تنازع القوانين في المسائل المدنية والتجارية

د. عبد القادر ورسمه غالب

في منتصف هذا العام 2015 صدر في البحرين (القانون رقم 6 لسنة 2015) وهو من القوانين الهامة خاصة وأنه يعني بشأن تنازع القوانين في المسائل المدنية والتجارية، وتنبع أهمية هذا القانون من أنه ينطبق علي كافة المنازعات المتعلقة بالمسائل المدنية والتجارية التي بها عنصر أجنبي، والتي تتضمن مراكز أو علاقات قانونية تتنازع فيها القوانين، ما لم يوجد نص في قانون أو اتفاقية أو معاهدة معمول بها في البحرين يقضي بخلاف تلك الأحكام. وتسري مبادئ القانون الدولي الخاص فيما لم يرد بشأنه نص خاص في القانون رقم (6) لسنة 2015.

ومن الأمور الهامة التي تناولها القانون الجديد، تكييف المراكز والعلاقات القانونية، وينص القانون علي أنه عندما ينعقد الاختصاص بنظر النزاع للقانون البحريني فان القانون البحريني يسري علي كافة المسائل المتعلقة بتكييف المركز والعلاقات القانونية لمعرفة القانون الواجب التطبيق علي موضوع النزاع. وتنبع أهمية هذا الأمر خاصة عند النظر في ابرام عقود دولية بين أطراف متعددة من دول متعددة، كاتفاقيات عقود التمويل الجماعي "التمويل المشترك". ولقد نص القانون بجواز الاتفاق علي اختيار القانون الواجب التطبيق علي العقد الثنائي أو الجماعي، مع مراعاة عدم مخالفة النظام العام في البحرين لأنه يشترط في القانون الواجب التطبيق علي موضوع النزاع والذي تم اختياره والاتفاق عليه بواسطة الأطراف المتعاقدة ألا يكون مخالفا للنظام العام. وهذا شرط قانوني يجب الالتزام به والتقيد بأحكامه والا تعرض العقد المبرم للإبطال.

ومن الأمور الأخرى التي يشترطها القانون الجديد، أنه يجب علي أطراف "النزاع" تقديم نصوص القانون الواجب التطبيق واذا لم تقدم هذه النصوص يجوز اعتبار القانون البحريني كالقانون الواجب التطبيق علي النزاع. ويجوز للأطراف أن يقدموا للجهة التي تنظر النزاع ما يؤيد دفوعهم  من أحكام قضائية وآراء فقهية خاصة بالقانون الواجب التطبيق الذي تم اختياره، ويجب علي الجهة التي تنظر النزاع مراعاة مبادئ تطبيق وتفسير أحكام هذا القانون. ولا بد من الاشارة الي أن القانون يمنح الجهة التي تنظر النزاع الحق في اختيار القانون الواجب التطبيق اذا اختلف الأطراف في الاتفاق علي اختيار القانون الواجب التطبيق.

بالنسبة للشخص الاعتباري الأجنبي فلقد نص القانون علي أنه بشأن ثبوت الشخصية الاعتبارية للشخص الاعتباري الأجنبي وأهليته وذمته المالية ومن يمثله قانونا وغيره من المسائل المتعلقة بنظامه القانوني، يسري قانون الدولة التي أتخذ فيها الشخص مركز ادارته الرئيسي وباشر فيها نشاطه الفعلي. واذا باشر الشخص الاعتباري الأجنبي نشاطه الفعلي في البحرين فان القانون البحريني يسري حتي ولو لم يوجد فيها مركز ادارته الرئيسي.

ويجوز تعدد الأطراف وأماكن البلدان بالنسبة للعقارات والتصرفات والعمليات المرتبطة بها وبالتالي فان تنازع القوانين بالنسبة للعقار أمر جائز ومحتمل. ولأهمية تنظيم الأمور المتعلقة بالعقار، فان القانون وضع حكما خاصا ينص علي سريان قانون موقع العقار بالنسبة لحيازة العقار وملكيته والحقوق العينية التي تترتب عليه وطرق كسب هذه الحقوق وانتقالها وانقضائها وغيره من التصرفات المتعلقة بالعقار من حيث الشكل. وكذلك يسري علي التصرفات المتعلقة بالعقار من حيث الشروط الموضوعية لانعقادها ومن حيث الآثار التي تترتب عليها قانون موقع العقار، ما لم يتم الاتفاق أو يتبين من الظروف أن قانونا آخر هو الذي يراد تطبيقه. ومن الجدير الذكر أن القانون أيضا أفرد أحكاما مشابهة تحكم المنقول والمعاملات الخاصة به.

في العديد من العقود المبرمة قد يحدث أي نزاع متعلق بالالتزامات العقدية بين الأطراف المتعاقدة، ووفق القانون، فانه يسري علي العقد من حيث الشروط الموضوعية والشكلية ومن حيث الآثار التي تترتب عليه قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين، فاذا اختلفا موطنا سري قانون الدولة التي أبرم فيها العقد، ما لم يتم الاتفاق أو يتبين من الظروف أن قانونا آخر هو الذي يراد تطبيقه. هذا ويجوز أن يختار المتعاقدان لكل جزء من العقد قانونا واجب التطبيق اذا كان هذا الجزء قابلا للانفصال عن باقي أجزاء العقد. وعمليا هذا أمر صعب بل معقد لأنه يجعل العقد الواحد يتعرض لعدة قوانين سارية، لكنه جائز بحكم القانون.

هناك مسائل تجارية أخري عديدة أفرد لها القانون الجديد أحكاما خاصة بها عند تنازع القوانين، وذلك مثل عقود البورصات والأسهم والسندات ومعاملات الشيكات والكمبيالات وعقود العمل وعقود الترخيص (الفرانشايز) وعقود الوكالة والتمثيل التجاري وعقود المستهلك والملكية الفكرية وكذلك هناك أحكام تتناول الالتزامات الناشئة عن العمل غير المشروع والالتزامات الناشئة عن الاثراء بلا سبب ودفع غير المستحق والفضالة... وأشار الي القانون الواجب التطبيق في هذه الحالات سواء كان قانون الدولة أو غيرها من القوانين الأخرى التي يتم الاتفاق عليها أو ما ينطبق من معاهدات واتفاقيات دولية وافقت عليها البحرين.

ان اصدار هذا القانون، في حد ذاته، يمثل طفرة تشريعية في البحرين من أجل سد الفراغ التشريعي الذي قد ينجم أثناء العمليات التجارية أو المدنية التي بها عنصر أجنبي لتنازع القوانين بين الأطراف أو في ما يتعلق بتطبيق الممارسات المدنية والتجارية. ونأمل أن يكون القانون مفيدا كاطار تشريعي سليم علي أرض الواقع، لأن الممارسات الفعلية اليومية اللاحقة هي التي سيتبين منها مدي سلامة القانون الجديد وفائدته وملائمته لتنظيم العمليات المدنية والتجارية ذات العنصر الأجنبي...