خلاصة التحقيق في بيان حكم التقليد والتلفيق

الشيخ عبد الغني النابلسي

خلاصة التحقيق في بيان حكم التقليد والتلفيق 

الشيخ عبد الغني النابلسي - رحمه الله - (١٠٩٠-١١٤٣ هـ)

الحمد الله ولي التوفيق، والشكر له على الهداية إلى حقيقة التحقيق، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وأصحابه وتابعيـه، وأنصـاره وأحزابه السالكين على أقوم طريق. 

أما بعد، فيقول العبد الفقير إلى مولاه الخبير عبد الغني النابلسي الحنفي، علمه الله تعالى ما لم يعلم وأدامه سالكا على السنن الأقوم: 

قد اطلعت على رسالة في حكم التقليد في المذهب، صنفها مفتي البلد الحـرام مكة المشرفة على جميع بلاد الإسلام، وهو الشيخ محمد عبد العظيم ابن المنلا فروخ رحمه الله تعالى وعفا عنه. وقد اشتملت على ستة مقاصد، لم تتحرر على وجه الصواب لكل قاصد. 

فالمقصد الأول: هل على الإنسان التزام مذهب معين أم لا؟ والثاني: هل موافقة المذهب من غير علم به كافية أم لا؟ والثالث: هل يجوز التقليد من غير اعتقاد الأرجحية فيما قلده أم لا؟ والرابع: ما حكم الاقتداء بالمخالف؟ وهل العبرة في ذلك لرأي المقتـدي أو الإمام؟ والخامس: هل يجوز التقليد بعد الفعل أم لا؟ والسادس: في بيان حكم التلفيق. 

فطلب مني بعض الأصحاب تحقيق هذه المقاصد المهمة على وجه الصـواب، مخافة أن يغتر بما لم يحرر أهل البداية من الطلاب، فشرعت في ذلك مسـتعين ا بالقدير المالك، وقد سميت ما شرعت فيه: خلاصة التحقيق في بيان حكم التقليد والتلفيق. والله حسبي ونعم الوكيل، وعلى الله قصد السبيل - أ هـ. 

مطلب: هل على الإنسان التزام مذهب معين أم لا؟ 

المقصد الأول: فهل على الإنسان التزام مذهب معين أم لا؟ اعلم أو لا - علمك الله تعالى كل خير - أن مذاهب السلف الماضـين مـن الصحابة [والتابعين] وتابعي التابعين - رضوان الله تعالى عليهـم أجمعـين - كثيرة لا تكاد تنحصر الآن عدد ا، أو كلها اجتهادات اسـتوفت الشـروط، فاستفادت من الله تعالى معونة ومدد ا ولا يجوز لأحد الطعن في شيء منها أبد ا. كما قال الشيخ عبدالرؤوف المناوي رحمه الله في شرح الجـامع الأسـيوطي: 

"ويجب علينا أن نعتقد أن الأئمة الأربعة والسفيانين - يعني سفيان الثـوري، وسفيان بن عيينة - والأوزاعي، وداود الظاهري، وإسحاق بـن راهويـه، وسائر الأئمة على هدى، ولا التفات لمن تكلم فيهم بما هم بريئـون منـه." انتهى. 

وفي جمع الجوامع: وأن الشافعي، ومالك، وأبا حنيفة، والسـفيانين، وأحمـد، والأوزاعي، وإسحاق، وداود، وسائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم. 

وقال الشارح المحلي: ولا التفات لمن تكلم فيهم بما هم بريئون منه. انتهى. 

قلت: فإن من اشتمل على ما يعاب به في الدين ولم يطعن فيه أحد، فـلا إثم على من لم يطعن، وأما إذا لم يشتمل على شيء من ذلك، ووقع الطعن مـن أحد، فالإثم على الطاعن. قال تعالى: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون. وأما تقليد مذهب من مذاهبهم الآن غير المذاهب الأربعة، فلا يجوز لا لنقصان في مذاهبهم، ورجحان المذاهب الأربعة عليهم، لأن فيهم الخلفاء المفضلين على جميع الأمة، بل لعدم تدويـن مذاهبهم وعدم معرفتنا الآن بشروطها وقيودها، وعدم وصول ذلـك إلينـا بطريق التواتر، حتى لو وصل إلينا شيء من ذلك كذلك جاز لنا تقليده، لكنه 

لم يصل كذلك. قال المناوي رحمه الله تعالى في كتابه المذكور: لا يجوز تقليد الصحابة، وكـذا تقليد التابعين؛ كما قاله إمام الحرمين من كل من لم يدون مذهبه، فيمتنع تقليد غير الأربعة في القضاء والإفتاء، لأن المذاهب الأربعة انتشرت وتحررت، حتى ظهر تقليد مطلقها، وتخصيص عامتها، بخلاف غيرهم لانقراض أتباعهم، وقد نقل الإمام الرازي إجماع المحققين على منع العوام من تقليد أعيان الصـحابة وأكابرهم. قال المناوي رحمه الله تعالى: نعم يجوز لغير عامي من الفقهاء تقليد غير الأربعة، في العمل لنفسه إن علم نسبته لمن يجوز تقليده، وجمع شـروطه عنده، لكن بشرط أن لا يتتبع الرخص، بأن يأخذ من مذهب الأهون بحيـث تنحل رتبة التكليف من عنقه، وإلا من يجز. وقال في الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي رحمه الله تعـالى إنـه: صـرح في التحرير لابن الهمام إن الإجماع انعقد على عدم العمل بمذهب يخالف الأربعة لانضباط مذاهبهم، واشتهارها وكثرة اتباعها. انتهى. إذا علمت هذا، فاعلم أن المذاهب الآن التي يجوز تقليدها هي هذه المذاهـب الأربعة لا غير. انحصر الآن العمل بشريعة محمد في العمل بما ذهب إليه أحد الأربعة فقط على العموم، فالأمر المتفق عليه المعلوم من الدين بالضـرورة، لا يحتـاج إلى التقليد فيه لأحد الأربعة، كفرضية الصلاة، والصـوم، والزكـاة، والحـج، ونحوها، وحرمة الزنا، واللواط، وشرب الخمر، والقتل، والسرقة، والغصب، وما أشبه ذلك. والأمر المختلف فيه هو الذي يحتاج إلى التقليد فيه، فإذا قلد فيـه الإنسـان مذهب معين  من المذاهب الأربعة، فهل يلزم ذلك الإنسان الدوم عليه، أو يجوز له الانتقال عنه؟ قال الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الملك البغدادي الحنفي - رحمه الله تعالى - في رسالة له عملها في بيان حقيقة التقليد. اعلم: أن التقليد هو قبول قول الغير من غير معرفة دليله، وأما معرفة دليلـه فليس إلا وظيفة المجتهد، والتقليد مناط العمل، فكما لا يجوز للمجتهد العمل في الوقائع إلا باجتهاده ورأيه، كذلك لا يجوز للمقلد العلم في كل واقعة من الأعمال والأحكام إلا بتقليده، واستفتائه من مفت مجتهد، أو حامـل فقـه، وقالوا الواجب على المقلد المطلق اتباع مجتهد في جميع المسائل، فلا يجوز لـه العمل في واقعة إلا بتقليد مجتهد، أي مجتهد كان وأمـا إذا كـان مجتهـد ا في البعض فقد اختلف فيه، فقيل: يقلد فيما يعجز فيه عن الاجتهاد ويجتهد فيما لا يعجز بنا ء على التجزي في الاجتهاد وهو الراجح عد الأكثر، والمقلـد إذا اتبع أحد المجتهدين وأخذ بقوله، وعمل بموجبه، يجوز له أن يقلد غـير ذلـك المتهد في حكم آخر يعمل به، كمن قلد أبا حنيفة - ر حمه الله تعالى - أولا في مسألة، وثانيا الشافعي - رحمه الله تعالى - في أخرى، كذا صرح ابن الهمام في كتابه التحرير في علم الأصول؛ وبه قال الآمدي وابن الحاجب. قـال ابـن الهمام: وذلك للقطع بأنهم في كل عصر كانوا يستفتون مر ة واحـدا، ومـر ة غيره، غير ملتزمين مفتيا معينا. وهذا إلا لم يلتزم حكما بخصوصه، ولم يعلـم هذا الحكم سابقا، وأما إذا علم به بعد أن قلده فيه فلا يرجع فيـه باتفـاق العلماء، كذا قاله الآمدي وابن الحاجب. قال ابن الهمام: حكـم المقلـد في المسألة الاجتهادية كالمجتهد، فإنه إذا كان له رأيين في مسألة وعمل بأحدهمـا يتعين له ما عمل به، وأمضاه بالعمل فلا يرجع عنه إلى غيره إلا بترجيح ذلك الغير، كمن اشتبهت عليه القبلة في جهتين، أو جهات، فاختار واحدة يتعين له هذه الجهة ما لم يرجح الآخر، وكذا القاضي فيما له رأيين فيه بعد أن حكـم وأمضاه بالحكم في أحدهما، فالمقلد إذا عمل بحكم من مذهب لا يرجع عنه إلى آخر، من مذهب آخر. انتهى كلام ابن الهمام. واعلم أن مذهب الجمهور، والذي اختاره ابن الهمام، أن أصل الالتزام ليـس بواجب ابتداء، بل يجوز لكل أحد أن يستفتي في كل واقعة عند أي مفت اختاره، ويعمل بحكمه كما كان في القرون الفاضلة من الصـحابة والتابعـين رضوان الله عليهم أجمعين. 

