حوار مع الذات حول الرقابة الشرعية

د. عبد الباري مشعل

 

1. قدري أن أتخصص في الاقتصاد الإسلامي، وأن أعمل في هذا المجال من خلال البنوك وهيئات الرقابة الشرعية والتدقيق الشرعي، وأن يكون لي شركةً وعملاء، وأن أكون صاحب قرار مباشر في كثير من المواقف الشرعية الهامة على مستوى الرقابة الشرعية، وهكذا تسير الحياة من نجاح لآخر كما هو حال عدد من زملاء المهنة، وهذا فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء.
2. ولكن في زحمة الأعمال تستشعر هذا السؤال؟ هل نحن في الطريق الصحيح؟ ماذا لو كنا في خدمة الاقتصاد الإسلامي في مكان آخر أقل حساسية؟ مثل مراكز البحث؟ أو التدريس الأكاديمي؟ أو حتى العمل في المجال التنفيذي بعيدًا عن التحديات الشرعية التي تواجههنا بين الحين والآخر؟

3. في الوقت الذي يتشوف البعض للعمل في مجالنا، ويغبطنا البعض على العمل في هذا المجال، لكنه لا يرى ما نعيشه من صراعات قوية، ولو أدرك هؤلاء حساسية تلك الصراعات ربما أعادوا النظر في تصوراتهم.
4. الأخطاء تقع في العمل المالي الإسلامي، ولا بد لمن يعمل أن يخطئ، لكن المشكلة من يعالج هذا الخطأ؟ وكيف؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وماذا يحدث في حال التكرار؟ وماذا يحدث في حال رفض معالجة الخطأ؟ وإلى أي حد يدرك الشرعيون في البنوك الإسلامية نطاق الأعمال التي يجب أن يشرفوا عليها ويراقبوها؟
5. على المستوى الشخصي لدي إجابات عن هذه الأسئلة وغيرها، ولدي حلول مهنية لكل المواقف مهما كانت حرجة، ولدي القدرة والشجاعة للتعبير عن ذلك من خلال الوسائل المهنية المتاحة كالتقارير الداخلية للإدارة والخارجية للجمعية العمومية والتي تطلبها وتطلع عليها السلطات الإشرافية، ولكن التحدي الأكبر هو إلى حد تحقق تلك التقارير المهنية الكاملة براءة الذمة شرعًا؟
6. سؤال في غاية الأهمية؟ تصرفات وانحرافات خطيرة في إدارات بعض البنوك الإسلامية في جوانب لا يقترب منها الشرعيون عادة، مثل المكافآت التي تقرر للإدارة العليا، وتقييم الأصول وآثاره على الأرباح والمكآفآت والتوزيعات، والمضاربات في الأسهم، وغيرها من الأمور الشائكة التي تتعقد أكثر في ظل وجود شبكة من الشركات التابعة والزميلة التي تخضع لسيطرة الشركة الأم ؟
7. إن الاستقلالية في عملنا أمر نسبي، ولا يعني أنك مستقل أنك تتمتع بالحرية المطلقة في التعبير عن مواقفك، بل في بعض الحالات يكلفك القرار عملك، وهذا مع حصل مع بعض زملاء المهنة. أمر حساس جدًا أن تكون المساومة على الرأي الشرعي.
8.توفر قواعد السلوك المهني أسساً كافية للممارسة السليمة في كل المشكلات السابقة، لكن هذا مقيد بشرطين هما: فاعلية الجمعية العامة، والسلطة الإشرافية، وفي ظل غياب الفاعلية في هاتين الجهتين يبقى السؤال قائمًا هل تحقق تقاريرنا براءة الذمة شرعًا؟
9.هذا السؤال أجبت عنه في الواقع من خلال عدم الاكتفاء بالتقارير، والتواصل المباشر مع الإدارات ووضعها في صورة تجاوزاتها، وأن اتخاذ بعض القرارات بحكم السيطرة على الإدارة، وتمرير هذه القرارات من الجمعية العمومية الحاملة بحكم السيطرة على أصوات الأغلبية لا يبرئ الذمة أمام الله شرعًا لأن الآليات المهنية غير قادرة على منح الإدارة براءة الذمة المطلوبة شرعًا.
10. بل إن هذه الآليات ستصبح غير شرعية لأنها تؤدي إلى هضم حقوق المساهمين الصغار لصالح المساهمين الكبار المسيطرين على الإدارة والجمعية، ولذا لابد من العودة لفحص شرعية تصرفات الإدارة من منظور الأمانة والوكالة الشرعية عن المساهمين. وتقييم تصرفات الإدارة التي تتسم بالمحاباة، هل تحقق مبدأ الأمانة المبرئة للذمم، أم أنها تندرج في خانات التعدي والتقصير في إدارة أموال الغير، وموجبة للضمان على الإدارة؟
11. هذه الرسالة أسعى دائمًا أن تصل لعملائي ليتحملوا مسؤولياتهم أمام الله وليعيشوا الصراع منفردين، دون أن أنقص من التوثيق والإبلاغ عن الانحرافات في التقارير بالقدر المطلوب مهنيًا. هذا هو الواقع، مليء بالتعقيدات والمشكلات، لكن أين مكانك الصحيح هل هنا في عمق المشكلة، والتي تزداد تعقيدًا في ظل عدم الفاعلية الرقابية للجمعيات العمومية والسلطات الإشرافية ؟ أم تخرج إلى مكان آخر حيث لا مشكلة؟
12. فاجأني أحد الزملاء الأعزاء برغبته بالخروج من العمل في الرقابة الشرعية لما يراه من ملابسات وضغوط، فبادرته بالقول لقد فكرت بالأمر وترجح لي البقاء، لكن الأمر على ما يبدو يستحق أن نفكر فيه مرة ثانية وثالثة ورابعة ما دام هذا السؤال يراود زملاء المهنة في داخل البنوك الإسلامية. ولكن التامل في الحلول يفتح الآفاق لمزيد من الفاعلية في التصدي للمشكلة بدل الهروب من مواجهتها. والله أعلم.
د.عبدالباري مشعل
12/7/2014