق بين المرابحة والقرض الربوي وغيره من المعاملات الإسلامية، ولا يعطي العميل أي انطباع بأنه دخل بنكا إسلاميا وأمامه شخص مثقف يفهم المصرفية الإسلامية وأن لها خصوصيتها وأنها أحد أبعاد الاقتصاد الإسلامي الذي هو تطبيق الإسلام في مجال المال, وأيضا أنه يجب عليه أن يكون سفيرا وممثلا صالحا لخدمة دينه قبل أن تكون خدمة لكونه موظفا في هذا البنك. فهذه المحصلة تدل على أن مستوى ما يبذل من جهد لإعادة تأهيل هؤلاء ضعيف ولم يكن بالقدر الكافي.

هل يمكن أن نفهم من حديثكم أن نقص التدريب قلل من انتشار المصرفية الإسلامية، على الرغم من أن ذلك شيء نسبي؟

لا، المصرفية الإسلامية انتشرت رغم هذا العائق, لاحظ أنه رغم هذا انتشرت, ولعل السبب هو وجود الحافز الربحي الذي دفع الربويون وغير المسلمين إلى تلقفها وتشويه صورتها، وهذا ما يبدو واضحا من استقطاب رؤساء المجالس والمديرين العامين والتنفيذيين من التقليديين الذين لا يملكون الخبرات الإسلامية الكافية للموظفين الذين عملوا في بنوك إسلامية ولم يؤهلوهم تأهيلا كافيا, ولذلك أصبحت البنوك الإسلامية في كثير من التطبيقات تعطي انطباعات سلبية لمن يتعامل معها وتعطي انطباعات سلبية لمن يتتبع خطواتها على أساس أنها نوع من التجارة أو الاستغلال بالدين, ولا شك أنه تولد بسبب عدم وجود التأهيل الكافي أو عدم اشتراط حد أدنى من التأهيل الذي يجب أن يكون عليه العاملون في المصرف الإسلامي، وهذا يقودنا إلى نقطة ثانية وهي: ماذا يقول أصحاب البنوك الإسلامية عن التدريب وماذا يمثل لهم؟ الحقيقة أقول إن هناك ثلاثة عناصر للبنوك الإسلامية – وهذه مقولة دائما أقولها – هذه العناصر تحدد استراتيجية الالتزام الشرعي فيها وجود الهيئة الشرعية يحدد هويتها فلا يمكن لبنك إسلامي أن يكون إسلاميا من دون الهيئة ووجود التدقيق الشرعي يحدد مصداقيته بمعنى أنه لا يستغل الدين بل يقوم بواجباته فيطبق ولذلك أقام فريقا للمتابعة اللاحقة والتأكد من تطبيق الأعمال وفق قرارات الهيئة, الأمر الثالث مدى صرف هذه الجهات على التدريب يحدد استراتيجيتهم ووجهتهم طويلة الأجل وقصيرة الأجل فيما يتعلق بدخولهم هذه الصناعة, فإذا كانوا يصرفون الأموال الباهظة لإعادة التأهيل وخلق الموارد البشرية المتخصصة وإعادة تشكيل هذه الموارد بما يجعلها قادرة على تطوير صناعة البنوك الإسلامية فنقول إن هؤلاء دخلوا هذه الصناعة عن إيمان وعقيدة ونظروا إلى البعد الاستراتيجي ببقائهم في هذه الصناعة فصرفوا في تأهيل الناس ولكن إذا كان صرفهم على التأهيل والتدريب قليلا فهذا ينظر إلى المدى القصير ويقول هذه فرصة للاسترباح فلما تقل الأرباح ننتقل إلى غيرها ولا داعي لأن نصرف الأموال في التأهيل والتدريب إلى آخره, ومع الأسف الشديد هذا بعد ثان يعكس لنا ضعف التأهيل في البنوك الإسلامية, وهو رؤية القائمين على كثير من البنوك الإسلامية أنهم لا يمتلكون توجها استراتيجيا عن إيمان عميق بالفكرة بل هو دافع تجاري وربحي قصير الأجل، وهذا بعد خطير جدا. الأمر الثالث وقد عدنا على الأول إذا كان هؤلاء لا يؤمنون بالفكرة فهم غير معنيين بتحديد احتياجاتهم ولا بتشكيل الاحتياج الذي يريدون تلبيته.

هذا النقطة من المؤكد أنها تقودنا إلى البعد الثالث في العملية كما قمت بتقسيمها وهو الجهات التدريبية الخارجية التي تقدم التدريب هل تري أنها أيضاً بعيدة عن هذا الواقع؟

بالطبع لا بد لنا من معرفة هذه الجهات ومدى كفاءتها ومدى معرفتها باحتياجات البنوك الإسلامية، وكذلك مدى امتلاكها المدربين المؤهلين القادرين على تدريب الناس على الأشياء التي يحتاجون إليها وليس على الأشياء النظرية, مع الأسف إذا نظرنا إلى هذه العناصر فإننا نجد أن هناك ندرة في مراكز التدريب المتخصصة وندرة في المدربين المؤهلين القادرين على فهم التطبيق وتدريب الناس على التطبيق، كما هناك ندرة في المواد العلمية الجيدة التي يمكن أن تعد مادة تدريبية ملائمة للاستخدام في البرامج التدريبية ماذا ينتج لنا هذا الأمر وما يترتب عليه هو انحصار كثير من الجهود التدريبية في الأبعاد النظرية, كما هو الحال في المؤتمرات والندوات يتكلمون في المفاهيم والفروق ويحلقون عاليا في مدح البنوك الإسلامية وأنها إسلامية وإلى آخره دون أن يغوصوا في آليات وفنيات عملها أو كيفية تطبيق هذه الأدوات.

ومراكز التدريب القائمة مع الأسف لضعف موادها التدريبية وكفاءتها في اكتشاف الاحتياجات الحقيقية لدى البنوك وثالثا لعدم امتلاكها المدربين المؤهلين آل الأمر فيها إلى إقامة الدورات والبرامج التدريبية القائمة على المفاهيم والأشياء النظرية واستخدام كتابات ومؤلفات قديمة وأيضا الاستعانة بمدربين عفا عليهم الزمن من حيث معلوماتهم ومدى صلتهم بالتطبيق ومدى صلتهم بالتطور الذي آلت إليه الصناعة على مستوى المؤسسات الداعمة، وكذلك المدي الذي وصل إليه الاجتهاد في مسألة ما هذه الأمور تحتاج إلى متابعة وتحتاج إلى شخص من الداخل مواكب لهذا التطور حتى يفيد المتدربين. لا شك أن هناك عقبة أساسية تحول بين امتلاك هذا النوع من المدربين المؤهلين المتصلين بالتطبيق, هذه العقبة تتمثل في أنه عندما يكون الشخص على رأس عمله مؤهلا عارفا بالتطبيق لا يستطيع أن يقدم خدماته لجهة أخرى, وبالتالي ينتظر إلى أن يخرج إلى التقاعد وتتقادم معلوماته ثم يؤتى به ليكون مدربا فيحدثهم عن خبرته التي مضى عليها أكثر من عشرة أعوام وفي بعض الأحيان 20 سنة وفي بعض الأحيان 40 سنة فقط لأنه شارك في تجربة ما ونجحت هذه التجربة لكن هذا لا يكفي.