قانون «فاتكا» جديد من أوروبا

د. عبد القادر ورسمه غالب

كان العمل المصرفي مثالا يحتذى به في العلاقة الخصوصية التي كانت تجمع بين البنوك والزبائن، ولا يتدخل أحد بينهما وتظل هذه العلاقة سرية وخاصة جدا وقائمة علي الاحترام المتبادل والود الشديد والتفاني في تقديم الخدمة لمصلحة الطرفين. ولهذا، ازدهرت الصناعة المصرفية وتجذرت أوصالها وامتدت لآفاق بعيدة في خضم هذه الخصوصية السرية خاصة وأن الزبون يثق في البنك ويعلم أن “سره في بئر”. وهذا مهم خصوصا في مجال التجارة والأعمال.

ولكن، هذا الوضع الخصوصي بدأ يهتز في السنوات الأخيرة وبدأ البعض يتردد في اللجوء للبنوك وفتح ما في قلبه وجيوبه خاصة بعد تدخل أمريكا في مسار هذه العلاقة السرية التي تربط بين البنوك والزبائن كرابطة “الحبل السري”. وهذا الموقف من أمريكا ظهر جليا، وبصفة خاصة، بعد اصدار قوانين محاربة غسل الأموال وما تبعها من ضوابط مكافحة الارهاب، وأخيرا بعد اصدار قانون “فاتكا” الأمريكي الذي يطلب من كل البنوك في العالم تقديم معلومات معينة عن أي زبون يحمل الجنسية الأمريكية أو يتمتع بخصائصها والا يقع سيف العقوبات المسلول علي الرأس. وجميعنا في البنوك يعلم ماذا حدث في السنوات الأولى لتطبيق قوانين غسل الأموال ومكافحة الارهاب، ونذكر جيدا رسائل من جهات تنفيذ القانون في أمريكا تطلب من البنوك مراقبة وتقديم معلومات عن الزبون (اكس) ولا تذكر غير اسمه الأول فقط ولا تقدم أي معلومات اضافية عنه، وكذلك معلومات عن رجل “احسان” يرسل صدقاته وبحسن نية تامة في جميع الاتجاهات تقربا لربه وطهارة لنفسه… واستجابة لهذه الأوامر تقوم البنوك بنبش حسابات كل العملاء “بذات الاسم الوحيد”، وربما يفوق عددهم الآلاف. ولقد استمر هذا الوضع الغريب وغير السليم لعدة سنوات متتالية مما قاد لشرخ العلاقة الحميمية الخاصة بين البنوك والزبائن.

وبعد التطبيق الحرفي لتعليمات أمريكا، وتوابعها من الدول والمؤسسات، بخصوص غسل الأموال ومكافحة الارهاب وجدت أمريكا أن الدرب سالكا أمامها لفرض كل ما تريده على الملأ ولذا  قامت بإصدار قانون “فاتكا” لأسباب تخصها وحدها ولدوافع أمريكية محلية بحتة وألزمت بنوك العالم لتقديم المعلومات عن الزبائن “الأمريكيين”. ومهما كانت المبررات الأمريكية الا ان تطبيق هذا القانون أيضا يقود لشرخ العلاقة بين البنوك والزبائن ويوسع الفجوة بينهم وربما يهدم كل الثقة الباقية. وبالرغم من هذا الا ان قانون “فاتكا” وجد قبولا وترحيبا حارا من الدول وخاصة الدول الأوربية التي كانت في مقدمة الترحيب.

