حدود المنافسة بين شركات الطيران الخليجية مع الأمريكية والأوربية

د. عبد القادر ورسمه غالب

 

تدور حرب منافسة تجارية بين بعض شركات الطيران في دول الخليج (شركات طيران الامارات والاتحاد والقطرية ) من جهة وشركات طيران أمريكية ( دلتا وأمريكان ويونايتد أير لاينز) ومعها بعض شركات الطيران الأوربية من الجهة الأخرى. نشبت حرب المنافسة التجارية بين الشركات المذكورة أعلاه، وهي تمثل أكبر شركات الطيران في العالم، بعد انتهاج سياسة "الأجواء المفتوحة" وهي اتفاقيات تنظم طيران الرحلات التجارية بين أمريكا وهذه الدول وما تتضمنه من التحرير للطيران وتخفيف القيود علي حقوق الهبوط. و شركات الطيران الأمريكية ومن معها تطالب بإعادة النظر في سياسة الأجواء المفتوحة التي تستفيد منها، وفق مزاعمهم، شركات الطيران الخليجية لأنها استطاعت في الآونة الخيرة أن تحول من عواصمها، دبي وأبوظبي والدوحة ومدن خليجية أخري، الي "نقطة وصل" أساسية لحركة الملاحة الجوية والطيران بين معظم الدول ومدنها الكبيرة التي تتقدم بطلبات خاصة لشركات الطيران الخليجية لإضافتها لجداولهم. وهنا مربط الفرس.

ذكرت شركات الطيران الأمريكية في مجمل قولها أن شركات الطيران الخليجية ذات النمو المتصاعد استطاعت الحصول، وظلت تحصل، علي دعم مادي كبير من حكوماتها يتجاوز الأربعين مليار دولار خلال العقد الماضي. وبحديث آخر، أنه  لو لم تحصل شركات الطيران الخليجية علي هذا الدعم القوي لما تمكنت من الوصول الي الوضع الذي تحتله الآن. وأن الوصول لهذا الموضع لم يتم بطريقة تجارية طبيعية حتمية وفي هذا مخالفة لقواعد وأصول المنافسة التجارية وفق الممارسات التجارية التقليدية اضافة للضوابط الصادرة من منظمة التجارة العالمية بمنع الدعم والاغراق وترك الحركة التجارية لتنمو علي سجيتها الطبيعية. وكقاعدة، فانه يتوجب علي الجميع الالتزام بأسس المنافسة السليمة الحرة وفق الممارسات التجارية السليمة والأعراف السائدة وما نصت عليه قوانين ومواثيق المنافسة.

وهذا الجدل مستمر منذ مدة من الزمن ولدرجة قد تؤثر علي صناعة وحركة الطيران في العالم لأن الاصطدام بين هذه الشركات العملاقة سيكون له انعكاساته السلبية علي مستقبل شركات الطيران، وهذا سيلقي بظلاله علي حركة السفر والتنقل والترحيل وما شابهه. ولكن من الثابت حتي الآن، أن الحديث عن الدعم صدر فقط من شركات الطيران الأمريكية المنافسة ولم يصدر ما يؤيده بصورة قاطعة من الحكومة أو الجهات الرسمية في أمريكا والتي تتدخل في اغلب الأحوال في مثل هذه الادعاءات لحماية المنافسة التجارية الشريفة، علي حد زعمهم. وفي هذا الخصوص فان شركات الطيران الأمريكية ليست مبرأة تماما لأن تسريبات "الويكي ليكس" أشارت الي أن الحكومة الامريكية قدمت مليارات الدولارات كدعم لشركات الطيران الأمريكية. فكيف يؤثرون أنفسهم ويستكثرونه علي غيرهم؟. وتقول شركات الطيران الأمريكية، وبدعم تام من نقابات العمال وبعض شركات الطيران الأوربية، أن شركات الطيران الخليجية تستفيد وبشكل غير عادل بقروض ضخمة من دون فوائد، ومن دعم علي خدمات المطارات، وأنها تجد الحماية الحكومية خاصة في مجال المحروقات، واضافة لكل هذا تستفيد من الأيدي العاملة الرخيصة القادمة من الدول الأسيوية والأفريقية، ومن انخفاض معدلات الضرائب ورسوم الهبوط المنخفضة وغيره من الدعم غير المادي. 

