قرار المحكمة الأوربية لحقوق الانسان حول حقوق العامل في الشركة

د. عبد القادر ورسمه غالب

في بداية اشراقات هذا العام أصدرت المحكمة الأوربية لحقوق الانسان قرارا هاما سيكون له انعكاساته علي عقود وشروط العمل في أوربا، وقطعا سينعكس أثر هذا القرار علي بقية الدول تأثرا بما صدر من هذه المحكمة الهامة. وفي حيثيات هذا القرار قالت المحكمة الأوربية لحقو الانسان.. "أن فصل العامل بسبب استخدامه الايميل الخاص بالعمل الرسمي في مراسلات شخصية غير رسمية في اثناء ساعات العمل لا يشكل خرقا لنص المادة (8) من الميثاق الأوربي لحقوق الانسان"... أي أنه لا يشكل مساس أو تجاوزات لحقوق الانسان "العامل". وهذا الميثاق اعتمدته الدول الأوربية، وبموجبه تم انشاء المحكمة الأوربية لحقوق الانسان ومقر عملها في ستراسبورغ بفرنسا.

مقدم الشكوى للمحكمة الأوربية لحقوق الانسان، من مواطني رومانيا، وكان يعمل في وظيفة مهندس في شركة خاصة ومن ضمن مهام عمله الترويج لتسويق منتجات الشركة. وبناء علي تعليمات وطلب من رئيسه في الشركة قام بفتح حساب ايميل له في ال"ياهو" وذلك خصيصا للرد علي استفسارات عملاء الشركة الذين يتعامل معهم.

بعد عدة سنوات من العمل، وصله اخطار من الشركة بأن حساب ايميل الياهو الخاص به في الشركة كان تحت المراقبة والمتابعة لمدة من الزمن واتضح لهم في الشركة أنه كان يستخدم هذا الايميل لأغراض خاصة شخصية وغير مرتبطة بالعمل. وأفادوه أن هذا التصرف يشكل مخالفة صريحة للوائح العمل الخاصة بالشركة التي تنص صراحة بعدم جواز ومنع استخدام كافة أغراض الشركة وكل ما يتبع لها في الأمور الشخصية غير المرتبطة بالعمل، وعليه ومن واقع ما حدث منه من مخالفات تم فصله من العمل.

وقام المفصول من العمل برفع دعوي في المحاكم في بلده رومانيا ولكن القرارات صدرت ضده بأن الفصل من العمل كان صحيحا وغير تعسفي. وبعد ذلك تقدم بشكواه للمحكمة الأوربية لحقوق الانسان مدعيا انتهاك حقوقه، واجراء الذهاب لهذه المحكمة جائز بعد استنفاذ حق التقاضي في البلد المعني. وقامت المحكمة الأوربية بدراسة الشكوى وأيضا قررت أن الفصل الذي تم "صحيح" ولذا لا يشكل خرقا للميثاق الأوربي لحقوق الانسان، وأن حقوقه لم تنتهك أو تهضم أو تضار بتصرفات الشركة.

المحكمة الأوربية لحقوق الانسان قالت أن قيام الموظف باستخدام الايميل الخاص بالعمل الرسمي في أغراض خاصة شخصية وفي أثناء ساعات العمل يعتبر خطأ وفيه تجاوز وعدم تنفيذ لتعليمات ولوائح الشركة الخاصة بالعمل. وقالت الحكمة أن صاحب العمل تدخل للاطلاع علي محتويات الايميل باعتبار وافتراض أن جميع ما يحتويه متعلق بالعمل وخاص به، وأن هذا التدخل الذي يتم بغرض المسح الروتيني لمتابعة عمل الشركة يعتبر أمرا معقولا ومشروعا ولا يشكل مخالفة أو انتهاك للميثاق الأوربي لحقوق الانسان.

وأضافت المحكمة أن صاحب العمل قام بهذا التصرف بطريقة معقولة واستنادا الي سلطته الاشرافية علي العمل وفق مقتضيات قانون العمل في رومانيا والتي تمنحه الحق في الفصل عن العمل عند مخالفة التعليمات. وأضافت أيضا، أن هذا الفصل لا يخالف حقوق العامل الشخصية المتعلقة بصيانة السرية واحترام التواصل الشخصي لأن العامل يعلم مسبقا بمنع استخدام ما يخص الشركة لأي أعمال واتصالات شخصية وخصوصية، وفي مثل هذا الوضع لا يمكن الركون الي الحقوق الشخصية بسبب التجاوز المخالف للقانون ولوائح الشركة.

وبالرجوع للقانون في بعض الدول الأوربية، فيما يتعلق بهذا الموضوع، فان القانون في فرنسا مثلا يضع بعض القيود في ما يتعلق بحق صاحب العمل في مراقبة استخدام العاملين للوسائل التقنية في الشركة. ومن هذه القيود، يجب علي صاحب العمل اخطار العامل مسبقا بمدي امكانية استخدامه للأجهزة التقنية الخاصة بالشركة في أثناء ساعات العمل، واذا رأت الشركة ضرورة للمتابعة ومراقبة الاستخدام فيجب عليها مراعاة المساواة التامة بين جميع العاملين دون تمييز. هذا وبموجب القانون، يحب علي الشركة ارسال "اخطار" بهذا الاجراء لبعض السلطات الرسمية المختصة.  

وفي المانيا، يجوز للشركة منع استخدام ممتلكات وأجهزة الشركة في الأغراض الخاصة الشخصية اثناء ساعات العمل. وعلي الشركة عند حدوث التجاوزات، وقبل الفصل من العمل، التأكد من سريان قرار منع الاستخدام مع أخذ مرتبة العامل الوظيفية في الاعتبار وأيضا مقدار الزمن والتوقيت الذي تم فيه التجاوز ونوعية هذا التجاوز.

مما تقدم يتضح أن المحكمة الأوربية لحقوق الانسان تراعي حفظ الحقوق وفق القانون والاجراءات السليمة. وأن الدول الأوربية أيضا، في قوانينها، تراعي مصالح أطراف العمل بطريقة معقولة ومناسبة لأرباب العمل من جهة وللعاملين معهم من الجهة الأخري. وفي مثل هذه المراعاة تتوفر الحماية المطلوبة لحقوق كل الأطراف، وهذا بالطبع يتم اذا راعي كل طرف حقوقه وواجباته ودون تجاوز للحدود والممارسات السليمة المطلوبة من الجميع علي قدم المساواة.. ومن هذا يتم توفير البيئة الصحية والسليمة للعمل في أي مكان وأي زمان.