في مقالات سابقة عن قانون “فاتكا” قلت أن الدول الأوربية وافقت مسرعة على تطبيق “فاتكا” وذلك ربما “لشيء في نفس يعقوب”، لأنها تبحث عن طريقة أيضا لمتابعة حسابات مواطنيها في البنوك العالمية وبصدور “فاتكا” وجدت ضالتها. ولذا تلقفت القانون الأمريكي بلهفة و”فرحة” ونادت بتطبيقه بالسرعة المطلوبة للاستفادة من هذه السابقة التشريعية “القانونية”. وهذا ما حدث الآن، ولم ننتظر كثيرا اذ وافقت مجموعة الدول الأوربية أخيرا في اجتماعها في برلين علي اصدار قانون مشابه وتقريبا “كت آند بيست من فاتكا” يلزم كل البنوك في كل مكان بتقديم بعض المعلومات عن حسابات مواطنيها. وهكذا، توسعت الدائرة في طلب المعلومات عن الزبائن وربما نجد قريبا في البنوك لافتات على الكاو نتر على كل واحدة اسم بلد معين بغرض الاسراع في تقديم المعلومات عن الزبائن لهذا البلد. ومن هذا، وبمجرد خروج الزبون من البنك يتم ارسال كل المعلومات عنه. ونتساءل ماذا بقي اذن من خصوصية العلاقة بين البنوك والزبائن ؟ وهل هذا دور البنوك؟ وهل البنوك مقتنعة به أم تنصاع له خوفا ورهبة من العقوبات بملايين الدولارات التي تمتص كل الأرباح وبالتالي يصبح المساهمون ومن خلفهم كبار التنفيذيون “صفر اليدين”.

كل الدول الأوروبية حتى التي كانت متشددة في التمسك بسرية العلاقة المصرفية بين البنوك والزبائن ، وعلى رأسهم سويسرا وكيمان آيلند وليختنشتاين وبنوك الأوفشور المتعددة …، وافقت في اجتماع برلين على قانون “فاتكا” الأوربي والذي بدوره يطالب كل البنوك بتقديم المعلومات عن حسابات وأموال الزبائن . وهذا الموقف الأوروبي الجماعي تقريبا فض ما تبقى من بكارة السرية المصرفية. ألا يؤثر هذا على الصناعة المصرفية؟ ولو علي المدى البعيد. قطعا سيكون له انعكاساته السلبية لأن الزبائن سيقفون في مفترق الطرق وسيتجنبون السير في طريق المصارف “المكشوف” إلا للضرورة القصوى. وهكذا نهدم بأيدينا هذه العلاقة “الخصوصية” التي ساهرنا عبر سنوات طويلة لترسيخها وتجويدها.

من دون شك، فان جرائم غسل الأموال وتمويل الارهاب والتهرب الضريبي، كلها أعمال اجرامية دنيئة غير مقبولة تماما ولا تجد من يرحب بها أو يساعد في اقترافها لأنها ضارة بكل المجتمع. والصناعة المصرفية أساسا قامت، وقبل سن القوانين، على أكتاف ممارسات مصرفية سليمة ظلت مستمرة ومتوارثة لسنين طويلة. ومن هذه الممارسات انتقاء الزبائن من ذوي السمعة الممتازة والسلوك القويم والأمانة وبالتالي عدم فتح الباب المصرفي للممارسات الاجرامية أو غير الأخلاقية. وهذه المواقف الهامة من أهم الممارسات المصرفية القائمة منذ مدة و”يعض عليها بالنواجذ”، من أجل تحصين الصناعة المصرفية من أي مرض أو عدوى تضر بها وتضر بسمعتها. والمقصود أن المهنة المصرفية قائمة على مبدئي مهنية مثالية وأخلاقية لدرجة لا تسمح للمجرمين بالاستفادة من البنوك، ولذا فان مجرد التفكير في متابعة الاجرام عبر البنوك في غير محله وهذا يشمل كل الجرائم بما فيها غسل الأموال وتمويل الارهاب والتهرب الضريبي وغيره من شتى الجرائم.

ولنترك المهنة المصرفية لأنها بذاتها تعالج دواخلها، بل تتسبب في وجود العلاقة “السوية” السليمة الشرعية بين البنوك والزبائن . وليبحث السياسيون والمشرعون وغيرهم عن طرق أخرى لضمان نفاذ القوانين بعيدا عن البنوك، والا ستتسع الدائرة في متابعة كل ما يخص العلاقة بين البنوك والزبائن مما يقود إلى ركود هذه الصناعة وتجفيف مصادرها. وقطعا سنصل لبر الأمان، اذا سهرت كل جهة فيما يخص أنشطتها واختصاصاتها دون الاعتماد على جهات أخرى، أو البحث عن كبش فداء لتغطية فشلها. ونرى ضرورة الحرص على صيانة المهنة المصرفية والابتعاد عن تحويل البنوك لمهام بوليسية تحقيقية تجريمية تلبسها وجها قبيحا بعيدا عن وجهها الجميل، حتي لا نفقدها ونفقد بريقها المشع منذ فترة طويلة