هل يمكن أن يقدم الذهب علاجاً لمشكلة التضخم على مستوى العلاقات التعاقدية بين الأفراد

الدكتور محمد القري

 

                                

 

  السبت, 17 أغسطس 113 ، 10 شوال 1434                                         

الصفحة الرئيسية

محاضرات عامةالسيرة الذاتية

سؤال وجوابالتدريسالبحوث

الروابط

الكتب

خطب

 

 

هل يمكن أن يقدم الذهب علاجاً لمشكلة التضخم

على مستوى العلاقات التعاقدية بين الأفراد

 

 

 

1- المقدمة :

    إن التضخم ، وهو الوضع الذي تتدهور فيه القوة الشرائية للنقود بسبب الارتفاع المستمر في الأسعار ، هو أحد الحقائق الاقتصادية المعاصرة . وان الآثار السيئة التي تتولد عن الأوضاع التضخمية هي مما لا يخفى ، على أي فرد  في هذا الزمان . وسواء كانت تلك الآثار على صفة اختلال في ميزان العدالة بين الدائن والمدين ، أو التشويش على قرارات الادخار والاستثمار أو إيجاد حاله يتفادى فيها الناس الدخول في التزامات طويلة الأجل (إلا بالربط بالفائدة الربوية) ، فإن الحاجة إلى إيجاد حل "إسلامي" هو من الأمور التي تكتسب أولوية أساسية في مجالات البحوث الفقهية والاقتصادية التي تقدم حلولاً للمشكلات المعاصرة تكون متفقة مع تعاليم الشريعة السمحة .

    ولقد إجتهد، فيما مضى، كثير من الباحثين المتخصصين في العلوم الشرعية والاقتصادية في محاولة تصميم طرق مشروعة لمواجهة التضخم واقتراح سياسات يمكن أن تعالج من خلالها آثاره السيئة ولم تتمخض تلك الجهود إلا عن نجاح محدود. إن أي إقتراح بالحل فائدة، لا بد أن يتوافر على عدد من الشروط:-

 

1- أن يكون حلاًّ قابلاً للتطبيق بتكاليف يسيرة ، لأنه وإن ظهر إنه يحقق العدل في صيغته النظرية لا يكون صالحاً لتحقيق مقتضيات العدالة في التطبيق إذا كان يترتب على ذلك تكاليف باهظة . فمثلاً يمكن أن يقال إن على الأطراف المرتبطة بعلاقات تعاقدية يتمخض عنها إلتزامات مالية متراخية في الزمن ، أن يحتكموا ، في حالة وقوع التضخم إلى القضاء ، ثم ينظر القاضي في حيثيات المسألة وحجم الضرر الذي وقع على الدائن من جراء التضخم فيحكم بالتعويض المناسب . هذا الحل ليس صالحاً لأن تكاليفه  التطبيقية باهظة . ذلك أن مراجعة المحاكم وملاحقة القضايا من خلال المحامين والجهات القضائية والتنفيذية تجعل البديل الآخر ، وهو تحمل ضرر التدهور في القوة الشرائية للنقود ، في أكثر الأحوال ، أقل كلفة . ذلك لأن المدعي إذا اعتمد هذا الطريق ربما إنتهى إلى تحمل ، مصاريف القضية التي خسرها أو كسبها في المحكمة والتي تكون غالباً أضعاف حجم التدهور في القوة الشرائية  في المحكمة . فاقتراح المحاكم كوسيلة لحل مشكلة تدهور القوة الشرائية للنقود غير سديد من الناحية التطبيقية .

 

2- أن يكون حلاًّ قابلاً للتنفيذ في الحالات العادية من قبل المتعاقدين أنفسهم بصورة ميسرة ومباشرة متى حصل الرضا بينهم على تطبيقه . على ذلك فان الاقتراحات التي تحتاج إلى تدخل الجهات التنفيذية (كالشرطة) ليست حلولاً عملية ولا تنهض بالحاجة إلى علاج مشكلة تدهور القوة الشرائية للنقود في العلاقات التي تولد حقوقاً وإلتزامات مالية في المستقبل .