ونقل صاحب العقد الفريد عن الإمام النووي ما يعضد هذا المذهب حيـث قال: والذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزم التمذهب بمذهب معين، بل يستفتي من شاء ومن اتفق، لكن من غير تلقط الرخص، فلعل من منعه شاء لم يثق بعـدم تلقطه. انتهى كلام النووي. وقال ابن الهمام في كتابه "التحرير": فلو الـتزم المقلد مذهبا معينا كأبي حنيفة والشافعي، فقيل: تلزمه. انتهى. يعني الاستمرار عليه فلا يعدل عنه في مسألة من المسائل من مذهب آخر، لأنه بالتزامه يصير ملزوما به كما التزم مذهبه في حادثة معينة ولأنه اعتقد أن المـذهب الـذي انتسب إليه هو الصواب فعليه الوفاء بموجب اعتقاده، كذا في شرح التحرير لابن أمير حاج. وقيل: لا يلزمه وهو الأصح لما وجهه الرافعي وغيره، بأن التزامه غير ملزم إذ لا واجب إلا [ما] أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله تعالى ورسوله علـى أحد من الناس أن يتمذهب لرجل من الأمة فيقلد دينه في كل ما يأتي ويـذر غيره، ولا قائل به أحد من المجتهدين، أن من تبعني فلا يتبع أحد ا غـيري. إلا هنا كلام البغدادي في رسالته. وفي شرح الجوامع للمحلي - رحمه الله تعالى والأصح أنه يجب على العامـي وغيره ممن لم تبلغ رتبته الاجتهاد التزام مذهب معين من مذاهب المجتهدين، ثم في خروجه عنه أقوال: أحدها: لا يجوز لأنه التزمه وإن لم يجب التزامها. ثانيها: يجوز، والتزام ما لا يلزم غير ملزم. ثالثها: لا يجوز في بعض المسائل، ويجوز في بعض توسط ا بين القولين، والجـواز في غير ما عمل به أخذ ا مما تقدم، في عمل غير الملتزم، فإنـه إذا لم يجـز لـه الرجوع - قال ابن الحاجب كالآمدي اتفاقا - فالملتزم أولى بذلك، وقد حكيا منه الجواز ويقيد بما قلناه يعني في غير ما عمل به، وقيل: لا يجب عليه الـتزام مذهب معين، فله أن يأخذ فيما يقع له هذا المذهب تـار ة وبغـيره أخـرى وهكذا. انتهى. وقال والدي - رحمه الله تعالى - في شرحه على شرح الدرر: روى البيهقي في المدخل بسنده عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، أنه قال: قال رسول الله : " مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحد في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية، فإن لم تكن في سنة مني فما قاله أصـحابي، إن أصحابي بمترلة النجوم في السماء، فأيما أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصـحابي لكم رحمة". قال لجلال السيوطي في "جزيل المواهب": في هذا الحديث فوائد؛ إخباره باختلاف المذاهب بعده في الفروع، وذلك من معجزاته ألنه من الإخبـار بالمغيبات والتخيير للمكلف في الأخ بأيها شاء مـن غـير تعيـين لأحـدها، ويستنبط منه أن كل المجتهدين على هدى، من غير تعيين لأحدها، ولكنهـم على حق فلا لوم على أحد منهم، ولا ينسب إلى أحد منهم تخطيئه لقولـه: " فأيما أخذتم به اهتديتم ". 

وأخرج الخطيب البغدادي في كتاب " الرواة " عن مالك ن طريق إسماعيل بن أبي المحامد، قال هارون الرشيد لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله ! تكتـب هـذه الكتب وتفرقها في آفاق الإسلام لتحمل عليها الأمة؟! قال: يا أمير المؤمنين ! إن اختلاف العلماء رحمة من الله على هذه الأمة، كل يتبع ما صـح عنـده، وكل على هدى، وكل يريد الله. ثم قال الجلال السيوطي: واعلم أن اختلاف المذاهب في هذه الملّة نعمة كبيرة، وفضيلة جزيلة عظيمة، وله سر لطيف أدركه العالمون، وعمي عنه الجاهلون، حتى سمعت بعض الجهال يقول: النبي جاء بشرع واحد فمن أين مذاهـب أربعة؟ 

