وثيقة «ماجنا كارتا» لتنظيم استخدام الانترنت

د. عبد القادر ورسمه غالب

الماجنا كارتا أو "الميثاق الأعظم" هي وثيقة إنجليزية صدرت عام 1215. وتم اعتمادها كقانون في عام 1225م ، ووصفت بأنها "الميثاق العظيم للحريات في إنجلترا". ويحتوي ميثاق عام 1215 على أمور عدة منها مطالبة الملك بأن يمنح حريات معينة وأن يقبل بأن حريته لن تكون مطلقة، وأن يوافق علناً على عدم المعاقبة إلا بموجب قانون الدولة وهذا الحق ما زال قائماً حتى اليوم. كانت "الماجنا كارتا" أول وثيقة تُفرض على ملك إنجليزي من مجموعة من رعاياه (البارونات)، في محاولةً للحد من نفوذه وحماية امتيازاتهم قانونياً. وتعتبر هذه الوثيقة الأساس للعديد من الأحكام القانونية والدستورية التي تحكم مجتمعنا المعاصر، ولذا فهي تؤخذ كنموذج في التقنين لوضع الأمور في نصابها.

وانطلاقا من نفس المفهوم، واحتفالا بذكرى "الماجنا كارتا" في هذه الأيام، قامت جهات عديدة في انجلترا بإصدار نداءات عالية تنادي بضرورة الحاجة العاجلة لإصدار "وثيقة ماجنا كارتا" خاصة لتنظيم استخدام الانترنت وكل وسائل التقنية الحديثة، وذلك لما شابها من تجاوزات ومخالفات قد تطغي علي الفوائد العديدة من استخدام التقنية الحديثة وتزلزل أهدافها السامية. وبخصوص التفاعل مع سوء استخدام الانترنت ووسائل التقنية البديلة، تم اختيار عينة من الشباب في انجلترا لاستطلاع الآراء المختلفة وتحليلها بغرض الوصول الى لب المشكلة وكيفية مجابهة تداعياتها.

اتفقت الغالبية العظمي من الشباب على أن سوء الاستخدام أصبح حقيقة واقعة لدرجة صادمة ومؤلمة، ومن هذا يتضرر الكثير من عدة نواح مادية ومعنوية وشخصية وخلافه. ولقد ثبت أن سوء استخدام الانترنت وإخوانه من وسائل التقنية الحديثة "هز" عروشا كبيرة "خرب" بيوتا آمنة في لحظات قليلة من البرق العاصف المدمر لما أمامه بمجرد ضغط الزر على (الكيبورد). وأفاد الشباب بأن هذه الممارسات تتم عن قصد وعن غير قصد، وعن فهم وعن غير فهم، وفي كل الحالات النتيجة واحدة والضرر مؤكد ومن الصعوبة محو آثاره العميقة حتي لو تم التعويض المادي بدفع مبالغ كبيرة لجبر الكسر والخاطر.

وبرزت المناداة بضرورة اصدار وثيقة "ماجنا كارتا"، تيمنا بما أحدثته في ذلك الوقت، لتنظيم وترتيب استخدام التقنية حتي تأتي هذه الثورة الحديثة أكلها ويتنسم الجميع ريحها الطيب وتتحقق الفوائد بسبب الطفرة العلمية الحديثة. وكما اتفق الجميع، هناك شعرة رقيقة جدا تتوسط وتربط في ما بين حسن الاستخدام و سوء الاستخدام، ويجب التعامل مع هذه الشعرة بكل الحنكة والمسئولية لأن ما يترتب علي الاستخدام له انعكاسات موجبة عند حسن الاستخدام و انعكاسات سالبة عند سوء الاستخدام. والفرق في ما بين الحالتين شاسع ولذا يجب الحرص كل الحرص عند الاستخدام.

