تحقيق المناط في المعاملات المالية المعاصرة في ضوء مقاصد الشريعة

د. عبد الباري مشعل

قضايا جدلية في التمويل الإسلامي موجهة للباحثين (6)
هذا عنوان الجلسة النقاشية التي عقدت مع طلبة الدراسات العليا في قسم الفقه وأصوله في رحاب الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا بتاريخ 22/5/2014، وقد تناولت الجلسة المشكلات البحثية في ستة موضوعات اقترحت تعميق البحث فيها من قبل طلبة الدراسات العليا وسأعرض في هذا المقال لتحرير المشكلة البحثية في الموضوع السادس والاخير وهو تحقيق المناط في المعاملات المالية المعاصرة في ضوء مقاصد الشريعة.
يقصد بتحقيق المناط تطبيق الحكم الكلي أو القاعدة العامة، على الفروع والجزئيات، كتطبيق معنى العدالة على مكلف بعينه كشرط لقبول شهادته، وتطبيق معنى الفقر على مكلف بعينه كشرط لاستحقاقه الزكاة. ومن أمثلته في المعاملات المالية الإسلامية المستجدة تطبيق مبدأ تحريم الحيل، أو مبد سد الذرائع على المعاملة المستجدة.
والدافع لإعادة دراسة تحقيق المناط في المعاملات المستجدة من منظور مقاصد الشريعة هو تباين الاجتهادات المعاصرة في المسائل المتجانسة والمتشابهة من جهة أولى. وتعرضها من الجهة الثانية لانتقادات حادة من زاوية اشتمالها على الحيل كالعينة، أو الذريعة إلى الربا كالتورق المنظم في السلع الدولية، أو عدم مراعاتها لمقاصد الشريعة بصفة عامة كتركيزها على تحقيق الأرباح واستغلال حاجة العملاء، أو التيسير المبالغ فيه. وكل هذه الاتهامات تحتاج إلى التأمل والدراسة للتأكد من دقتها في ضوء منهجية تحقيق المناط.
الاجتهادات الفقهية المعاصرة لم تتعامل مع الانتقادات بشكل موضوعي، وإنما تقبلتها بشكل سريع وبررت الاتجاه السائد للاجتهاد في المعاملات المالية المعاصرة بأنه استثنائي بسبب الظروف الدولية المحيطة بالمصرفية الإسلامية. ومن المؤمل أن توفر إعادة الدراسة اختبارًا لصحة الاجتهادات والانتقادات على حد سواء.
وفي سياق إعادة الدراسة يجب أن نقرر أنه لا يوجد حكم شرعي يوصف بالصحة ينفك عن اعتبار مقاصد الشريعة، والتي تشمل ثلاثة جوانب: أولها: أن يكون الباعث على العقود مشروعا، وهو أصل مبدأ تحريم الحيل، والثاني: أن يتحقق في هيكلة العقود الغرض منها وهو مقتضى العقد وهو المعروف بمقاصد العقد، فالغرض من البيع تمليك العين ومنفعتها على التأييد، والغرض من الاجارة تمليك المنفعة لفترة محددة. والثالث: أن يكون المآل مشروعا، وهو مبدأ سد الذريعة الى المحرم الممنوع، وعند اطلاق مقاصد الشريعة في هذا المقال يقصد بها هذه الجوانب الثلاث.
وعند النظر في ردود الفعل حول اعتبار مقاصد الشريعة في الأحكام الشرعية لوحظت عدة إطلاقات لا تتسم بالدقة. من هذه الإطلاقات: المناداة بألا تقتصر أحكام الجواز على هيكل العقد، وأنه يجب أن تمتد لتشمل مقاصد الشريعة في الاعتبار، وهذا خطأ لأنه يعني أن الحكم الشرعي بالجواز ممكن بدون اعتبار مقاصد الشريعة، وأن اعتبار مقاصد الشريعة أمر تكميلي أو تحسين.
ومن الإطلاقات أيضًأ: إن اعتبار مقاصد الشريعة مدعاة لتجاوز الأحكام الشرعية، حتى تصبح الصناعة المالية الإسلامية مشابهة للتقليدية. وهذا ليس من مقتضى اعتبار المقاصد في الأحكام، وإنما هو من باب مراعاة الضرورة والحاجة والمصلحة العامة، وهو من مبادئ الشريعة ومقاصدها العامة وهو مبدأ رفع الحرج. ومراعاة ذلك لا يجوز أن يتخطى مقاصد الشريعة بالمعنى المقرر آنفا.
ومن الإطلاقات: الاتهام بالحيل جزافًا دون تمييز بين الحيل المشروعة، والحيل غير المشروعة، وقد أصبح الاتهام بالحيلة والتحايل -رغم خطره الشرعي- سهلا وهينًا. والحق أن الحيل قد تكون مشروعة وستساعد إعادة الدراسة على ضبط الأوصاف المعتبرة في تحريم الحيل، ومدى تحقق تلك في المعاملات المستجدة. إن إعادة دارسة المعاملات المستجدة من منظور تحقيق المناط في ضوء مقاصد الشريعة، سيدعم الانضباط في الاجتهادات الفقهية المعاصرة من جهة، وسيخفف من التباين بين الاجتهادات الفقهية المعاصرة، وسيوسع دائرة القبول أو الرفض لتلك الانتقادات.