ومن العجيب أيضا من يأخذ في تفضيل بعض المذاهب على بعـض تفضـي لا يؤدي إلى تنقيص المفضل عليه وسقوطه، وربما أدى إلى الخصام بين السفهاء، وصارت عصبة وحمية الجاهلية، والعلماء مترهون عـن ذلـك وقـد وقـع الاختلاف في الفروع بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم وهم خير الأمة، فما خاصم أحد منهم أحدا، ولا عادى أحد منهم أحد ا ولا نسب أحد إلى أحـد خط أولا قصورا، والسر الذي أشرت إليه قد استنبطته مـن حـديث: "إن اختلاف هذه الأمة رحمة لها وكان اختلاف الأمم السابقة عـذابا وهلاكـا. فعرف بذلك أن اختلاف المذاهب في هذه الملة خصيصة فاضلة لهذه الأمـة، وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة، فكان الأنبياء - صلوات الله عليهم - يبعث أحدهم بشرع واحد وحكم واحد، حتى أنه من ضيق شـريعتهم لم يكن فيها تخيير في كثير من الفروع التي شرع فيها التخيير في شريعتنا، كتحريم عدم القصاص في شريعة اليهود، وتحتم الدية في شـريعة النصـارى، وهـذه الشريعة وقع فيها التخيير بين أمرين: شرع كل منهما في ملـة كالقصـاص والدية، فكأنما جمعت بين الشرعين معا، وزادت حسنا بشرع ثالـث وهـو التخيير، ومن ذلك مشروعية الاختلاف في الفروع، فكانت المذاهب علـى اختلافها كشرائع متعددة كل مأمور به في هذه الشـريعة، فصـارت هـذه الشريعة كأنها عدة شرائع بعث النبي بجميعها، انتهى كلامه مختصرا. وإنما ذكرناه لإفادته ما نحن بصدده من عدم التزام مذهب معين من المذاهـب الأربعة، مع ذكر الفوائد الجليلة. والحاصل: أن العلماء اختلفوا في لزوم مذهب معين، وصحح كل أحد منهـم ما ذهب إليه، وعدم اللزم هو الراجح كما ذكرناه بعـد أن لا يخـرج عـن المذاهب الأربعة، والله ولي التوفيق. 

مطلب: هل موافقة المذهب من غير علم به كافية أم لا؟ 

وأما المقصد الثاني: فهل موافقة المذهب من غير علم به كافية أم لا؟ اعلم: أنهم حيث أوجبوا التقليد للمجتهد على غير المجتهد فلا شك أن الموافقة من غير قصد لا تكفي، لكونها غير تقليد كما سبق في تعريف التقليد: بأنـه قبول قول الغري من غير معرفة دليله. 

وقال المحلي في شرح الجوامع: التقليد: أخذ القول بأن يعتقد من غير معرفـة دليله، فهو اجتهاد وافق اجتهاد القائل. ثم قال: ويلزم غير اجتهد علميا كان أو غيره أي يلزمه التقليد للمجتهد لقوله تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون انتهى. وقد سبق التصريح بمثل ذلك من لزوم التقليد للمجتهد، فلا تكفي الموافقة على كل حال، غير أن التقليد بعد الفعل جائز عندنا كمـا سنذكره إن شاء الله تعالى. فيبقى على هذا لا بد من قصد القلب في العمـل بقول الغير حتى يسمى تقليدا، لكن سواء قصد ذلك قبل الفعـل - وهـو الأصلا المجمع عليه - أو بعد الفعل فهو صحيح عندنا أيضا، وأما إذا خـلا عملا قبله وبعده من قصد قلبه للأخذ بقول الغير من الأئمة الأربعة فلا يكون حين العمل مقلدا لأحد من المجتهدين وليس هو بمجتهد فعمله حينئـذ باطـل اتفاقا. 

مطلب: هل يجوز التقليد من غير اعتقاد الأرجحية فيما قلده أم لا؟ 

وأما القصد الثالث: فهل يجوز التقليد من غير اعتقاد الأرجحية فيما قلـده أم لا؟ قال الشيخ محمد البغدادي رحمه الله تعالى في رسالته في التقليد: واختلفـوا في أنه له يجوز للمقلد تقلدي المفضول مع وجود الأفضل؟ فجوزه الأئمة الحنفية، والمالكية وأكثر الشافعية، ومنعه الإمام أحمد وطائفة من الفقهـاء، كـذا في التحرير لابن الهمام وشرحه لابن أمير حاج. ونقل عن الإمام الغزالي أنه قال: إذا اعتقد المقلد أحد المجتهدين بالفضـل، لا يجوز له أن يقلد غيره. وإن كان لا يلزم البحث عـن الأعلـم إذا لم يعلـم اختصاص أحدهم بزيادة الفضل والعلم، وأما إذا علم واعتقد زيادة الفضل في أحدهم يلزم تقليد أورع العالمين، وأعلم الـورعين. وإن تعارضـا في العلـم والورع قدم الأعلم على الأصح، انتهى. وقال الشيخ محمد البغدادي أيضـا رحمه الله تعالى: فإن قلت كيف يذكر ابن الهمام وشارح كلامه مـن علمـاء المذهب في المسألة الفقهية قول المخالفين من المالكية والشـافعية؟ فيسـتدلان على ما اختاره من الوجه. قلت: إن المسألة إذا لم يكن لها اختصاص بواحد من الأئمة بل كانت مشتركة فيما بينهم في الحكم، كمسـائل أصـول الديـن والأحكام المتفق عليها من الفروع، فيجوز الاستدلال عليها بقول الجميـع، ومسألة التقليد والافتداء بالمخالف من هذا القبيل. فلا محذور في إيراد الدليل عليها من أي عالم ومجتهد كان، انتهى فاعلم. هذا فيما سنذكره. وقال المحلي - رحمه الله تعالى - في شرح جمع الجوامع: تقليد المفضـول مـن المجتهدين فيه أقوال: أحدها: - ورجحه ابن الحاجب - يجوز لوقوعه في زمن الصحابة وغيرهم - مشتهرا متكررا من غير إنكار. ثانيها: لا يجوز، لأن أقوال المجتهدين في حق المقلد كالأدلة في حق المجتهـدين، فكما يجب الأخذ بالراجح من الأدلة، يجب الأخذ بالراجح مـن الأقـوال: والراجح منها قول الفاضل، ويعرفه العامي بالتسامع وغيره. ثالثها: المختـار يجوز لمعتقده فاضلا عنده أو مساويا له، بخلاف من اعتقد مفضولا ومن ثم لم يجب البحث عن الأرجح من المجتهدين، لعدم تعينه. فإن اعتقد العامي رجحان واحد منهم تعين، لأن تقليده وإن كان مرجوحا في الواقع عملا باعتقاده المبني عليه. والراجح علما فوق الراجح ورعا في الأصح، لأن لزيادة العلم تأثيرا في الاجتهاد بخلاف زيادة الورع، وقيل: العكس، لأن لزيادة الـورع تـأثيرا في التثبت في الاجتهاد وغيره، بخلاف زيادة العلم. ويحتمل التساوي لأن لكـل مرجحا. انتهى. وقال الشيخ محمد البغدادي في رسالته: من أحوال المقلد أن يكون من العلماء فيعتقد بحسب حاله وعلمه رجحان مذهب الغير في تلك المسألة فين له الاتباع للراجح في ظنه. انتهى. وقال المناوي - رحمه الله تعالى - في شرح الجامع نقلا عن السبكي: إن المنتقل من مذهب لآخر له أحوال، وذكر منها: أن يعتقـد رجحان مذهب الغير فيجوز عمله بالراجح في ظنه، ومنها أن لا يعتقد رجحان شيء فيجوز. انتهى. وهذا كله يقتضي أنه لا يلزم المقلد اعتقاد الأرجحية في مذهبـه، وإن كـان الأولى اعتقادها للخروج من الخلاف الواقع في ذلك كمـا تـرى، وعلـى الأولوية وعدم اللزوم ما وقع في الأشباه والنظائر في آخر الفن الثالث نقـ لا عن المصفى: إذا سئلنا في مذهبنا ومذهب مخالفنا في الفروع يجب أن نجيب بأن مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب مخالفنا خطأ يحتمل الصواب. لأنك لـو قطعت القول لما صح قولنا: إن المجتهد يخطئ ويصيب. وإذا سئلنا عن معتقدنا ومعتقد خصومنا في العقائد يجب علينا أن نقول: الحق ما نحن عليه، والباطل ما عليه خصومنا. هكذا نقل عن المشايخ. انتهى. ولا يحتاج أن يحمل ذلك على المجتهدين في المذهب أصحاب الترجيح، كـأبي الحسن الكرخي والطحاوي والسرخسي ونحوهم. كما حمل ذلك على أمثـال هؤلاء الشيخ محمد بن الفروخ المكي في رسالته حيث قال: بأن هذا في حـق أئمتنا ومن أخذ بقولهم من أهل النظر، كأبي الحسن الكرخـي والطحـاوي وأمثالهم. إذا سئلوا يجيبوا بما ذكر. وليس المراد أن يكلف كل مقلد أن يعتقد ذلك فيما قلد فيه إلى آخر كلامه، وقد علمت فساد هذا الحمل بما ذكرنا من النقول في جواز تقليد المفضول مع العلم بالفاضل وإن ذلك لا يختص بمقلـد دون مقلد، وإن الخلاف في ذلك في حق كل مقلد والله الموفق. 