 

3- أن يكون الحل المقترح حسن المآل ، ذلك أن أكثر سبل معالجة آثار التضخم على العلاقات التعاقدية بين الأفراد تئول إلى الربا أو الغرر.

 

    (أ)  من ذلك مثلاً الربط القياسي بمؤشر تكاليف المعيشة ، فإنه يؤدي بالضرورة إلى زيادة مبلغ الالتزام المالي بطريقة لا تختلف على الزيادة الربوية في القروض والديون ، ولذلك فإن القول بجواز مثل ذلك الحل لا يترك لنا مجالاً للقول بحرمة الفائدة المصرفية أو أنها من الربا إذ لا فرق بينهما ، فالفائدة هي زيادة شبيهة بالربط القياسي وهي في أكثر أحوالها تقل عن مستوى التدهور في القوة الشرائية للنقود.

    (ورب قائل إن الأسعار ترتفع وتنخفض ، ومن ثم فالربط القياسي بمؤشر تكاليف المعيشة لا يعني بالضرورة الزيادة إذ يحتمل الزيادة كما يحتمل النقصان، وبذلك إفترق الربط بالمؤشر عن الفائدة . هذا القول غير سديد . ذلك لأن  مستوى الأسعار في العصر الحديث وعلى مدى عقود كثيرة ماضيه لم يكن يتجه إلا إلى الزيادة ولم تعرف حالة انخفضت فيها معدلات الأسعار . نعم أنها ربما ترتفع بمعدلات عالية أو ترتفع معدلات متدنية ، أما أن تنخفض فهذا إحتمال نظري فقط لا يحصل ) .

 

    (ب) وأن لا يؤدي إلى الغرر . مثلاً إن اقتراح الربط القياسي بمؤشر تكاليف المعيشة في الديون التي تولدت عن البيع الآجل ، يترتب عليه جهالة في الثمن . لأن سعر البيع لن يعرف عندئذٍ إلا في نهاية العقد (لأن الأقساط تتغير بتغير مستوى الأسعار) فكل بيع ربط الثمن المؤجل فيه بالمؤشر هو من بيوع الغرر المنهي عنها .

 

4- أن يكون الحل المقترح  مقبولاً من الناحية الشرعية ومن الناحية الاقتصادية، فالأولى لأن الحل المقترح الذي لا يكون مستوفياً لشرائط الحِل لا خير فيه . والثانية لأنه إذا كان متناقضاً مع المسلمات الاقتصادية ، إنتهى إلى الفشل في التطبيق .

 

5- أن لا يؤدي الحل المقترح إلى هدم الاجتهادات المعاصرة التي وقع إجماع الفقهاء عليها في العصر الحديث ، مثال ذلك التشكيك في ثمنية النقود الورقية. إن مثل هذا الاتجاه له خطره الذي يجب الحذر منه . ذلك أن حلاًّ لمشكلة التضخم إذا تضمن القول في الحال أو المآل أن النقود الورقية ليست أثماناً ، فانه ، وإن عالج مسألة التظالم بين الدائن والمدين ، إلا أن المفاسد المترتبة عليه أسوأ من ذلك بكثير إذ يتفرع عليه أن الربا لا يجري في هذه النقود الورقية، وان لا زكاة فيها إلا ما كان من عروض التجارة ، وأنه يجوز الإسلام فيها وبيع بعضها ببعض متفاضلاً نقداً أو نساءً . فنكون كالمستجير من الرمضاء بالنار .

 

     بناءً على ذلك كله فإن الحل الذي نراه مستوفياً لكل ما ذكر هو :

    تعيين الحقوق والالتزامات الآجلة بالذهب ، إما عند التعاقد أو عند الوفاء والرد . وهذا الحل ، الذي سنفصل فيه أدناه ، بعيد عن الكمال . فهو وإن كان مستوفياً للشروط المذكورة أعلاه "بالجملة" إلا أنه يتضمن بعض المشكلات الشرعية والعملية التي تحتاج إلى نظر وإلى إقتراح الحلول لها . لكنه "أهون الشرين" و "وأدنى المفسدتين" .

