منح الفعالية لقوانين المنافسة

د. عبد القادر ورسمه

تم النشر اليوم الخميس 22 مايو 2104 بجريدة عمان الملحق الاقتصادي ص 8

 

منح الفعالية لقوانين المنافسة

دول الخليج أصدرت قوانين خاصة بهدف تفعيل المنافسة الشريفة في التجارة ومنع الاحتكار بكل أشكاله، وإصدار قوانين المنافسة في حد ذاته يعتبر تطورا ملحوظا في المنطقة من أجل دفع التجارة الحرة وتهيئة المناخ الصحيح لانتعاش التجارة والاستثمارات الأجنبية وتنميتها في شتي المجالات. وهذا الوضع بدوره سيفتح شهية التجار من المحليين والأجانب للعمل تحت غطاء المنافسة القانونية الشريفة، ولكل مجتهد نصيب.

ولكننا نلاحظ وجود بعض الأمور التي لا بد من أخذها في الحسبان حتى يتحقق المراد من المنافسة الشريفة وتزدهر التجارة الحرة في ظل هذه المنافسة التنافسية، وبعيدا عن تلك الممارسات الضارة التي أشارت لها قوانين المنافسة وحظرتها بل وسنت سيف العقوبات علي مرتكبيها. مع العلم أن العقوبات تكون في بعض الحالات كبيرة جدا بحيث تتجاوز الغرامات الملايين، إضافة إلي العقوبات الجزائية. والممارسات التي تؤثر علي المنافسة الشريفة كثيرة ، ولكن من الملاحظ أن بعض الشركات تبدع في التأثير علي المنافسة عبر إخفاء السلع والخدمات أو وضع قيود عليهما أو نقل معلومات غير حقيقية عن الشركات الأخرى المنافسة أو إيقاف التعامل معهم دون مبرر أو إيقاف الإنتاج للتأثير علي الطلب أو تخفيض الأسعار بأقل من التكلفة لإغراق السوق و الإضرار بالمنافسين... وهكذا، يصبح اللعب "خشن" وغير نظيف في ملعب التجارة. وأحيانا ، يكون اللعب مخالفا تماما للقانون لأن بعض الشركات من أجل الحصول علي العمل تقوم بتقديم الرشاوى وغيرها من الممارسات الفاسدة غير الشريفة. 

من الناحية المبدئية وتحقيقا لأسس العدالة الطبيعية، فلا بد من أن يتم فرض وتطبيق قوانين المنافسة علي جميع من يعمل في التجارة، أي نوع من أنواع التجارة، ومن هذا يجب المساواة بين الجميع و إلا يعتبر القانون عديم الفائدة وربما لن يتمكن من تحقيق الهدف المنشود. من أهم الحالات التي نري فيها عدم المساواة في تطبيق قانون المنافسة ما يتم حيال شركات "القطاع العام" أي الشركات الحكومية التي تم تأسيسها خصيصا لتعمل في التجارة وبالوسائل التجارية.

هذه الشركات في واقع الأمر لا يطبق عليها قانون المنافسة كما يطبق علي شركات القطاع الخاص، وهنا مربط الفرس لأن شركات القطاع العام الحكومية تعمل كما تشاء ووفق ما تشاء وأينما تشاء، ومن هذه المعاملة التفضيلية تنتهي العدالة لأن بعض الشركات لديها تمييز وحماية بل وحصانة تامة في وجه القانون. وهذا الوضع الخاص يكسر مبدأ المنافسة الشريفة ويهدمه لأن النظام المتبع يعطي الشركات الحكومية حرية العمل بدون حدود أو فواصل، وليعمل منافسها ما يشاء من أجل البقاء علي قيد الحياة أو ليترك المجال إذا ليس في مقدوره مواجهة الشركات ذات "الحصانة الرسمية".

والأمثلة كثيرة أمامنا ولا تحتاج للحصر، ولذا نري الكثير من شركات القطاع الحكومي تتحدث عن الأرباح وعن الانجازات والسيطرة الكاملة علي السوق وغير هذا من الادعاءات الترويجية اليومية. ولكل هذا نجد الشركات الحكومية في ساحة الميدان دون منافس لأن المنافسة الشريفة غير متوفرة وتظل بعض أحكام قوانين المنافسة محجوبة بل غير قابلة للتطبيق. وإذا كان هذا هو الوضع التمييزي، فلماذا في الأساس تم إصدار قوانين المنافسة وتم إنشاء مجالس لإدارتها ومفتشين لمتابعة تنفيذها ومحاكم لمعاقبة مخالفيها... وهلم جرا.

إن العدالة تقتضي المساواة في تطبيق القانون وتحقيق العدالة في التطبيق، وكل هذا مطلوب من أجل أن تكون قوانين المنافسة فاعلة ومفيدة لحماية التجارة والتجار. تحقيق المساواة لا بد منه بين كل الشركات ومهما كان ملاكها سواء كانوا من القطاع العام أو الخاص. وليتم تطبيق القانون علي الجميع، وبهذا يتم توفير المنافسة الشريفة للجميع وفي ظلها فليتنافس المتنافسون. ولذا لا بد من مراجعة "الحصانة" الممنوحة لشركات القطاع الحكومي وإلزامها بممارسة أعمالها التجارية وفق الأسس الموضوعة لتحقيق المنافسة الشريفة وهذا بدوره سيحقق منع احتكار الشركات الحكومية للتجارة و يفتح الباب أمام كل المجتهدين والمبدعين من التجار في القطاع الخاص، وهم كثر ويمتهنون التجارة "الحقيقية" لكسب العيش الشريف لهم ولأسرهم وأطفالهم ، وهم علي استعداد للمنافسة بشرط أن تكون شريفة ووفق أصول اللعب و يشرف عليها "حكم" نزيه.