مطلب: حكم الاقتداء بالمخالف؛ وهل العبرة لرأي المقتدي أو الإمام؟ 

وأما المقصد الرابع فهو: ما حكم الاقتداء بالمخالف وهل العبرة في ذلك لرأي المقتدي أو الإمام؟ اعلم: أن هذه المسألة قد صنف فيها الإمام العلامة - رحمـه الله تعـالى - السندي تلميذ الإمام ابن الهمام - رسالة فيها الكلام، فنورد بعضه على وجه الاختصار، وفي كتب فقهنا عبارات أيضا  كثيرة تشابه ما ذكر في هذه الرسالة للسندي رحمه الله تعالى، تركناها خوف الإطالة في هذه العجالة. والذي قاله السندي في رسالته - رحمه الله تعالى - هو قوله: اعلم أنـه قـد اختلف علماؤنا قديما وحديثا في جوازه يعني الاقتداء [بالمخالف] على أربعة أقوال: القول الأول: أنه يجوز الاقتداء به إذا كان يحتاط في مواضع الخـلاف، وإلا فلا. وعلى هذا أكثر المشايخ رحمهم الله تعالى، منـه الإمـام شمسـا الأئمـة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي، وصدر الإسلام، وأبو الليث السمرقندي وصاحب الهداية، وصاحب الكافي، وقاضي خان، والتمرتاشـي، وصـاحب التاتارخانية، والصدر الشهيد، وتاج الشريعة، وصاحب المضمرات، وصاحب النهاية، وقوام الدين شارح الهداية، وفخر الدين شارح الكتر وشيخنا المحقـق كمال الدين بن الهمام شارح، وغيرهم من المشـايخ، والأصـل في هـذا أن المذهب الصحيح الذي عليه المشايخ سلفا وخلفا هـو أن العـبرة في جـواز الصلاة وعدمه لرأي المقتدي في حق نفسه، لا لرأي إمامه، فلو علم المقتـدي من الإمام ما يفسد الصلاة على زعم الإمام - كمس المرأة وغـيره - يجـوز الاقتداء به لأنه يرى جوازها، والمعتبر في حقه رأيه لا غير، فوجـب القـول بجوازها. ولو علم منه ما يفسد الصلاة عنده لا عند الإمام لا يجوز الاقتـداء به، لما قلنا أن العبرة لرأي المقتدي، وأنه لم ير الاقتداء به جائزا، فوجب القول بعدم الجواز، فإن معه يعيد. صرح به الصدر الشهيد. وهذا هو الأصـل الذي لا محيد عنه للحنفي فإنه إما أن يسلم هذا الأصل أو لا، فإن كان الثاني فلا خطاب معه لتركه المذهب، وإن كان الأول فلا محيص عنه أو يسـلم في مسائل دون أخرى، فيحتاج إلى الفرق. ثم إنه رحمه الله تعالى سرد نقولا عديدة، ثم قال: اعلم أنه احتاط جميع مواضع الخلاف ولم يعلم منه مفسد، هل يجوز الاقتداء به، بلا كراهة أو بها؟ وهـل عليه إساءة أم لا ففي الكفاية شرح الهداية وشرح المجمع ومفتاح السعادة أنه مع الكراهة. وفي فتاوى قاضي خان: ومع هذا لو صلى الحنفي خلف الشافعي كان مسيئا وفي بعض كتب أخر: يكره خلف المحترز عما يبطلها عندنا وهـو المختار. ثم قال رحمه الله تعالى: القول الثاني: أنه يجوز الاقتداء بالشافعي إذا لم يعمل منه المخالفة فيما تقدم من الشروط، وهذا القول مختار ركن الإسلام على السغدي وذكره التمرتاشـي وصححه شيخ الإسلام خواهر زاده. القول الثالث: أنه لا يجوز الاقتداء به مطلقا وإن راعى مواضع الخلاف لأنه لا يؤدي ذلك بنية الفرض. القول الرابع: أنه يجوز الاقتداء به مطلقا، قياسا على قول أبي بكر الرازي من صحة الاقتداء بمن رعف. ثم اعلم أن هذا القول انفرد به الـرازي وخالفـه جمهور العلماء، فلهذا قال صاحب الإرشاد: لا يجوز الاقتداء به، أي بالشافعي في الوتر بإجماع أصحابنا، يعني إذا سلم على رأس الركعتين. وقال الزيعلـي: وهو الصحيح. ولم يعتبر قول الرازي لمخالفة الأكثر. حتى قال صاحب الدرر: وخلاف الواحد في مسألة واحدة لا يكون معتبرا، ويكون ردا عليه. والحاصل أن الاحتجاج بقول الرازي لا يكاد يصح لمرجوحيته. وقد قـالوا: المرجوح في مقابلة الراجح بمترلة المعدوم. انتهى كلام السعدي - رحمـه الله تعالى: باختصار، وتمامه مفصل هناك. وقال الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفـي رحمه الله تعالى في كتابه "تصحيح القدوري": إني قد رأيت من عمل في مذهب أئمتنا بالتشهي، حتى سمعت من لفظ بعض القضاة: وهل ثم ّ حجـر؟ فقلـت: نعم. اتباع الهوى حرام، والمرجوح في مقابلة الراجح بمترلة العدم، والترجيـح بغير مرجح في المتقابلات ممنوع. انتهى. وقد ذكر الشيخ محمد بن فروخ المكي في رسالته قول الرازي هـذا، وبـنى رسالته عليه، واعتمده كما صرح بذلك فيها حيث قال: وهذا القول - يعني قول الرازي - هو المنصور دراية، وإن اعتمد خلافه رواية عندنا، وهو الذي أميل إليه وعليه يتمشى ما ذهبنا إليه في هذه الوريقات، انتهى كلامه. فهـذا هو التشهي واتباع المروح، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. واستدل في رسالته المذكورة على جواز الاقتداء بالمخالف من غير مراعاة منه لمواضـع الخلاف كما هو مقتضى كلامه فيها بما كانت عليه الصحابة مـن أنهم كانوا يقتدي بعضهم ببعض، وكذا التابعون وفيهم المجتهدون بلا نكير منهم في ذلك، وقد ترك الاستدلال بنقول المذهب الصريحة وعدل إلى الاستدلال بمـا كانت عليه الصحابة؛ فيقال له: كانت الصحابة مجتهدين بصريح قولك، وأنت تابع مجتهد آخر هو أبو حنيفة مثلا، فكيف تقيـس اجتـهادهم علـى اجتهاد أبي حنيفة؟ فقد كانت مذاهبهم تقتضي ذلك، ومذهبك لا يقتضيه، مع أنه لم يثبت عنهم الاجتهاد على ذلك إلا بطريق الإجمال، ومن أنهم كـانوا يصلون كلهم بالجماعة لا منفردين، ونحن لا نعلم كيف كانوا علـى وجـه التفصيل، فلا يصح الاستدلال بذلك في مقابلة الصريح من المـذهب كمـا رأيت، ومذاهب الصحابة لا يجوز تقليدها الآن كما قدمنا عن إمام الحـرمين، بل لا يجوز تقليد غير المذاهب الأربعة كما سبق والله أعلم. 

