هل لأموال المساهم ضمانات كافية؟

د. عبد القادر ورسمه

تم النشر اليوم الخميس الموافق 8 مايو 2014 جريدة عمان الملحق الاقتصادي ص 6

هل لأموال المساهم ضمانات كافية

 

نظرة سريعة علي مؤشر حركة البورصات توضح أن الاستثمار في أسهم الشركات يجذب الأموال و يأتي كل مساهم بما لديه من أموال لشراء الأسهم ثم البيع ثم إعادة الشراء و هكذا تنشط البورصات و يزيد الاستثمار في سوق الأسهم ، و مع هذا تكبر الشركات وتزيد أرباحها وتتداخل كل النشاطات الاقتصادية و تتلاحم في بعضها . و أيضا يأتي مساهمون جدد لشراء الأسهم و الاستثمار فيها بحثا عن الربح والمزيد من الفوائد ، و من كل هذا تحدث التنمية الاقتصادية و الاجتماعية كما نري في العديد من الدول التي ترعي الاستثمارات المالية و تضع لها الأرضية المناسبة للنمو و التفريخ المنتج ، حتى أن ميزانية بعض الشركات أصبحت أكثر من ميزانية بعض الدول ، و هذا بفضل جهود أصحاب الأسهم الملاك .

و لكن ، دائما ما تصلنا أسئلة كثيرة من الراغبين في الاستثمار في أسهم الشركات ، هل هناك ضمانات كافية لأموالنا عندما نشتري الأسهم ؟ و نجيب بالقول القاطع بأن البنية التشريعية للاستثمارات المالية ، و خاصة في الأسهم ، تشمل عدة ضمانات تشكل في مجموعها سياجا كافيا واقيا لأموال المساهم المستثمر في أسهم الشركات بجميع أنواعها و خاصة الشركات المساهمة و المدرجة في أضابير البورصات و يتابع أخبارها الجميع .

نقول أن أول الضمانات توجد في يد المساهم نفسه ، و ذلك من حيث أن المساهم يتمتع بالقوة القانونية التي تمكنه من اختيار إدارة الشركة ، وهو يملك هذا الحق بصفته حاملا لبعض الأسهم في الشركة . و إذا التزم هذا المساهم وعمل بحرص علي اختيار الإدارة المؤهلة و المقتدرة و الأمينة لإدارة الشركة فهذا بداية الضمان لأموال المساهم لأن الشركة في يد القوي الأمين . و هل هناك ضمان أكثر من هذا ؟ بل القانون يذهب نحو الميل الإضافي و يمنح المساهم الحق ، و كل الحق ، في متابعة أداء من قام باختيارهم وتكليفهم بإدارة الشركة و هذا الحق مكفول لأصحاب المال طيلة فترة تملكهم للأسهم .

و يمكن عبر هذا الحق ،  تقويم أداء الإدارة و توجيهها لتنفيذ أغراض الشركة و كذلك عزلها إذا دعي الأمر بل و مقاضاتها جنائيا أو مدنيا لدفع التعويضات المالية الضرورية لتغطية الخسائر التي تكبدها المساهم بسبب الإخفاق أو خيانة الأمانة أو الفشل المتعمد في تأدية المهام الموكولة . كل هذه الصلاحيات و ما يرتبط بها من واجبات  منحها القانون لأصحاب و حملة الأسهم و عليهم الحرص علي الاستفادة من هذا المنفذ القانوني الهام لضمان حسن الأداء و بالتالي ضمان أموال المساهم الذي يتأتي من حسن إدارة الشركة . و من هذا يتضح ، أن "رافع السوط" الأول لضمان تقويم الأداء في الشركة هو صاحب الأسهم بنفسه و لذا عليه أن يدرك متى يرفع "الجزرة" و متى يرفع "السوط" و من هذه المعادلة يأتي الضمان الأكبر لأموال المساهم .

إضافة للسلطات الإدارية العامة التي ذكرناها ، يجوز للمساهم و عبر البدائل القانونية المتوفرة الاطلاع علي "مصير أمواله" و معرفة "أين تسير؟" و يجوز له إلقاء نظرة فاحصة علي حسابات الشركة و البيانات المالية و الموازنات و كيفية إدارة الصرف و الدخل من أرباح أو خسائر . من كل هذا ، و بموجب القانون و الواقع ، يتضح أن أرقام و بيانات الشركة تظل مكشوفة أمام المساهم كما يمكنه طلب المزيد من المعلومات المالية و المحاسبية و الاستفسار عن المشروعات القائمة و المدرجة تحت التجهيز و ما يتعلق بإبرام العقود و تنفيذها و ما تأخذه الإدارة من المكافآت و البونص و غير هذا و ذاك... فهل قام المساهم بهذا الواجب عبر البدائل الموجودة له في القانون ، و هي كثيرة و متعددة ؟ إذا فعل ذلك الواجب سيجد أن أمواله في ضمان و "مضمونة" بمتابعته و حسن تصرفه ، و إذا كان المساهم ساهرا علي ماله فقطعا ستكون إدارة الشركة "مجبورة" علي السهر . و لقد حضرنا الكثير من اجتماعات أصحاب الأسهم مع قمة إدارة الشركة و شاهدنا فيها "الويل" و كيف يمكن لأي مساهم أن يجعل "الكراسي ساخنة" بل ساخنة جدا .

