المخاطر القانونية للاستثمار في الدول غير الإسلامية

المخاطر القانونية للاستثمار في الدول غير الإسلامية

الوقت ـ قسم الدراسات والتطوير:

يرى محمد أربونا عضو هيئة الرقابة الشرعية والمراقب الشرعي للبنك الدولي المتحد بالبحرين أنه تحت الإطار القانوني تبرز مخاطر قضائية تتعلق بتفسير الصيغ الشرعية عندما تستخدم في معاملات استثمارية أو عندما يراد أن تحكم العلاقات التعاقدية الاستثمارية أحكاما ومبادئ الشريعة الإسلامية. حيث يلاحظ في التطبيقات المعاصرة بأنه تحال المعاملات لفض النزاع الناشئ عنها إلى المحاكم الوضعية، أو بالأخص إلى القانون الإنجليزي حيث يكون لها ولاية قضائية للنظر والفصل في النزاعات المالية بين الأطراف. ويكون النظر في القضية وفقا لأحكام ومبادئ القانون الإنجليزي مما يؤدي إلى أحكام قضائية مخالفة لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية. وفي ظل عدم وجود أي مبادئ قانونية تسمح بالنظر إلى القضية من الناحية الشرعية فإن المصارف الإسلامية عرضة لأن تنقض مبادئها التي أنشئت على أساسها. وقد حدث هذا فعلا كما سيرد عند الحديث عن بعض التطبيقات التي ألغت فيها المحاكم البريطانية العمل بالشريعة وحكمت بحسب القانوني الوضعي بحجة أن الشريعة ليست في شكل بنود قانون يمكن الاعتماد عليها لإصدار حكم.
الإطار الذي يسمح بنظام استثماري إسلامي
في هذا الإطار القانوني والقضائي التقليدي نجد أن بعض الدول، كالمملكة المتحدة، بدأت تصدر بعض القوانين والنظم لتسهيل التعامل بالمصارف الإسلامية والترخيص لها بصفتها بنوكا - عكس الإطار القانوني الأول- لها كيان استثماري يختلف في جوهره عن استثمارات البنوك التقليدية. فاتجه المشرع الغربي إلى تسهيل القوانين الضريبية لفتح الباب أمام الجمهور للتعامل بالمصارف الإسلامية دون التفكير في الأعباء الضريبية التي تتسبب فيها المصارف الإسلامية نظرا لطبيعة عملها، كما فتح هذا التسهيل المجال للمصارف الإسلامية للمنافسة مع مثيلاتها من البنوك الربوية.
ومع هذا كله فإن هذه القوانين والأنظمة الرقابية والإشرافية تركز على تذليل عقبات الإجراءات دون التطرق إلى الأحكام التفصيلية لصيغ الاستثمار الإسلامي بحيث تعطي القاضي مادة قانونية في ضوء الأحكام الشرعية يتمكن من الاعتماد عليه عند نشوء النزاع. فتجد أن هذا القانون مع اعترافه بالمصارف الإسلامية إلا أنه لم يحل لها المخاطر القضائية بحيث يلزم القاضي بالنظر إلى القضية من منظور الشريعة الإسلامية بحيث تعطى الأولوية للمبادئ الشريعة عند التعارض بين القانون والشريعة، كما أن قوانين الاستثمار وقوانين العقود وقوانين استملاك الأراضي، لم تشرع أساسا للمعاملات الاستثمارية الإسلامية.
وقد ولّد هذا الإطار القانوني مخاطر قضائية للصيرفة الإسلامية في الغرب. والدليل على ذلك وجود بعض القضايا التي كانت المؤسسات المالية الإسلامية طرفا فيها وتمت إحالتها إلى القضاء البريطاني؛ لأن العقد ينص على أن القانون الإنجليزي هو المطبق عند النزاع وتم الفصل فيها من قبل المحكمة بالقانون البريطاني دون النظر إلى المبادئ الشرعية. وفي هذا الشأن من الضروري إيراد قضيتي بهاماس والشامل - بكسمكو.