مطلب: حكم التقليد بعد الفعل 

وأما المقصد الخامس: فهل يجوز التقليد بعد الفعل أم لا؟ قال والدي رحمه الله تعالى في شرحه على شرح الدرر نقلا عن العقد الفريـد لشيخه الشيخ حسن الشرنبلالي رحمه الله تعالى: اعلم أنه يصح التقليد بعد الفعل كما إذا صلى ظانا صحتها على مذهبـه، ثم تبين بطلانها في مذهبه وصحتها على مذهب غيره، فله تقليده ويجتزئ بتلـك الصلاة على ما في البزازية، روي عن الإمام الثاني وهو أبو يوسف رحمـه الله تعالى: أنه صلى يوم الجمعة مغتسلا من الحمام بالنـاس، وتفرقـوا، ثم أخـبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام، فقال: إذن نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة المنورة: " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ". انتهى. ونقله ابن أمير حاج عـن القنية على جهة الاستشكال: في أحد المجتهد بعد اجتهاده في حكم ممنوع من تقليد غيره من المجتهدين، انتهى. ولا يرد علينا، لأن الإيراد على المجتهـد لا المقلد في ذلك. انتهى كلام الوالد رحمه الله تعالى. قلت: ويمكن الجواب عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنـه اجتهـد في دليل الشافعي - رحمه الله تعالى - وأخذ به، والمجتهد المقيد في المذهب له أن يجتهد في أصول غير إمامه، لأنه في معنى المقلد الذي لا يلزمه التزام مـذهب معـين كما سبق، إذ هو ليس بمجتهد مطلق صاحب مذهب مستقل حتى يمتنع عليه ذلك، ويؤد هذا قوله: نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة المنورة "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا". وهذا لفظ الحديث، فقد ذكر أنه أخذ بدليلهم وسمـاه قولهم مجازا، وسبق الكلام في المجتهد في البعض بأنه يقلد فيما يعجز فيه عـن الاجتهاد، ويجتهد فيما لا يعجز بناء على التجزي في الاجتهاد وهو الـراجح، وأبو يوسف من هذا القبيل، لأنه ليس بمجتهد مطلق من غير شبهة، ولما أخذ أبو يوسف رحمه الله تعالى بدليل الشافعي في تلك المسألة لم يقل أحد مـن الحنفية بجواز الطهارة من القلتين، مع أنه صار اجتهادا له في ذلك الحـين، ولم يثبت رجوعه عنه إلى مذهبه الأصلي بعد ذلك، فكيف استدلوا بواقعته هـذه على صحة التقليد بعد الفعل؟ ! والقضية واحدة ولم يرد ذلك عن أحد غيره من الأئمة، وهذا عندي من أشكل الأمور؛ وربما يستأنس له بما قالوه في اقتداء المقيمين بالمسافر إذا لم يعلموا حاله: أن الاقتداء غير صحيح ولا يجب عليه أن يعلمهم بأنه مسافر، وإنما يستحب له أن يقول: أتموا صلاتكم فإني مسـافر، فإذا سلم على الركعتين في الرباعية ومضى يتمون صلاتهم موقوفة على علمهم بسفر الإمام، فإذا علموا ذلك ولو بعد مدة صحت صلاتهم، وإذا علموا أنـه كان مقيما يعيدون صلاتهم، فكانت هذه المسألة من هذا القبيل ولهذا نظائر في الأحكام الثابتة بطريق الاستناد كالصلاة التي صححت خمسـا المـذكورة في قضاء الفوائت، فإنها تظهر صحة الخمس الفواسد عند الإمـام الأعظـم أبي حنيفة، وكالمضمونات تملك عند أداء الضمان مستندا إلى وقت وجـود السبب، وكالنصاب فإنه تجب فيه الزكاة عند تمام الحول مستندا إلى وقـت وجوده، وغير ذلك مما ذكره في الأشباه والنظائر في الفن الثالـث في بحـث الاستناد وفي مسألتنا هذه، لما قلد المكلف غير إمامه في عمل - سبق منـه - فاسد عد إمامه فقد صح عمله بسبب التقليد مستندا إلى وقت وجوده فـلا يلزمه إعادته، كما وقع لأبي يوسف رحمه الله تعـالى في أخذه بدليـل الشافعي وهو حديث القلتين واجتهاده فيه كما سبق في أن تقليد المقلـد كاجتهاد المجتهد في أنه لا يجوز له العمل إلا باجتهاده، والمقلد لا يجوز له العمل إلا بتقليد مجتهد من المجتهدين، فاعلم هذا والله ولي الهداية. 

وأما المقصد السادس: فهو في بيان حكم التلفيق 

وهو الأهم الأعم؛ فاعلم أولا أن الناس على قسمين: اجتهاد مطلق واجتهاد مقيد. 