 

2- توصيف الحل المقترح

 (أ)  يمكن لطرفي عقد يولد التزامات مالية آجلة ، في ظل وضع اقتصادي يتسم بالتضخم ، أن يتفقا على تعيين الالتزام المالي المذكور بالذهب ، فإذا باع التاجر سلعة أو عرضاً من العروض بالأجل ، وكان يخشى أن يؤدي التضخم إلى تدهور القوة الشرائية للنقود فتكون الأموال التي يستلمها عند حلول الأجل ضئيلة القيمة مقارنة بزمن التعاقد على البيع ، فله أن يبيع بالذهب ، كأن يكون الثمن مائة ألف ريال تجب بعد عام ، فيقول :   بعتك هذه السيارة برطلين من الذهب عيار 24 قيراط (نقاوة 99,9) . لأن سعر الرطل اليوم هو 000ر50 ريال . فيكون الثابت في ذمته المدين عندئذ هو الذهب . فإذا حل الأجل ، فان كان قادراً على أن يسدد له الدين ذهباً فذلك أوفق ولكنه في غالب الأحوال غير مستطيع لذلك . فله عندئذ أن ينظر كم ثمن الرطل بالريالات في تاريخ التسديد فان وجد أنها 000ر110 دفع له ذلك المبلغ وإن وجد أنها 000ر90 دفع إليه ذلك المبلغ ويكون ذلك كله بالشرط بينهما([1]) . فالجديد فيما نقترح هو إشتراط المدين على الدائن أن التسديد سيكون بالعملة الورقية وليس بالذهب ، مع ثبوت الدين في ذمته بالذهب (وسنأتي فيما بعد للإشكال في هذه المسألة) .

 

 (ب) كما يمكن لطرفي عقد يرتب التزاماً مالياً آجلاً لأحدهما على الآخر  بمبلغ معين بالنقود الورقية ، أن يشترط أحدهما على الآخر أنه إن شاء رد المبلغ إلى القيمة ، وهي ما يساويه ذهباً في يوم التسديد فينظر كم كان ثمن الذهب يوم التعاقد ثم يسدد المبلغ إن استطاع بالذهب وإن لم يستطع فبالنقود الورقية ، ولكن بما يساوي قيمة ذلك الذهب في يوم السداد ، فمثلاً إذا وجد أن القوة الشرائية للنقود متدنية في يوم السداد مقارنة بيوم اقرضه ، عندئذ يقول الدائن للمدين كانت تلك المائة ألف  تساوي يوم أقرضتك رطلين من الذهب ، فالآن تدفع لي من الريالات ما قيمته رطلان من الذهب وهكذا .

 

3- اعتراضات ودفعها :

أ) - الاعتراض :

    أن الذهب لم يعد نقوداً فكيف لنا أن نبرم به العقود ؟

والجواب عن ذلك :

هذا القول يحتمل أمرين :-

الأول  : أن الثمنية قد زالت عن الذهب فلم يعد يصلح ثمناً في البياعات .

والثاني : أن الذهب لم يعد وسيطاً للتبادل لأن الناس لا عهد لهم اليوم بنقود ذهبية .