وقد أظهرت القضيتان المذكورتان مدى المخاطر القضائية التي قد تواجهها المؤسسات المالية الإسلامية التي تختار أن تكون القوانين الغربية هي الحاكمة عند النزاع حيث أن هناك مخاطر تتعلق بمدى إمكانية الوصول إلى العدالة أو مدى إمكانية تفسير نوايا المتخاصمين تفسيرا سليما، وهل أي تفسير ما لبنود العقد هو ما أراده الأطراف عند إبرام العقد. وهناك أيضا مخاطر محاولة إثبات عدم مطابقة الاستثمار أو التمويل بمبادئ الشريعة، كما أن الطرف الآخر سيحاول الدفع بأن أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية ليست محل اتفاق بين الفقهاء وأن حقيقة الصيرفة الإسلامية تختلف من دولة إلى أخرى.
مخاطر أخرى
ومن بينها خطران لهما انعاكاسات سلبية في استثمارات المؤسسات المالية الإسلامية كون طبيعة عمل هذه المؤسسات تتمثل في التجارة والبيع والشراء الذي يتمخض عنه تملك السلعة قبل بيعها وهما:
مخاطر بيئية
إن طبيعة المعاملات المالية الإسلامية تتطلب تملك أصول ثابتة ومنقولة، وهذا يعرضها لمخاطر ملكية الأصول والذي ينتج عنه مخاطر بيئية حيث إن المصرف الإسلامي المؤسسة المالية الإسلامية لو تملك العقار فهو ملزم بصيانته بما يتفق مع متطلبات قوانين وأنظمة البيئية، فلو أن المؤسسة المالية الإسلامية قد تملكت مصنعا مثلا فإنه يكون مسؤولا عن الأضرار البيئية لعمل المصنع. ولو تملك البنك الإسلامي منقولات كطائرة أو سفينة وأجرها لشركة معينة فإنه يتحمل مسؤولية الأضرار الناجمة عن تسرب النفط من هذه السفينة في المياه الإقليمية أو الدولية. وهناك مخاطر قانونية تتعلق بالاستصناع حينما يدخل المصرفي الإسلامي في عقد استصناع مبان أو نحوها.
مخاطر حماية المستهلك
بما أن طبيعة المعاملات المالية الإسلامية تتمخض عن تملك أصول ثابتة ومنقولة قبل التصرف فيها بصفة ذلك مطلب شرعي لصحة البيع والشراء حتى لا يقع المصرف في محظور الاسترباح قبل الضمان أو البيع قبل التملك المنهيين عنهما بنص صريح، فإن هذه المؤسسات معرضة لمخاطر قوانين حماية المستهلك. فإذا كان المصرف هو المالك فإن هناك احتمالات توجيه دعاوي قضائية ضد المصرف الإسلامي بحجة عدم صلاحية السلعة المباعة أو التضرر نتيجة استخدامها.
خاتمة
إن النشاط الاستثماري خارج الحدود الجغرافية تترتب عليه مخاطر صعبة تستحق الوقوف عندها وتحليلها، وخصوصاً المخاطر القانونية والقضائية. وقد بيّن هذا البحث كيف يمكن للمؤسسات المالية في الدول الإسلامية أن تخسر مبالغ هائلة بسبب عدم وضوح الرؤية فيما يتعلق بنظرة القضاء الغربي إزاء استثمارات الدول الإسلامية في هذه الدول. كما بيّن أن هناك مخاطر تغير القوانين بحجة تعزيز الاقتصاد البلد المستثمر فيه على حساب المستثمر الخارجي، ناهيك عن مخاطر الضرائب ونقل الأموال واسترداد الأصول من قبل السلطات. وهذه الأمثلة وغيرها من المخاطر تدل إلى أهمية إدارة مخاطر الاستثمارات الأجنبية. وعليه ينبغي التكاتف بين الجهات الرقابية والإشرافية والأكاديميين أو العلماء لوضع سياسات وإجراءات كافية لإدارة مخاطر الاستثمار في رؤوس الأموال، آخذة في الاعتبار المبادئ الشرعية للاستثمار.