  • فأهل الاجتهاد المطلق لا يجوز لهم تقلد غيرهم مطلقا، وإنما الواجب عليهـم العمل باجتهادهم، كما ذكرناه فيما سبق، وأهل الاجتهاد المقيد يجب عليهـم تقليد أهل الاجتهاد المطلق في أصول مذاهبهم فقط دون الفروع، كأبي يوسف ومحمد ونحوهما من أهل اجتهاد المقيد. والظاهر أنهم لا يختص وجوب تقليدهم في الأصول لأهل الاجتهاد المطلق بمجتهد دون مجتهد، بل يجوز لهـم تقليـد أصول أي مجتهد أرادوا. ويحمل على هذا واقعة أبي يوسف رحمه الله تعالى كما ذكرنا، وكل ما ورد من هذا التقليد يخرج على ذلك. 
  • وأما غير المجتهدين فهم عامة الناس، فلا يجب عليهم التزام العمل بمذهب معين من المذاهب الأربعة على القول الراجح كما سبق، بل يجوز لكل أحد منهم أن يعمل في عبادة أو معاملة على أي مذهب شاء، لكن بعـد اسـتيفاء جميع الشروط التي يشترطها ذلك المذهب، وإلا كان عمله بـاطلا بإجمـاع كمـا سنذكره. ولا يلزمه اعتقاد أرجحية ذلك المذهب الذي قلده، والأولى اعتقاد الأرجحية للخروج من الخلاف في ذلك كما تقدم بيانه، ومتى عمل عبادة أو معاملة ملفقة أخذ لها من كل مذهب قو لا بقول به صاحب المذهب الآخر فقد خرج عن المذاهب الأربعة، واخترع له مذهبا خاصا فعبادته باطلة، ومعاملتـه غير صحيحة وهو متلاعب في الدين، وغير عامـل بمـذهب مـن مذاهـب المجتهدين، لأنه لو سأل كل مفت من أهل المذاهب الأربعة فلا يسوغ لـه أن يفتي بصحة تلك العبادة أو المعاملة لفقد شروط صحتها عنده فأين قـولهم: "العامي لا مذهب له" يعني معينا كما ذكرنا، وإنما مذهبه فتوى مفتيه، فـأي فقيه أفتاه جاز له العمل بقوله، كما صرح به في البحـر وغـيره في قضـاء الفوائت. وأي مفت شافعي يفتي بصحة الوضوء من غير نية ولا ترتيـب؟ ! وأي مالكي يفتي بصحة الوضوء من غير ذلك ولا موالاة؟ ! وأي حنبلي يفتي بصحة الوضوء من غير تسمية ! فلو توضأ رجل من ماء القلتين المذكور مـن غير خلاف فلو حكم هو بصحته وهو مقلد لكان مخترعا مذهبا خامسا كمـا ذكرنا، وذلك باطل حتى ولو كان مجتهدا لا يسوغ له إحداث قول خامـس يخالف ما اجتمعت عليه الأئمة الأربعة على ما سنذكره، فكيف وهو مقلد؟ ! وقد صرح الأصوليون في مبحث الإجماع. بذلك قال في التوضـيح شـرح التنقيح لصدر الشريعة: إذا اختلف الصحابة في قولين يكون إجماعا على نفي قول ثالث عندنا، وأما في غير الصحابة فكذا عند بعض مشـايخنا وبعضـهم خصوا ذلك بالصحابة، إذ لا يجوز أن يظن م الجهل أصلا، نظيره أنهم: اختلفوا في عدة حامل توفي عنها زوجها، فعند البعض تعتد بأبعـد الأجلـين، وعند البعض بوضع الحمل. فالاكتفاء بالأشهر قبل وضع الحمل قول ثالث لم يقل به أحد. واختلفوا في فسخ النكاح بالعيوب الخمسة، فعنـد البعـض لا فسخ في شيء منها، وعند البعض حق الفسخ ثابت في كل منها. فالفسـخ في البعض دون البعض قول ثالث، لم يقل به أحد. واختلفـوا في الخـارج مـن السبيلين، فعند البعض غسل المخرج فقط واجب، وعنـد البعـض غسـل الأعضاء الأربعة فقط واجب. فشمول العدم أو شمول الوجود ثالث لم يقل به أحد. وأيضا الخروج من غير السبيلين ناقض عندنا، لامـس المـرأة، وعند الشافعي رحمه الله تعالى: المس ناقض لا الخروج، فشمول الوجود أو شمـول العدم لم يقل به أحد. وقال بعض المتأخرين: الحق هو التفضيل، وهو أن القول الثالث إن اسـتلزم إبطال ما أجمعوا عليه لم يجز إحداثه، وإلا جاز. 

مثال الأول: الصورة الأولى فإن الاكتفاء بالأشهر قبل الوضع منتف إجماعـا، إما لأن الواجب أبعد الأجلين، وإما لأن الواجب وضع الحمل، فهذا يسـمى إجماعا مركبا، فآية الاشتراك وهو عدم الاكتفاء بالأشهر مجمع عليه. ومثال الثاني: الأمثلة الأخيرة، وأنه ليس في كل صورة إلا مخالفة مذهب واحد لا مخالفة الإجماع، ولو كان مثل هذا مردودا يلزم كل مجتهد وافق صحابيا أو مجتهدا في مسألة يلزمه أن يوافقه في جميع المسائل، وهذا باطل إجماع ا. ثم بسط الكلام في ذلك، ثم قال: فإن من احتجم ومس المرأة لا تجوز صلاته بالإجماع. أما عندما فللاحتجام، وأما عند الشافعي رضي الله تعالى عنه فللمس. فالذي يخطر ببالي أنه لا يقال: "إن هذه الصلاة باطلة بالإجماع" لأن الحكم عندنا أنها لا تجوز للاحتجام، والحكم عند الشافعي رحمه الله تعالى أنها لا تجوز للمـس، وكل من الحكمين منفصل عن الآخر، لا تعلق لأحدهما بالآخر، فيمكن أن أبا حنيفة يكون مخطئ ا في الخروج ومصيب ا في المس، والشافعي رحمه الله تعـالى يكون مخطئا في المس مصيبا في الخروج، إذ ليس من ضرورة كونه مخطئـا في أحدهما أن يكون مخطئا في الآخر، إلى آخر ما بسطه من الكلام. وقال السعد التفتازاني رحمه الله تعالى في التلويح حاشية التوضيح وإنما قـال: فالذي يخطر ببالي، لأن الظاهر أنه لا خلاف في بطلان الصلاة، وإنما الخـلاف في جهة البطلان فالجهتان متحدان لا تغاير بينهما أصلا وإنما التغاير في العلة. انتهى. وقال في مرآة الأصول للمنلا خسرو - رحمه الله تعالى -: أهل العصر الأول إذا اختلفوا على قولين يكون إجماعا على نفي قول ثالث، وبعضهم خصـوا لخلاف بالصحابة، وإنما يستقيم عند من حصر الإجماع على الصحابة، فالأصح الإطلاق انتهى. وقال المحلي رحمه الله تعالى في شرح جمع الجوامع، في بحث الإجماع: وخرقـه بالمخالفة حرام للتوعد عليه حيث توعد على اتباع غير سبيل المؤمنين في الآية فعلم تحريم قول ثالث في مسألة اختلف أهل عصر فيها على قولين وإحداث التفصيل بين مسألتين لم يفصل بينهما أهل عصر إن خرقـاه، أي إن خـرق الثالث، والتفصيل الإجماع بأن خالفا ما اتفق عليه أهل العصر بخلاف ما إذا لم يخرقاه، وقيل: هما خارقان مطلقا أي أبدا لأن الاختلاف على قولين يسـتلزم الاتفاق على امتناع العدول عنهما. وعدم التفضيل بين مسـألتين يسـتلزم الاتفاق على امتناعه وتمامه مفصل هناك. إذا علمت هذا لم تتوقف في بطلان العمل الملفق من مذهبين أو ثلاثة أو أربعة، إذ التلفيق في مثل ذلك خرق للإجماع، فلا يجوز للمجتهد، فما بالك بالمقلـد القاصر؟!. وإن أردت صريح النقول من كتب الفروع فأنا أذكر لك ما يحضـرني مـن ذلك. قال الشيخ قاسم رحمه الله تعالى في "تصحيح القدوري": قـال الإمـام الحسن الخطيب في كتاب "الفتاوى": المفتي على مذهب إذا أفتى بكون الشيء كذا على مذهب إمام ليس له أن يقلد غيره، ويفتي بخلافه لأنه محض تشهي. وقال أيضا: إنه بالتزامه مذهب إمام يكلف به ما لم يظهر له بخلاف المجتهـد، حيث ينتقل من إمارة إلى إمارة. ووجه هذا مسألة الأصول التي حكى فيهـا الاتفاق وقالوا لا يصح التقليد في شيء مركب من اجتهادين مختلفين بالإجماع، ومثلوا له بما إذا توضأ ومسح بعض شعره ثم صلى بنجاسة الكلب. قال في كتاب "توفيق الحكام على غوامض الأحكام": بطلت بالإجماع. وقال فيه: "والحكم الملفق باطل بإجماع المسلمين. انتهى". وقـال الشـيخ محمـد البغدادي الحنفي رحمه الله تعالى في رسالة التقليد: اعلم أن الصحة تقليد المذهب المخالف بشروطات: منها: ما ذكره ابن الهمام في تحريره أنه إن عمل المقلد بحكم من أحكام مذهبه الذي تقلده لا يرجع عنه، ويقلد مذهبا آخر وفي غير ما عمل به له أن يقلـد غيره من المجتهدين. الثاني: ما نقله ابن الهمام عن القرافي واعتمد عليه في تحريره أن لا يترتب على تقليد من قلده، أولا ما يجتمع على بطلانه كلا المذهبين فمن قلد الشافعي رحمه الله تعالى في عدم فرضية الدلك للأعضاء المغسولة في الوضوء والغسل، ومالك ا في عدم نقض اللمس بلا شهوة للوضوء، فتوضأ ولمس بلا شهوة وصـلى. إن كان الوضوء بذلك صحت صلاته عن مالك والشافعي انتهى كلام ابن الهمام مع شرحه. الثالث: أن لا يتتبع الرخص ويلتقطها، وهذا الشرط اعتبره الإمام النـووي وغيره، لكن ابن الهمام لم يعتبره ولم يلتفت إلهي، وبعضهم شرط أن لا يكـون ما قلده مخالفا لصريح الكتاب والسنة وإن قال به مجتهد. وهذا الشرط أيضـا لما لم يكن معتبرا عند المحققين لم يذكره ابن الهمام لا ردا ولا قبولا. ثم ذكر الشيخ محمد البغدادي رحمه الله تعالى في أحوال المقلد: أن من أحواله أن لا يجتمع من تقليده حالة مركبة ممتنعة بالإجماع كما ذكره ابن الهمام بقوله: "أن لا يترتب عليه ما يجتمع على بطلانه كالمذهبين" فهذه الصورة ممـا يمنـع التقليد فيها عند الجمهور، مثاله: كمن صلى بخروج الدم من غير السـبيلين تقليد ا للإمام الشافعي رحمه الله تعالى والمقلد حنفي المذهب ولم يزل النجاسـة القليلة عن بدنه أو ثوبه بناء على مذهبه، فصلاته حينئذ باطلة بالاتفاق، أمـا على مذهبه فلخروج النجاسة من البدن، وأما على مذهب من قلده فقليـل النجاسة مانعة عند الشافعي رحمه الله تعالى. وذكر صاحب العقد الفريد عـن الإمام الإسنوي من الشافعية أنه قال: "إذا نحك بلا ولي تقليدا لأبي حنيفـة رحمه الله تعالى، أو بلا شهود تقليدا للإمام مالك رحمه الله تعالى ووطئ لا يحـد ولو نكح بلا ولي ولا شهود أيضا تقليدا لهما حد كما قالـه الرافعـي. لأن الإمامين أبا حنيفة ومالكا قد اتفقا على البطلان. " انتهى كلامه وهذا الشرط أصعب الشروط على العوام ولهذا قالوا لا يصح للعامي التقليد إلا بالاستفتاء عن خصوص ما أراد تقليده. انتهى كلام الشيخ محمد البغـدادي رحمـه الله تعالى. وقال الشيخ الرملي الشافعي رحمه الله تعالى في شرح الوقايـة: "إذا دونـت المذاهب وانتقل المقلد من مذهب إلى مذهب جاز ولو قلّد مجتهداً في مسـائل أخرى جاز، لكن لا يتبع الرخص، وإذا استفتى فأفتاه مفت لزمه الأخذ بقوله: إن لم يكن هناك مفت آخر وإلا فلا إذ له سؤال غيره. وشرط تقليد مذهـب الغير أن لا يكون موقع ا في أمر يجتمع على إبطاله الإمام الذي كان على مذهبه والإمام الذي انتقل إلى مذهبه فمن قلد مالكا مثلا في عدم النقض باللمـس الخالي عن الشهوة فلا بد أن يدلك بدنه ويمسح جميع رأسه. انتهى". 