 

أما القول الأول فهو مردود ، لأسباب منها :

أولاً:  إن الثمنية هي مجرد القابلية لأن يكون العرض ثمناً وليس بالضرورة كونه نقوداً يتداولها الناس وهذا موجود في الذهب حتى يوم الناس هذا. إن الشك في ثمنية الذهب مبعثه توقف الناس عن التعامل به كنقود. إلا أن توقف الناس عن التعامل به كنقود لا يعني إنتفاء الثمنية عنه. فالمؤرخون قد سجلوا أن الذهب إختفى من التداول لسنوات كثيرة في تاريخ المسلمين حتى إنتشر العمل بالفلوس وأصبحت هي السكة الغالبة كما روى المقريزي وغيره. فلم يقل أحد بسبب إختفائه عندئذٍ عن الأسواق وتوقف الناس عن التعامل به كنقود أن الثمنية قد زالت عن الذهب فلا مبرر للقول بها اليوم. والواقع أن الثمنية يمكن أن تتوافر على أي سلعة فتصبح ثمناً. وقد مر في تاريخ الناس أنواع كثيرة من النقود التي كانت أثماناً في عقود المعاوضات عندهم. لكن الفرق بين سلعة وأخرى هو في كفاءة نهوض السلعة بوظيفة الثمنية. لا ريب أن الذهب، مثله مثل النقود الورقية ذا كفاءة عالية جداً. لكن الذهب يتفوق على النقود الورقية في جوانب كما سيأتي تفصيله. على ذلك يمكن القول أن الثمنية لا تزول أبداً عن الذهب.

ثانياً : ومنها أن القول بزوال الثمنية عن الذهب، وإن كان غير سديد من الناحية الاقتصادية إلا أنه بالغ الخطورة من الناحية الشرعية. ذلك أن مثل هذا القول يتفرع عليه أن علة الربا في الذهب قد زالت، ولا علة في الربا إلا الثمنية. لكن هذا القول (أي أن علة الربا هي الثمنية) هو الذي بناء عليه قيل بتعدي علة الربا من الذهب إلى النقود الورقية لاشتراكها معه في هذه العلة. فإذا زالت العلة من الأصل فكيف تبقى في الفرع الملحق به؟ عندئذ نكون قد قلنا إن الربا لا يقع في النقود الورقية فاستبحنا الفائدة وهذا جد خطير .

 

أما القول الثاني :

 فصحيح أن الذهب لم يعد نقوداً في أيدي الناس ، إذ هو ليس وسيطاً للتبادل اليوم . لكن هذه الحقيقة لا توصل إلى النتيجة التي أرادها المعترض لأسباب:

    أ- مع أن الذهب لم يعد وسيطاً للتبادل إلا انه لا يزال يعد نقوداً ، بل هو أصل كل النقود . لذلك نجد أن القوانين المصرفية التي تنص ، في أكثر الدول، على أن البنوك غير مسموح لها أن تتعامل إلا بالنقود، تمنع ، تلك القوانين ، المؤسسات المصرفية من إمتلاك أي سلعة أو عقار أو أصل غير نقدي كالأسهم أو المتاجرة بها ، إلا أنها لا تمنعها من المتاجرة في الذهب والفضة لأنها لا تزال تعدها من النقود .

    ب- ومنها أن الذهب انما وسيطاً للتبادل أو لم يكن كذلك لا ينبني عليه حكم شرعي ، إذ الحكم يبنى على مسألة الثمنية التي أثبتناها أعلاه فليس لقول من قال إن علة الربا في الذهب هي كونه وسيط للتبادل أي مستند شرعي . ولذلك لا ثمرة للقول بأن الذهب ليس وسيطاً للتبادل .

 

ب- الاعتراض :

    إذا كان للذهب ما ذكرتم من أهمية وتفوق فلماذا ترغب الدول الكبرى عنه ؟ ولماذا تركته الولايات المتحدة وأعتمدت الدولار الورقي ؟

والجواب عن ذلك :