؟ محمد أربونا عضو هيئة الرقابة الشرعية والمراقب الشرعي للبنك الدولي المتحد بالبحرين. والبحث المنشور محرر من أصل ورقة مقدمة لمؤتمر الاقتصاد الإسلامي العالمي برعاية غرفة التجارة والصناعة بالكويت في أبريل .2007

قضايا قانونية.. نماذج
1- قضية شركة الخليج الاستثمار الخليجي بهاماس ( المدعي) ضد شركة سمبوني جيمس ن. ف. (المدعى عليه)
Islamic Investment Company of Gulf (Bahamas) -IICG) v. Symphony Gems N. V and Others
وتتلخص وقائع القضية في أن الطرفين قد أبرما عقدا بموجبه يقوم المدعي بترتيب تمويل شراء وبيع المجوهرات وأحجار كريمة عن طريق بيع المرابحة. ووصف العقد المدعى عليه بأنه مشتر والمدعي بأنه بائع. وبناء على العقد التفاهمي الذي تم بين الأطراف طلب المدعي عليه من المدعي شراء أحجار كريمة ومجوهرات وبيعها عليه بالمرابحة. وقد قام المدعي بدوره بفعل ذلك مرتين. وبعد ذلك طلب المدعي من المدعى عليه سداد الأقساط ولكن تخلف المدعي عليه عن سداد الأقساط فاضطر المدعي إلى رفع دعوى قضائية ضد المدعى عليه إلى المحاكم البريطانية للفصل في القضية؛ لأن العقد اختار هذه المحاكم عند النزاع.[1]
وقد ركز المدعى عليه في دفاعه بأن المدعي لا يستحق المبلغ المطلوب لأنه لم ينفذ التزاماته بصفته بائعا حيث لم يتم تسليم موضوع المرابحة المذكورة. وحتى تتحقق من طبيعة المرابحة انتدبت المحكمة المكلفة بالنظر في القضية خبراء للاستعانة بهم في القضية. وانتهى أحد الخبراء إلى أنه يجب في عقد المرابحة أن يتملك المدعي موضوع المرابحة ويقبضه ويتحمل مخاطر الملكية قبل بيعه إلى العملاء. وقال الخبير المنتدب إنه بالنظر إلى بنود العقد وطريقة التمويل بالمرابحة لا تتوفر في العقد المتطلبات الشرعية لعقد بيع المرابحة.
والشاهد في الموضوع أن المحكمة اعتبرت رأي الخبير رأيا استثنائيا لا تلتزم به ورأت أن العقد ينص على الالتزام بالقانون الإنجليزي عند إبرام العقد وبالنظر إلى العقد فإنه موافق للقانون الإنجليزي في إبرام العقود، فوجدت بذلك أن العقد صحيح وملزم وحكمت لصالح المدعي=. وقد اعتمدت المحكمة في حكمها على أن العقد ينص على أن تسليم المباع ليس شرطا أساسيا في المطالبة بسداد الأقساط كما أن المدعي ليس مسؤولا عن أي ضياع أو ضرر أو فساد للسلع قبل التسليم.[2]
لقد بينت هذه القضية مدى المخاطرة التي قد تتعرض لها المصارف الإسلامية إما بسبب الخطأ في التطبيق الصحيح لأحكام المعاملات الشرعية أو بسبب تفسير خاطئ من قبل المحاكم غير الشرعية مما يؤدي إعطاء صبغة الصحة على العقود بالرغم من أنها لا تتوافر فيها الشروط المعتبرة للعقد الشرعي. وهذا يؤدي إلى حصول المصارف الإسلامية على مبالغ من تمويلات ربوية في مضمونها وهيكلتها باسم العقود الشرعية المعتبرة.