ونقل الشيخ عبدالرؤوف المناوي الشافعي رحمه الله في شرح الجامع الصـغير عن السبكي رحمه الله تعالى: " أن التقليد إن اجتمعت فيه حقيقة مركبة ممتنعة بالإجماع يمتنع. انتهى." 

ونقل والدي رحمه الله تعالى في شرحه على شرح الدرر عن العقـد الفريـد للشرنبلالي رحمه الله تعالى أنه قال - بعد ذكره النقل العديدة - : "والعبارات المعتمدة المفيدة فتحصل لنا مما ذكرناه أنله ليس على الإنسان التزام مذهـب معين، وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما علمـه علـى مذهبـه مقلـدا غـير إمامه،مستجمعا شروطه، ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تعلق لواحدة منهما بالأخرى، وليس له إبطال عين ما فعله بتقليد إمام آخـر، لأن إمضـاء الفعل كإمضاء قضاء القاضي لا ينقض". انتهى. فانظر قولـه: "مسـتجمعا شروطه" أي: شروط ذلك الإمام الذي قلده وهو قاض بعدم صحة التلفيق. 

وقال الشيخ عبد الرحمن العمادي رحمه الله تعالى في مقدمته: "اعلم أنه يجـوز للحنفي تقليد غير إمامه من الأئمة الثلاثة رضي الله عنهم فيما تـدعو إليـه الضرورة بشرط أن يلتزم جميع ما يوجبه ذلك الإمام في ذلك، مثلا إذا قلـد الشافعي في الوضوء من القلتين فعليه أن يراعي النية والترتيب في الوضـوء، والفاتحة وتعديل الأركان في الصلاة بذلك الوضوء وإلا كانت الصلاة باطلـة إجماعا فافهم. انتهى. وإن كان قوله: "فيما تدعو إليه الضرورة" - غير لازم لما عرفت من قبل عدم الإنسان لمذهب معين على الراجح. وقد تعقبت ذلك في شرحي لمقدمة العمادي رحمة الله تعالى وبسطت الكلام فيه. 

ونقل المناوي رحمه الله تعالى في شرح الجامع الصغير للسيوطي عن المالكية أنه قال في التنقيح للقرافي نقلا عن الزناتي: "أن جائز إذا لم يجمع بينهمـا على وجه يخالف الإجماع كمن تزوج بلا صداق ولا ولي ولا شهود فإنه لم يقل به أحد". انتهى. إذا علمت هذا كله ظهر لك بطلان ما ذهب إليه الشيخ محمد بن الفـروخ المكي في رسالته من صحة التلفيق، رأيا منه، وقد استدل عليه بعبارة وقعت في تحرير ابن الهمام ليس معناها ذلك فقال: قد أشار إلى عدم منعـه المحقـق في التحرير، وأنه لم يدر ما يمنع منه. مع أن عبارة ابن الهمام ليس فيها ذلك، وقد نقلها الشيخ محمد البغدادي رحمه الله تعالى في رسالته عن شرح الهداية المسمى "فتح القدر"، ونقلها أيضا المناوي الشافعي رحمه الله تعالى عن فتح القديـر وهي قوله: "التنقل من مذهب إلى مذهب باجتهاد وبرهـان إثم يسـتوجب التغرير، وبلا اجتهاد وبرهان أولى. ثم حقيقة الانتقال إنما تتحقـق في مسـألة خاصة قلد فيها وعمل بها وإلا فقوله: "قلدت أبا حنيفة فيا أفـتى بـه مـن المسائل" مثلا، و "التزمت العمل به على الإجمال" - وهو لا يعرف صورها - ليس حقيقة التقليد بل تعليق له، وبه فإن أراد بهذا الالتزام فلا دليـل علـى وجوب اتباع المجتهد بإلزامه نفسه بذلك قولا أو نية شرعا بل الدليل اقتضى العمل بقول المجتهد فيما يحتاج إليه، لقوله تعالى: (فاسألوا أهـل الـذكر إن كنتم لا تعلمون) والسؤال إنما يتحقق عند طلب الحكم، وغالب الظـن أن مثل هذه الإلزامات من المشايخ لكف الناس عن تتبع الـرخص وإلا فأخـذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد أخذ عليه، وأنا لا أدري ما يمنع هـذا مـن النقل والعقل فكون الإنسان يتتبع ما هو أخف على نفسه من قـول مجتهـد مسوغ له الاجتهاد ما علمت من الشرع ذمة عليه وكان صلى الله عليه وسلم يحب ما خف على أمته". إلى هنا كلام ابن الهمام. 