ومن دون شك، فان معظم هذه النقاط لم تتسبب شركات الطيران في خلقها أو وجودها من أجل مصلحتها بل هي بعيدة تماما عن يدها، وكذلك يد الدولة، مثل انخفاض العمالة في المنطقة والتنافس بين الممولين لتقديم التمويل والابتعاد عن أو تقليل الضرائب والرسوم مقارنة بما عليه الوضع في بقية الدول. فهل نلوم من وجد نفسه في هذا الوضع "الخاص"، أو من أتي الي الحياة من ظهر أب صاحب ثروة أو علم أو أدب. اضافة لهذه الميزات المكتسبة من واقع الحال، فان شركات الطيران الأمريكية ومن يقف معها لا تأخذ في الاعتبار أن مواطني دول الخليج بحكم وضعهم المالي ينفقون كثيرا في السفر مما يوفر سوقا رائجا وطلبا أعلي لشركات الطيران الخليجية، وكذلك لا يأخذون في الاعتبار المتغيرات العالمية الكبيرة في حرب الأجواء بين دول الخليج والغرب حيث تغير العالم وتغيرت معه موازين القوي وسير الحركة بسبب صعود وظهور آسيا وأفريقيا والموقع الجغرافي المتميز للخليج في وسط هذا العالم الجديد مما جعل هذه الدول تستفيد من موقعها وتستثمر أموالها الفائضة لبناء شركات طيران وصناعة طيران قوية حديثة سقفها السماء.

واستغلال مثل هذا الوضع يحسب "شطارة" في ميزان التاجر، ليس الا، وعبر هذه الشطارة التجارية المتوارثة تتوسع شركات الطيران الخليجية في طلباتها لضم المزيد من المدن والبلدان لقوائم رحلاتها وهذا ما يزعج ويضايق شركات الطيران العالمية الأخرى سواء الامريكية أو الأوربية التي تطالب بقفل الأجواء في وجه الشركات الخليجية القادمة بعزيمة قوية لا يستطيعون منافستها في السوق المفتوح أمام الجميع. وكل هذه "الجعجعة"، في نظر العديد، تهدف لإرغام حكوماتهم للتدخل من أجل التدخل "الفوقي" ناسين أو متناسين أنهم من كان وراء سياسة فتح السموات بحثا عن الوصول لكل الاتجاهات لكن غيرهم اغتنم الفرصة، وكذلك ناسين أن من هذه الشطارة التجارية للشركات الخليجية تستفيد شركات غربية كثيرة علي رأسها البوينغ والاير بص والشركات المتعاقدة معها لسد طلبيات الطائرات التي تطلبها تباعا شركات الطيران الخليجية بمليارات الدولارات مما يتيح فرصة استيعاب الآلاف من العمال ورفع سجل الوظائف والتوظيف الذي يهتمون بمراجعته يوميا ويثمنون نتائجه لصالح الاقتصاد.

وتحديدا، فيما يتعلق بالمنافسة غير السليمة بسبب الدعم، قال مصدر مطلع في الحكومة الأمريكية أنهم يجدون صعوبة جمة في ما يتعلق بمزاعم هذه المنافسة القائمة الآن بين الأطراف ومدي حدودها وكنه آثارها لأنه لا توجد قواعد للتجارة العالمية، أو سوابق أميركية لمعالجة أمر مزاعم دعم شركات الطيران مما يفرض تحديا كبيرا على الإدارة في مسعاها لتحديد كيفية المضي قدما، خاصة وأن قواعد منظمة التجارة الدولية لا تسري بصفة تفصيلية على حقوق النقل الجوي أو خدماته بالرغم من إنها وضعتها قيد المراجعة بوجه عام. ومثل هذا القول، قد يخدم شركات الطيران الخليجية أكثر مما يعمل ضدها وكل هذا يضع الموضوع في زاوية قاتمة عديمة الملامح وقد يتطلب حسم هذا الموضوع وقتا طويلا وجهدا كبيرا، لا ندري الي أين سيصل.

لكن، في جميع الأحوال، من المحبذ ترك سياسة السماوات المفتوحة وفي هذا فلينافس المتنافسون لمصلحة المستهلك والتجارة بصفة عامة تحت مظلة سياسة السوق الحر. وعلي شركات الطيران من جميع الجنسيات بذل المزيد في تقديم أفضل الخدمات بالأسعار التنافسية المقبولة وقطعا سيكون السوق هو "الفيصل" وسيد الموقف. لكن اذا تم التأثير علي هذه السياسة عبر مداخل أخري أو قوي خارجية فان أمر الطيران ومستقبله سيتأثر ويتضعضع ومن هذا يتضرر الجميع وعلي رأسهم المستهلك ومقدمي الخدمات لهذا المستهلك.

ان هذه المعركة الدائرة الآن بين شركات الطيران المعنية قد تقود نتائجها الي دعم مبادئ التجارة الحرة في كل اتجاهات ومرافئ العالم أو قد تقود الي العكس تماما، خاصة اذا لم يتم استيعاب أهداف ومبررات هذه المعركة ومن يقف خلفها ولماذا يقف خلفها، وأين نحن من اهذا بعيدا عن الانتماءات والولاءات؟