    أن الدولة التي تنجح في فرض عملتها على العالم فتصبح عملة تمول بها التجارة الدولية تحصل على فوائد عظيمة هي ما يسمى بعوائد الإصدار . فلننظر إلى بلد كالولايات المتحدة ، إنها تستطيع أن تحصل على مليون برميل من النفط بدفع مبلغ 18 مليوناً من الدولارات إلى المنتج في دول الخليج . إن النفط سلعة حقيقية تكبدت الدول المنتجة لاستخراجه من باطن الأرض تكاليف حقيقية من ساعات عمل وإستثمارات في استكشاف وحفر آبار وتطوير حقول وأنابيب لنقل البترول ...الخ . لكن كم كلف الولايات المتحدة طبع أوراق نقدية تساوي 18 مليوناً؟ لم يكلفها أكثر من الورق والحبر ( ولا تزيد تكلفة طباعة الورقة النقدية ذات الألف دولار عن سنت واحد أما إذا كانت حسابات مصرفية فالتكلفة أقل من ذلك ) والنتيجة هي أن الولايات المتحدة تستطيع أن تعيد توزيع الثروة على مستوى العالم لصالحها فهي تحصل على سلع حقيقية مقابل إصدارها للنقود الورقية لسبب أن نقودها أصبحت عملة دولية (لا تستطيع دولة مثل جيبوتي أن تفعل مثل ذلك إذ لا أحد يحتاج إلى عملتها على المستوى الدولي) . هب أن العالم عاد مرة أخرى إلى التعامل بالذهب . عندئذ فإن الولايات المتحدة حتى تصدر 18 مليون دولار يجب أن تحصل على ما يساويها من الذهب ، ولا تستطيع الحصول على ما يساويها من الذهب إلا بأن تصدِّر إلى الخارج أولاً سلعاً حقيقية (سيارات طائرات...الخ) مساوية لتلك الكمية من الذهب . عندئذ لن تستطيع الحصول على سلع حقيقية إلا مقابل سلعة حقيقية. والنتيجة أن الثروة على مستوى العالم لن تتركز في الدول الغربية بل ستنتشر في كل العالم وهذا ما لا ترضاه الدول القوية . ورب قائل لم لا تفعل كل الدول ما تفعله الولايات المتحدة ؟ والجواب عن ذلك معروف ‍‍‍! .

 

ج- الاعتراض :

    إن سعر الذهب متقلب  غير مستقر فكيف يكون علاجاً لعدم استقرار الأسعار؟

والجواب عن ذلك أن يقال :

    إن القائل بأن سعر الذهب متقلب غير مستقر هو أشبه ما يكون براكب السفينة يصاب بدوار البحر فيقول إن السفينة ثابتة في محلها والبحر يجري عن يمينها وشمالها . فالذي يتقلب في واقع الأمر ليس الذهب بل هو العملات الورقية. فعندما خرجت الولايات المتحدة من ارتباط الدولار بالذهب في سنة 1971م كانت الأونصة من الذهب تساوي 35 دولاراً أمريكياً ، وفي سنة 1980م وصل سعر الأونصة من الذهب 825 دولاراً . فرب قائل إن الذهب قد إرتفع سعره ، ولكن لماذا يرتفع سعر الذهب والكمية الموجودة على مستوى العالم كله من الذهب لم تزد خلال الفترة المذكورة حتى بنسبة 1% كما أنها لم تنقص ، بينما أن كمية الدولار التي أصدرتها الحكومة الأمريكية وولدها النظام المصرفي الأمريكي قد تضاعفت مرات عديدة خلال تلك الفترة. إذن لم يرتفع سعر الذهب بالدولار بل انخفض سعر الدولار بالذهب .

    ولتوضيح المقصود إليك المثال التالي : كان سعر كيلو الطماطم في مدينة جدة في يوم الثلاثاء ريالاً واحداً ، والكمية المعروضة من الطماطم هي 50 طناً . ثم زاد المزارعون جلبهم للطماطم إلى هذا السوق ، فأضحت الكمية المعروضة في يوم الخميس 250 طناً ، وانخفض السعر فصار خمسة كيلو غرامات بريال واحد ، فهل يقبل من أحد المزارعين أن يقول : لقد ارتفع سعر الريال فكنا نحصل على ريال مقابل أن نقدم كيلو واحد من الطماطم ، أما اليوم فيجب أن نقدم خمسة كيلوغرامات لنحصل على ريال واحد لارتفاع سعره ؟ هذا لا يكون، لأن الذي تغِّير هو الطماطم وليس الريال . وكذلك الحال في الذهب ، فالذي تغير بالانخفاض والارتفاع هو النقود الورقية .