فانظر كيف فهم منه هذا القاصر الفهم أن مراده صحة التلفيق؛ فأخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد أخف عليه، فإن المراد بالمسألة تمام الحكم لا بعضه لأنه في مقابلة التزام مذهب معين، وقد صرح في كتابه التحرير المذكور بمنـع التلفيق، فكيف الإشارة تعارض الصريح على فرض صحتها؟ واستدل أيضـا بعبارة وقعت لابن نجيم رحمه الله تعالى في رسالة له عملها في بيـع الوقـف لا على وجه الاستبدال، وعبارته: قال مولانا قاضي خان في فتاواه: "ولو بـاع أرض الوقف بثمن غبن فاحش لا يجوز بيعه في قول أبي يوسف وهـلال لأن القيم بمترلة الواقف فلا يملك البيع بغبن فاحش ولو كان أبـو حنيفـة يجـوز الوقف بشرط الاستبدال لجاز بيع القيم إذا كان بغبن فاحش كالوكيل بالبيع". انتهى كلام قاضي خان. قال ابن نجيم رحمه الله تعالى: ويمكن أن تؤخذ صحة الاستبدال بقول أبي يوسف وصحة البيع بغبن فاحش بقول أبي حنيفة بناء على جواز التلفيق في الحكم من قولين. 

قال في الفتاوي البزازية من كتاب الصلاة من فصل زلة القارئ: ومن علمـاء خوارزم من اختار عدم الفساد بالخطأ في القراءة أخذ بمذهب الإمام الشافعي فقيل له: مذهبه في غير الفاتحة، قال: اخترت من مذهبه الإطلاق وترك القيد لما تقرر في كلام محمد رحمه الله تعالى: أن المجتهد يتبع الدليل لا القائـل حـتى صح القضاء بصحة النكاح بعبارة النساء على الغائب، انتهى كلام البزازية. وما وقع في آخر تحرير ابن الهمام من منع التلفيق، إنما عزاه لبعض المتأخريـن وليس هذا المذهب. انتهت عبارة ابن نجيم رحمه الله تعالى. فأما نقله عن قاضي خان جواز التلفيق منقول أبي حنيفة وأبي يوسـف فهـو تلفيق من مذهب واحد إذ أصول القولين واحدة على أن مسألة البيع بغـبن فاحش لا يصح في قول أبي يوسف وهلال لأن القيم كالوكيل ولو أجاز أبـو حنيفة الوقف بشرط الاستبدال لأجاز البيع بالغبن الفاحش كما هو مذهبه في بيع الوكيل به، فأين التلفيق في هذا؟ وأما واقعة بعض علماء خوارزم في تلفيقه المذكور فهي مشروطة بالاجتـهاد كما صرح به بعد ذاك بقوله لما تقرر من كلام محمد: " أن المجتهد يتبع الدليل " أي دليل المجتهد الآخر الذي أراد موافقته في ذلك الحكم لا القائـل أن لا يتبع قول المجتهد الآخر لأن المجتهد لا يسوغ له اتباع مجتهد آخر. ومن هـذا الباب ما ينقل عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أنه ترك قنوت الفجر عنـد ] قبر [ أبي حنيفة رحمه الله تعالى يوم زيارته له في بغداد فإنه محمـول علـى اجتهاده ذلك اليوم فقط في دليل أبي حنيفة رحمه الله تعالى في نسـخ قنـوت الفجر لرجحان دليله عنده، ثم رجح بعده إلى اجتهاده، ولا يقاس المقلد على المجتهد في هذا الأمر عند كل واقعة وإن جاز للمقلد اتباع المجتهـد في هـذا الواقعة بعينها إن دام المجتهد فيها على ما ذهب إليه من الموافقـة للمجتهـد الآخر وإن رجع بطل الحكم بصحة ذلك، وهذا كله علـى القـول بجـواز الاجتهاد المخالف للإجماع على قولين أو ثلاثة كما سبق بيانه. وأما قول ابن نجيم رحمه الله تعالى: "وليس هذا المذهب". فيحتمل رجوعه إلى الغير ولبعض المتأخرين لقربه، ويحتمل رجوعه إلى منع التلفيق فيكون مراده أن منع التلفيق مطلق ا المتبادر من عبارة ابن الهمام سواء كان في المجتهـد وغـيره ومن مذهب ومن مذاهب ليس هو المذهب بل يسوغ الحكم بذلك للقاضـي المجتهد ولو على قول لا سيما من مذهب واحد كما هي مسألة المبرهن عليها قبل ذلك على أن كلام ابن نجيم هذا وإن فرضنا صحة دلالته علـى جـواز التلفيق مطلق ا لا يناقض ما سبق التصريح به من عبـارات كتـب الأصـول والفروع في منع التلفيق بالإجماع وأين الصريح من الإشارة؟ ولابن نجيم رحمه الله تعالى - في كتابه "شرح الكتر" - صريحة في اشتراط المراعاة من الإمـام لصحة الاقتداء بالمخالف فكيف يكن قائلا في عبارة هذه بصحة التلفيق مطلقا من مجتهد ومقلد. وقد استدل مصنف الرسالة أيضا بواقعة أبي يوسف المذكورة فيما سبق علـى صحة التلفيق قائلا فقد حصل التلفيق منه وهو أوفى حجة لنا، ومراده أن أبـا يوسف صلى على مذهبه وإنما قلد في خصوص الوضوء من القلتـين وعلـى فرض تسليم التلفيق في ذلك فإن المجتهد له أن يجتهد في دليل آخر كما ذكرنا ولا كذلك المقلد على أن صلاة أبي يوسف على مذهب ليست فاسدة علـى مذهب غيره حتى يكون ذلك تلفيقا. والحاصل أن جميع هذه الوجوه الذي استدل بها هذا القائل بالتلفيق الخـارق للإجماع المعتبر بذلك فاسدة لا اعتداد بها ولا يجوز اعتبار ذلك منه لمخالفتـه للصريح في منع التلفيق كما ذكرنا وإذا كان المجتهد لا يسوغ التلفيق إذ أدى اجتهاده إليه على حسب ما قدمناه فكيف بالمقلد القاصر ولا حول ولا قـوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 

هذا آخر ما قصدناه في بيان مسألة التقليد والتلفيق، والله الهادي إلى سواء الطريق، لا رب غيره، ولا خير إلا خيره وقد فرغنا من تسويدها نهار الأربعاء رابع عشر جمادى الثاني، سنة خمس وثلاثين ومئة وألف، أحسن الله ختامها.