النقطة الثانية تتعلق بسياسة اندماج بعض الشركات مع بعضها، واندماج الشركات في حد ذاته قد يكون مفيدا لأنه يمنح الشركة الجديدة المزيد من رأس المال والقوة والتجربة و الدماء الجديدة مما يمكنها من تقديم الأعمال والخدمات بصورة أفضل للمستهلك و للجميع. و لكن من مكمن هذه القوة قد تأتي ممارسات تضر بالمنافسة الشريفة. فهل نسمح باندماج الشركات في كل الحالات ؟ بالتأكيد ، من الاندماجات الكبيرة و من خلق الكيانات الاقتصادية الضخمة هناك بعض المؤثرات السلبية التي قد تضر بالمنافسة الشريفة لأن المنافسة في أصلها ستنعدم تماما بين العملاق والقزم. وهذه طبيعة الحياة شئنا أم أبينا ، ولذا لا بد من إعادة مراجعة الفقرات الخاصة باندماج الشركات في قوانين المنافسة والعمل علي تفصيلها بمهارة   وبحيث لا يؤثر قيام الاندماج علي المنافسة الاعتيادية الشريفة بين الشركات ويقود لخلق نوعا من الاحتكار الضار.

ولهذا نلاحظ معارك قانونية حامية الوطيس خاصة بين أمريكا من جهة وأوربا من الجهة الأخرى حيث امتنعت الجهات الرسمية في العديد من هذه الدول من الموافقة علي بعض الاندماجات ، وهم يستندون في هذا علي أن الاندماج سيخلق "بعبعا" كبيرا في السوق لا يستطيع آخر العمل معه ناهيك عن منافسته يدا بيد وقدما بقدم.

والحالات التي تم فيها رفض الاندماج كثيرة وتشمل شركات الطيران والبنوك وشركات الاستثمار والعقار والاتصالات... والقائمة تطول. وهنا تبرز أهمية دور الجهات الرقابية الإشرافية التي تضع نصب أعينها مصلحة المستهلك والتجارة الحرة قبل مصلحة الشركات الجشعة. ونقول، إن توجيه الاندماجات والتكتلات يحتاج إلي بوصلة مراقبة ذات مهنية نزيهة وفاعلة ، وعلينا وضع ضمانات في قوانين المنافسة بحيث تتم الموازنة بين مصلحة التجارة من جهة ومن الجهة الأخرى مصلحة الشركات التجارية وأصحابها من ذوي الجيوب الكبيرة التي لا تشبع و لا ترتوي مهما أكلت أو شربت.

وبالنسبة للعقوبات الواردة في قوانين المنافسة في المنطقة نلاحظ أن الغرامات ثابتة (استاتك) بالرغم من أن الضرر الذي يحدث ليس بالضرورة أن يكون ثابتا. ومن الأفضل أن تتماشي العقوبة مع الضرر الذي حدث فعليا بسبب عدم الالتزام بقوانين وأخلاقيات المنافسة مع ضرورة الأخذ في الاعتبار بحجم الشركة وحجم المبالغ والتعامل الذي قامت به مخالفة لقانون المنافسة و لوائحها... وهل يتم منح الغريم المتضرر أي جزء من الغرامة التي تم تحصيلها كتعويض له (لهم) ، ولو بصفة شكلية ، أم تذهب كل الغرامة للخزينة العامة ؟ وهل نركز علي الغرامات المالية أو العقوبات الإدارية كتقديم الإنذارات أو سحب التراخيص ؟ ربما من الأفضل دراسة هذه النقطة مع الاستفادة من التجارب العالمية وهي متنوعة وثرة ، ولكل حالة لبوسها ...

من الممارسات الجميلة التي نلاحظها، أن بعض الشركات الكبيرة تقوم بوضع لائحة "كود" للممارسات القانونية الشريفة التي تلتزم بها الشركة كالتزام أخلاقي وقانوني ومجتمعي. وهذا تطور محمود يسعي لوضع البدائل المؤسسية للالتزام بالمنافسة الشريفة والنزاهة والأمانة في جميع الممارسات وفي كل الأوقات. ونتطلع إلي أن تحذو شركاتنا هذا الحذو وتقوم بإصدار مثل هذه اللوائح والاسترشاد بها في أعمالها، وقطعا في نهاية الأمر ستستفيد الشركات من هذه التوجهات النبيلة المتصاعدة في عالم التجارة والاستثمارات.

نري أخذ هذه النقاط وغيرها ، من واقع التجارب الذاتية المعاشة ، في الاعتبار والنظر في كيفية الاستفادة منها أو تنقيحها من أجل منح المزيد من التفعيل والتفاعل لقوانين المنافسة التنافسية وذلك بغرض تطويرها لتحقيق النزاهة وتشجيع التجارة الحرة الشريفة ومنع الاحتكار والجشع وحماية الاستثمارات والمستهلك والمجتمع والاقتصاد الوطني والتجارة الدولية...  

د. عبد القادر ورسمه غالب

المستشار القانوني و رئيس دائرة الشؤون القانونية لبنك البحرين و الكويت

وأستاذ قوانين الأعمال والتجارة بالجامعة الأمريكية بالبحرين

Email: awghalib@hotmail.com

Twitter:@1awg