    إن الحقائق التاريخية التي لا مراء فيها ولا جدل إنه كلما استخدم الإنسان الذهب إستقرت الأسعار وكلما خرج من الذهب إلى نقود أخرى بدأت التقلبات التي لا يقضي عليها إلا بالعودة إليه ، فمن ذلك :

1- كانت الأسعار ثابتة تقريباً في الفترة 1717-1934م عندما كانت بريطانيا تتبنى نظام الذهب .

2- كانت الأسعار في سنة 1933م (عندما أوقفت أمريكا العمل بالذهب) في الولايات المتحدة لا تكاد تختلف عنها في سنة 1791م عندما ربطت الولايات المتحدة نقودها بالذهب .

3- ولم يحدث أن تغيرت الأسعار تغيراً كبيراً ومستمراً في إبان استخدام المجتمعات للذهب كنقود إلا في فترة قصيرة عندما أكتشفت القارة الأمريكية  وتدفق منها الذهب إلى العالم القديم. وحتى عندئذ كانت الأسعار ترتفع سنوياً  بما لا يزيد عن 9ر1%([2]) ، وهي نسبة لا تقارن بما نراه اليوم . (ويجب أن نفرق في يوم الناس هذا بين الذهب (كمعدن) وبين شهادات الذهب . ذلك أن الأخيرة هي سندات معتمدة على سعر الذهب ولكنها لا تتضمن الالتزام بتسليم كمية الذهب إلى حاملها ، وقد إخترعتها البنوك لغرض المقامرة على التغيرات في السعر ، وسعر الذهب في الشهادة مختلف عن سعر الذهب كمعدن لأن الشهادة هي وسيلة الغرض منها المخاطرة ومن ثم فما نتحدث عنه هنا هو سعر المعدن القابل للتسليم وليس الشهادات المبنية على الذهب) .

 

د- الاعتراض :

    ذا كنا نسعر بعملة أخرى ولا نقبضها عند حلول الأجل فلماذا لا نتبنى أي عملة ورقية ثابتة بدلاً عن الذهب وما الفرق بينه وبين الدولار أو الاسترليني أو سلة من العملات أو عملة وهمية كالدينار الإسلامي ؟

والجواب :

    أن هذه مسالة هي غاية في الدقة والأهمية فالذهب ليس كسائر النقود والعملات . ولكم فرح الاقتصاديون ( أو بعضهم) لقول الفقهاء القدامى إن الحجرين (الذهب والفضة) هما نقود بالخلقة  ذلك أنهما ، وبخاصة الذهب يتميزان بأمور لم تتوافر على أي شيء آخر مما خلق الله من الجمادات وإليك التفصيل :-

    قد ذكرنا آنفاً أن كل سلعة يمكن أن تكون وسيطاً للتبادل . ولقد إستخدم الإنسان في تاريخه القديم القمح والأرز والتبغ والجلود والحيوانات ...الخ كوسيط للتبادل  . لكن الكفاءة النقدية تختلف من سلعة إلى سلعة . وربما تميز الذهب على القمح والشعير والجلود بسهولة الحمل والتخزين وأنه لا يتلف ...الخ لكن جميع هذه الميزات متوافرة على النقود الورقية بل هي أسهل في الحمل من الذهب وأقل تكلفة في الخزن وتلك أهم المبررات لترك الذهب والاعتماد على العملة الورقية . لكن الميزة التي يتفوق بها الذهب على كل أنواع العروض والنقود الأخرى ، بما فيها النقود الورقية ، هي أن الكمية المعروضة منه محدودة تماماً في الأجل القصير ولا تزيد في الأجل الطويل إلا بنسبة ضئيلة جداً وغير قابل للصنع فلا يمكن زيادة عرضه في الأجل القصير . وبخلاف المعادن الأخرى فليس للذهب استخدامات تخرجه من نطاق العرض، ولذلك فإن الزيادة فيه لا تأتي إلا من خلال اكتشاف مناجم جديدة وهو أمر لا يتحقق إلا في الأجل الطويل .

