خصوصية المادة (42) من اجراءات التحكيم بغرفة التجارة الدولية

د عبد القادر ورسمه غالب

يعتبر التحكيم التجاري من أهم المجالات التي توليها غرفة التجارة الدولية بباريس عناية خاصة وذلك لقناعتهم التامة بأهمية التحكيم التجاري في دعم وتنمية التجارة الدولية خاصة وأنه أحد البدائل المتوفرة، اذا لم نقل أهمها، التي يلجأ لها الأطراف لتسوية المنازعات التجارية التي تنشب بينهم في أي وقت ولأي سبب ونشوب المنازعات في المسائل التجارية يعتبر أمرا عاديا بل متوقعا، غير أن أهمية التحكيم التجاري لغرفة التجارة الدولية تنبع من أنه يوفر بديلا مؤهلا سريعا ناجزا لتسوية هذه المنازعات وفق ضوابط وأحكام مهنية عالية ومشهود لها بتحقيق النتائج المرجوة
ان الوضع الخاص المتميز بالتحكيم التجاري الذي أسسته غرفة التجارة الدولية بباريس لم يأت من فراغ، بل كان نتاج مجهودات جبارة متواصلة من كفاءات علمية مؤمنة بمدي أهمية التحكيم ومزاياه المتعددة اضافة لفضائله في انجاز العدالة الناجزة مما يفتح الطريق لنمو التجارة الدولية في جو مفعم بتحقيق العدالة لأصحاب الحقوق وقفل الأبواب في وجه مغتصبيها وهذه الكفاءات عملت بكفاءة عالية لأنها وجدت التشجيع والدعم من السكرتارية الفنية في غرفة التجارة الدولية، وكل هذا بدوره ساهم في تحقيق طفرة علمية وعملية في مجال التحكيم لتسوية المنازعات التجارية الدولية
قامت السكرتارية الفنية بغرفة التجارة الدولية، وبحرفية مهنية، بوضع الأحكام والاجراءات القانونية المطلوبة لنظر التحكيم ولتمكين "هيئة التحكيم" من القيام بدورها علي الوجه الأكمل وفق اجراءات سليمة تتيح للأطراف الفرص المناسبة التي تمكنهم من العرض الكافي لنزاعهم، بما في ذلك تقديم كل ما لديهم من شهود ومستندات ومرافعات واستجوابات، في خلال فترة زمنية محددة لا تتجاوز في الأساس ستة أشهر حتي اصدار القرار النهائي
    