وحتى يتم تعزيز هذا الحرص هناك المناداة من الجميع بعدم ترك الحبل على الغارب بل التحرك بشجاعة لإصدار وثيقة جديدة تكون في قوة  وكاريزما "الماجنا كارتا" وليتم غرسها حتى يقف الجميع تحت ظلها ويلتزم بأحكامها ومواثيقها لفائدة المجتمع في هذا العصر التقني… عصر التكنولوجيا وثورة تقنية المعلومات.

برز من الاستبيان أهمية الأمن والأمان لمستخدمي الانترنت، وكذلك برز أهمية وجود الحرية في التعبير عن الآراء، وهنا تطرأ المشكلة المعضلة. لأن تحقيق الآمال المرتبطة بالأمن والأمان اضافة لحرية التعبير يحتاج لعمل جاد وهذا بدوره يحتاج "وثيقة ميثاق" تضامنية يلتزم بها الجميع ويتعهد بعدم انتهاكها أو الخروج من اطارها المتفق عليه. ومن هذا قطعا ستعم الفائدة لأن الجميع سيصبح ملتزما بموجهات الوثيقة.

والأمن له أهمية خاصة في استخدام الانترنت للحفاظ علي السرية وعدم انتهاك الخصوصية ولكن بالرغم من وجود القوانين الا ان تهديد الأمن والخصوصية لم يبتعد قيد أنملة بل هو "مارد" موجود في كل الأوقات وفي كل الأمكنة. وكذلك الأمر بالنسبة لحرية التعبير لأن القوانين تحميها، ولكن ما هي حدود هذه الحرية؟ ومتى يعتبر التصرف متجاوزا لحرية الشخص ومتدخلا ومتطفلا في حرية شخص آخر، خاصة وأن هذا يحدث كثيرا في الممارسات التقنية الالكترونية.

في الواقع المعاش، انتهاك الحرمات والتعدي على الحريات يتم على مدار الساعة في الانترنت لدرجة تؤثر على صحة الجو وتتسبب في خلق التوتر أو القلق لمستخدمي هذه الشبكات. وهذا عكس ما يتطلع له الجميع، ولكنه واقع نظرا لوجود الفئات التي تمارس أهدافا غير سليمة بل مدمرة للشركات والأعمال والأشخاص بل والدول أيضا. وفي نظرنا، فان العلة هنا ليست في عدم وجود القوانين ولكن العلة في التفكير المعوج الذي تنجم عنه أزمة ثقافية لبعض من يستخدم هذه التقنية.

ومثل هذه الفئة بالرغم من أنها قليلة العدد الا ان ما تقوم به يؤذي الجميع ويؤذي الثورة التقنية التي أتت لمصلحته، وهذا هو الواقع المرير… ولذا المناداة بعمل ثورة شاملة تقود لإصدار "ميثاق ماجنا كارتا" جديد على أمل أن يتغير الوضع الي المسار الصحيح، مع معاقبة وتحميل المسؤولية لكل من يتخطى الحدود الآمنة للآخرين ولكل من يخرج عن حدود الحرية الشخصية في التعبير ليطعن في شخصية الآخرين ولكل متطفل ولكل مجرم الكتروني يعمل في الخفاء للمكاسب الدنيئة.

ان الوضع الذي وصلت له بعض الممارسات غير السليمة في الانترنت وإخوانه وضع مزر ويحتاج للوقوف ضده بكل قوة لاجتثاثه من الجذور و الا فان المردود سيكون مؤلما حارقا. ولذا فان المطالبة بتقمص روح "ميثاق الماجنا كارتا" يعتبر من الأمور المطلوبة لإعادة الأمور الي نفس الوضع الذي وصلته الماجنا كارتا. ونأمل أن يقف الجميع كوقفة النبلاء والبارونات لتحقيق الوضع الأمثل لهم ولحياتهم التي أصبحت الكترونية في كل اتجاهاتها وتحركاتها. ونأمل وقفة شجاعة في وجه من يتلاعب بالتقنية بأي صفة كانت. ولنحرص جميعنا على حسن استخدام التقنية حتى نستفيد من فوائدها ومنجزاتها غير المنتهية. وفي هذا ضرورة حتمية لأن مستقبل الحياة يتطلب ذلك...