    إن محدودية العرض الكلي هي أهم ميزة في أي وسيط للتبادل (نقود) . بل أن كل ما حققه الإنسان من إجراءات حديثة مثل إنشاء البنوك المركزية وإعطاءها الصلاحيات المطلقة (كما في ألمانيا مثلاً) وتصميم السياسات النقدية، بل حتى إنشاء صندوق النقد الدولي في فكرته الأساسية (لأنه تحول الآن في أغراضه) الهدف الأساسي من كل ذلك هو السيطرة على العرض الكلي من النقود ، وهذا أمر متوافر على الذهب بالخلقة ( وهذا هو معنى كلام الفقهاء) وقد ذكر الاقتصادي الشهير ملتون فريد مان في معرض تدليله على أن هذه الميزة هي أهم عنصر في أي نقود ، ذكر كيف أن الروس بعد قيام الثورة البلشفية بسنوات كثيرة عادوا إلى التعامل بالروبل القيصري مع علمهم الكامل بأن القيصر قد قتل وأن حكمه قد ذهب إلى غير رجعة ، وكان ذلك بسبب واحد وهو يقينهم إن الكمية الكلية من روبل القيصر لن تزيد فتميزت بمحدودية العرض بينما أن عملة البلاشفة تتزايد كميتها يومياً لكثرة إصدارهم النقود بلا رصيد . لعل مما يلفت النظر أن أكثر العملات استقراراً اليوم هي تلك التي ارتبطت مع الذهب بطريقة أو بأخرى فالفرنك السويسري لا يزال هو العملة الوحيدة التي ينص قانون إصدارها بضرورة تغطيتها بالذهب بما لا يقل عن 40%([3]) فلا غرابة انها أكثر عملات العالم استقراراً .

    من كل ذلك نقول أن الدولار والين والجنيه الاسترليني وما بني عليها من حقوق السحب الخاصة أو الدينار الإسلامي تتضاءل في نقديتها أمام الذهب لأنها جميعاً أدوات في يد الساسة الذين يزيدون المعروض منها متى شاؤا . وعندما نتحدث عن الذهب فإننا نقصد معدن الذهب وليس شهادات الذهب كما فصلنا في ذلك آنفاً .

 

هـ - الاعتراض :

    إذا كان الغرض هو تعويض الدائن عن انخفاض القوة الشرائية للنقود ، وهي إنما تنخفض بسبب ارتفاع الأسعار فالأفضل أن يكون الربط بمؤشر تكاليف المعيشة ، وليس بالذهب .

والجواب عن ذلك  :

    يتلخص في عدة نقاط ، الأولى ان مؤشر تكاليف المعيشة ليس إلا أداة تقيس مستوى الأسعار في الماضي وليس اليوم فهي إذا حددت اليوم فانها تقول إن الأسعار خلال العام الماضي (أو الفصل الماضي وهي لا تصدر بمدة أقل من ذلك) قد ارتفعت عن السنة السابقة لها ، ولذلك فهي لا تعطي مقياساً لمستوى الأسعار اليوم فكيف نربط تسديد الديون التي ندفعها اليوم بمستوى أسعار العام المنصرم وما مبررات ذلك . والثانية ، إن مؤشر تكاليف المعيشة هو أداة لا تخلو من التميز ولطالما اختلف الساسة في البلدان الغربية حول نتائج هذا المقياس . ذلك إنه مؤشر يدل على نجاح السياسة الاقتصادية وفشلها ، ولذلك إذا حدد بمستوى معين أدعى من كان على سدة الحكم ان الواقع أقل من ذلك، وادعى من ينافسه في الانتخابات ان الواقع أكبر من ذلك ولكل دليله وأرقامه . وقد ذكرنا في أماكن أخرى كيف ان هذا المؤشر لا يعتمد عليه إلا (كمؤشر) ، ولم يكن قط ميزاناً دقيقاً . ثم ثالثاً ان مستوى الأسعار بحسب هذا المؤشر هي دائماً نحو الارتفاع . فان العالم لم يعرف منذ نحو مائة سنة إلا الارتفاع في الأسعار . ربما إلى الانخفاض . ولذلك فالربط بمؤشر التكاليف معناه زيادة كل الديون والقروض دائماً زيادة معتمدة على الوقت وهذا هو ربا النسيئة المقطوع بحرمته .