اضافة لهذه الأحكام واللوائح الحاكمة لنطاق العمل، وفق الاختصاصات خلال نظر التحكيم، فهناك أيضا أمور "لوجستية" هامة تلقي بظلالها لتأكيد أهمية دور التحكيم والقائمين عليه من أجل ترسيخ العدالة لدعم تنمية التجارة الدولية ومن هذه الأمور توفر قوائم بعدد كافي
من المحكمين في كل التخصصات، وهم يشكلون بذرة الأساس في التحكيم لأن أطراف النزاع يقومون باختيار "هيئة التحكيم" المعنية بنظر نزاعهم من الأسماء المدونة في هذه القوائم وبالطبع الاختيار يتم علي حسب نوع النزاع والاختصاصات المرتبطة بهذا النزاع حتي يكون هناك توافق فيما بين نوعية النزاع وهيئة التحكيم التي تنظره وهذه النقطة من مميزات التحكيم، لأن هيئة التحكيم في العادة يتم اختيارهم من أطراف لهم دراية وخبرة ومعرفة بكنه وطبيعة النزاع، وهذا الانتقاء التخصصي قد لا يكون متوفرا في المحاكم لأن النزاع بالضرورة يعرض أمام أي قاضي في المحكمة المختصة ومما يجدر ذكره، أن قوائم المحكمين لدي غرفة التجارة الدولية تعتبر مرجعا هاما و"بنش مارك" خاصة وأنها تضم عصارة أهل الفكر والتخصص مع الخبرات الممتدة والمتنوعة في كل المجالات ومن هذا تتوفر الكفاءات المقتدرة ذات الاختصاص لنظر المنازعات التجارية وتسويتها ومن هذا الوضع تحققت انجازات كبيرة للتحكيم حيث صدرت أحكاما هامة وضعت أسسا متينة لمسار التحكيم التجاري هذا اضافة لتوفير الكثير من الأدبيات والمقالات والآراء القانونية والفنية والسوابق التي عززت من مفاهيم التحكيم وثبتت أركانه علي المستوي الدولي في مجالات التجارة الدولية
لكل هذا المجهود المتواصل والزخم المرتبط به، أصبح التحكيم في غرفة التجارة الدولية في الصدارة والقمة المتصاعدة، وفي غالبية العقود التجارية الدولية الآن نجد نصوصا صريحة بإحالة النزاع للتحكيم في غرفة التجارة الدولية بباريس وبهذا أثبت التحكيم في هذه الغرفة
وجوده كمنبر يلجأ له الجميع باعتباره من المراكز الدولية الهامة والمرجعية لتسوية المنازعات التجارية وفق أفضل الممارسات الفنية المصبوغة بالضمانات المهنية
ومراعاة للوصول لهذا الوضع المتميز وللمحافظة علي القمة، تم وضع المادة (42) في لائحة الاجراءات، وهي توجه هيئة التحكيم "الهيئة التي قام أطراف الدعوي باختيارها لنظر الدعوي"، بضرورة عرض "مسودة" القرارات وقبل التوقيع عليها، علي المحكمة "محكمة
التحكيم الدولية التابعة لغرفة التجارة الدولية، وهي تلك المحكمة ذات الاختصاص بالنظر في سلامة اجراءات التحكيم" لتقوم بدورها بإضافة ما تراه من تعديلات لتأكيد عدم مخالفة القرار للإجراءات الأصولية المتبعة في التحكيم أمام غرفة التجارة الدولية ومع مراعاة أن يتم هذا، كما ذكرت المادة، دون التدخل في حق "هيئة التحكيم" الأصلي في اصدار القرار
الذي تراه كما يجوز للمحكمة أيضا لفت نظر "هيئة التحكيم" لأي نقاط جوهرية متعلقة بالقرار، هذا كما لا يجوز لهيئة التحكيم تقديم القرار للأطراف ما لم توافق "المحكمة" علي قبوله من حيث الشكل
هذه المادة لها خصوصيتها الخاصة بغرفة التجارة الدولية والهدف منها، كما ورد في التفسير الصادر من السكرتارية الفنية لمحكمة غرفة التجارة الدولية، تطمين كل الأطراف خاصة المتنازعة بوجود ضمانات اضافية خاصة لتأكيد أن القرارات الصادرة من "هيئات التحكيم" متطابقة مع الاجراءات والأحكام الأصولية الخاصة بمحكمة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية وكل من يتقدم للتحكيم أمام هذه الغرفة، عليه أن يكون واثقا من وجود ضمانات قانونية كافية تضمن سلامة القرارات الصادرة من "هيئات التحكيم" وهذا ما يصبو اليه الأطراف وروح العدالة، خاصة وأن بعض هيئات التحكيم ربما تفوت عليها بعض الاجراءات الشكلية واللوائح والقرارات السابقة لأي سبب وهذا الاجراء، في ذاته لا يخالف مبادئ العدالة ولا يجرد هيئات التحكيم من سلطاتها الأصلية ولا يتدخل في اختصاصها الأصلية وكما نعلم فالمحاكم القضائية عندها اجراءات تسلسل السلطة الاستئنافية العليا وكذلك، اذا لزم الأمر، حق التصحيح والمراجعة في بعض الحالات وهذا يشبه لحد كبير ما تقوم به محكمة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية بصفة تكميلية لاختصاص هيئات التحكيم التي تنظر في تسوية القضايا واصدار القرارات النهائية الملزمة وهذه المادة تمنح التحكيم امام غرفة التجارة الدولية قوة "دفع رباعي" اضافية لتمكينه من السير بقوة وثبات في طريق التحكيم، وهذا بالطبع يأتي استنادا علي "موافقة" و"مبارك’" محكمة التحكيم علي قرار هيئة التحكيم من واقع خبرتها الطويلة والمتمرسة في ارساء قواعد العدالة والتحكيم.