و الضمانات القانونية للاستثمار في أسهم الشركات متوفرة في عدة تشريعات من أهمها قوانين الشركات و قوانين البورصات و هيئات أسواق المال و ضوابط حوكمة الشركات و غيره ، و كل هذه التشريعات تمنح المساهم عدة حقوق قانونية لضمان استثماراته و تلزم إدارة الشركات بالعمل النزيه و إتقان التنفيذ طيلة فترة توليهم المسئولية مع ضرورة الالتزام بتوفير الشفافية المطلوبة التي تمكن المساهم من الإلمام الكافي بكل ما يدور حوله و حواليه ... و الغرض من كل هذا هو حماية المستثمر و حماية أمواله و أسهمه . و لذا ، نلاحظ حمي شراء الأسهم التي تقود إلي التدافع في البورصات بغرض الحصول علي الأسهم و نيل عوائدها و فوائدها . و ما انتشار هذه "الحمى" إلا دليل كافي يبين وجود الضمان لأموال الأسهم ، كل الأسهم .

من الضمانات الإضافية المتعلقة بحسن الأداء و ضمان سلامة التصرفات المالية للشركة أن القانون يمنح حملة الأسهم الحق في تعيين المدقق (المراجع) الخارجي لحسابات الشركة ، و يتم اختيار المدقق الخارجي من بين شركات التدقيق ذات المهنية و الدراية الكافية مع الاستقلالية في تنفيذ واجبهم و لدرجة عالية تمكنهم من معرفة أوضاع الشركة المالية المحاسبية مع تفاصيل و دخلها و مصروفاتها . و يتوجب علي المدقق الخارجي تقديم تقرير شامل عن حسابات الشركة للمساهمين ، كما يجوز للمساهمين أن يتقدموا له بكل استفساراتهم المتعلقة بالحسابات من واقع تقاريرهم أو لأي أسباب أخري . 

من واقع سلطة المساهم في تعيين المدقق الخارجي مع توفر المهنية و الاستقلالية في أعماله و رفع التقارير للمساهمين مباشرة ، يتضح أن المساهم لديه الفرصة الكافية لمعرفة أحوال الشركة و عبرها معرفة موقف الأسهم التي يملكها و كل هذا يوفر ضمان قوي لأموال المساهم . بل أن القانون ذهب أكثر من ذلك بمنحه الحق للمدقق الخارجي في دعوة المساهمين مباشرة للاجتماع في حالة الضرورة التي يراها وفق تقديره ، و من هذه القوة القانونية الإضافية للمدقق الخارجي تأتي قوة إضافية لضمان أموال الشركة ، عفوا ، أموال المساهم و غيره من المساهمين بصفتهم جميعا أصاحب أموال الشركة .

و إذا ذهبنا أكثر ، نقول أنه يحق لكل مساهم حضور اجتماعات الشركة و المشاركة فيها بدلوه ، و مساهماته مهما كانت صغيرة لا بد من أن توضع في الحسبان لأنه من ملاك الشركة ، بل من سؤال صغير قد تظهر أشياء كبيرة . و هذه الاجتماعات العامة و لمنحها المزيد من القوة تحضرها الجهات الرسمية الرقابية و الإشرافية و أولها وزارة التجارة المسئولة عن منح التراخيص لتأسيس الشركات و متابعة أحكام قانون الشركات و كل الضمانات المتوفرة فيه للشركة من جهة و لأصحاب الشركة المساهمين من الجهة الأخرى .

و إذا تبين أن إدارة الشركة غير جادة و غير أمينة فهناك إجراءات قانونية و إدارية تتمتع بها وزارة التجارة لحماية القانون و تطبيق المؤسسية . و هذه السلطات الحكومية الرقابية من وزارة التجارة ، و غيرها من الهيئات و المؤسسات الأخرى كالبنوك المركزية و هيئات أسواق المال و هيئات التأمين  و الاتصالات .... ، تحضر لمنح الثقة لأصحاب الأسهم   ولتؤمن ضمان سير الشركة وفق الضوابط القانونية و انسجاما مع المتطلبات المهنية التي تم إنشاء الشركة لتنفيذها لصالح أصحاب الأسهم و أصحاب العلاقة المرتبطة و كل المجتمع الذي تعمل فيه الشركة  و "تدور" فيه أموال المساهم . 

إضافة للتشريعات العامة التي تنطبق علي الجميع ، يجوز قانونا لأصحاب الشركة وضع كل الضمانات الإضافية الملائمة في عقد تأسيس الشركة و هذه الضمانات تأخذ قوتها من قوة العقد القانوني "الموثق" المبرم بين الأطراف ، و نلاحظ أن بعض عقود تأسيس الشركات تتناول تفاصيل كثيرة و هذا جائز عند إبرام العقد أو في أي وقت لاحق أثناء حياة الشركة .  ومما يتم الاتفاق عليه يجد المساهم بل يضع ضمانا لأمواله المستثمرة في أسهم الشركة ، و هذا يجور في كل الشركات بل أرقي الشركات.

كل هذه الترتيبات التشريعية تم وضعها في مجملها بغرض توفير الحماية للمستثمرين من أصحاب الأسهم ، و لضمان حسن وسلامة استخدام أموالهم لتعود عليهم بالفوائد. وهكذا ، ومن هذا الواقع المتدثر بالقانون يتحرك دولاب الاقتصاد و "تدور" الأسهم و "تدور" الأموال بعيدا عن يد أصحابها و لكن في ضمان و حماية المؤسسية القانونية. و لهذا نقول هناك ضمانات كافية لأموال المساهم لدرجة الاطمئنان ، و لكن هو صاحب القرار الأول و الأخير و لديه كامل الحرية في أين يتوجه و أي نوع من البذرة يزرع و أي نوع من الثمار يرغب في قطفها و متى و لماذا ...

د. عبد القادر ورسمه غالب

المستشار القانوني و رئيس دائرة الشؤون القانونية لبنك البحرين و الكويت

و أستاذ قوانين الأعمال و التجارة بالجامعة الأمريكية بالبحرين

Email : awghalib@hotmail.com

Twitter:@1awg