    أما الذهب فأمره يختلف . فهو لا يمكن أن تسيطر عليه دولة بعينها أو يستخدمه الساسة في أي بلد لمصالحهم لا سيما في يوم الناس هذا وقد أصبحت عملات القوم غير مرتبطة مباشرة بالذهب . والتقلبات في أسعار الذهب هي إلى الأعلى أحياناً وإلى الأدنى أحياناً أخرى ولذلك لا يمكن القول ان الربط به سيؤدي دائماً إلى زيادة الديون والقروض بل هو سيربطها بأصل كل نقد وهو الذهب .

 

و- الاعتراض :

    القاعدة أنه لا يثبت في ذمة المدين في القرض إلا ما قبض ، واشتراط الرد بعملة أخرى من الشروط التي لا تجوز في القرض . كما أن رد الدين (في البيوع الأجلة) بغير العملة التي ثبت بها في ذمة المدين جائز بالتراضي بينهما عند الوفاء على أن يكون بسعر يومه (أي بسعر يوم الوفاء) ولا يجوز اشتراط ذلك في أصل العقد لأنه يحدث جهالة في الثمن ، وعندئذ فان الحل المقترح غير جائز من الناحية الشرعية في القرض ولا في البيع الآجل .

والجواب عن ذلك أن يقال :

    نحن لم نخرج عن كلام الفقهاء القدامى الذين قالوا يكون الرد إلى القيمة . والقيمة عندهم هي الذهب ونحن نرد إلى الذهب فالقول المفتي به عند الحنفية([4]) وهو قول عن الشافعيه([5]) ورواية عن أحمد([6]) أنه :

    إذا أخذ الرجل النقود من غير الذهب والفضة قرضاً أو إشترى بها ثم تغيرت قيمتها أو كسدت قبل قبضها يرد قيمتها يوم القبض بالذهب أو الفضة فلو اقترض 100 من الفلوس ثم أراد ردها وقد كسدت أو تغيرت قيمتها ينظر كم كانت قيمتها عند القبض فإذا كانت تساوي دينارين من الذهب فإنه يرد إليه من الفلوس ما قيمته ديناران من الذهب ، فإذا كان الديناران يساويان يوم السداد 120 فلساً وأراد أن يرد فلوساً كان عليه دفع مبلغ 120 فلساً وهذا بالضبط ما نقترحه في هذه الورقة . فإننا نقول إن الذهب لا يزال نقود المسلمين .

الحواشي

1- أما بغير شرط فذلك جائز بناء على حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما .

2- Alberto Quadrio - Curazio

The Gold problem : Economic perspectives procceding of the world conference on gold held in Rome 1982 Oxford Univ. Press 1982 P.152

3- Barry Eich engreen

The Gold standard theary and history . Methuen ,NewYork 1985 P.253

4-  حاشية ابن عابدين (4/24) .

5-  المحلي على المنهاج وحاشية القليوي (2/259) .

6- وهو المنصوص عن أحمد بن حنبل قال الأثرم "سمعت أبا عبدالله عن رجل له على رجل دراهم مكسره أو فلوس يكون له عليه بقيمتها من الذهب" المنح الشافيات بشرح المفردات (ص 390) . 

 

   Privacy Policy      Webmaster Elgarisite@hotmail.com        www.elgari.com 2002  جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور محمد القري ©