.2 قضية بنك الشامل ضد شركة بكسمكو للصيدلة وغيرها [3] Shamil Bank of Bahrain v Beximco Pharmaceuticals Ltd and Others
وتتلخص وقائع هذه القضية في أن بنك الشامل أبرم اتفاقية الوكالة مع شركة بنغلاديش للتصدير والاستيراد يقوم بموجبها هذه الأخيرة بشراء سلع وبيعها مرابحة على شركة بَكسمكو للصيدلة نيابة عن بنك الشامل على أن تقوم الشركة بتقديم ضامنين لسداد المديونية في حال تأخر الشركة في السداد. وقد تم بيع السلع إلى شركة الصيدلة للمرة الأولى وقامت بسداد جميع أقساط هذه المعاملة ثم أبرم معها بنك الشامل مرابحة أخرى عن طريق شركة بنغلاديش للتصدير والاستيراد وسددت بعض الأقساط وتأخرت عن بعض الأقساط .
ورفع بنك الشامل دعوى قضائية إلى المحكمة العليا في بريطانيا طالب فيها المدعى عليه بسداد الأقساط حيث إن القانون المختار بحسب رضا الأطراف هو القانون الإنجليزي مع تأكيد الأطراف في العقد أن هذا الاختيار يحكمه عدم مخالفة أي حكم يصدر من المحاكم البريطانية بمبادئ وأحكام الشريعة الغراء. وقد رأى قاضي المحكمة العليا أنه لا يأبه بالشريعة الإسلامية ما دام أن العقد تحكمه قوانين بريطانيا. وبهذه النظرة للعقد انتهى القاضي إلى أن العقد لا يتعارض مع قوانين بريطانيا وحكمت المحكمة العليا لصالح المدعي دون النظر إلى وجهة نظر دفاع المدعى عليه بأن الأطراف لم يقصدوا بالعقد شراء وبيع السلع أساسا، وإنما للتمويل فقط وعليه فإن المعاملة لم تتفق مع البند الذي يقيد تطبيق القانون الإنجليزي على العقد بعدم مخالفة الحكم لأحكام الشريعة الإسلامية. واعتمد القاضي في حكمه على القول إن الشريعة الإسلامية غير مقننة بحيث يمكن الرجوع إليها في شكل قانون وأن هناك خلافا بين علماء الشريعة فيما يعتبر ربا أو الصيرفة الإسلامية. وبناء على ذلك حكم القاضي للمدعي وطلب من المدعى عليه سداد مبلغ قدره 49,7 مليون دولار أميركي.
ولم يلق هذا الحكم قبولا لدى المدعى عليه فاستأنف الحكم لدى محكمة الاستئناف البريطانية، وحاول محامي المدعى عليه إقناع المحكمة بأخذ بند عدم مخالفة أحكام الشريعة في الاعتبار. وباستقراء محكمة الاستئناف لحكم المحكمة العليا ولكامل النزاع وعناصر العقد محل هذا النزاع تبين لها أن حكم المحكمة العليا صحيح بالنظر إلى القانون البريطاني.
كما لاحظت أن نظرية أو مبدأ التحاكم إلى قانونين في عقد واحد (الاندماج القانوني أوincorporation Doctrine of) الذي يسمح العمل به يمكن تفعيلها واعتبارها فقط في الحالات التي تكون هناك نصوص واضحة ومدونة للقانون المراد دمجها في العقد مع قانون التحاكم. وهذا غير وارد في هذه القضية؛ لأن طلب الرجوع إلى الشريعة الإسلامية بهذا الشكل العام لا يشكل مرجعاً قانونياً يمكن الرجوع إليه في فض النزاع. لهذا لا يمكن تطبيق نظرية الدمج القانوني أو التحاكم إلى قانونين في آن واحد في هذه القضية.[4]
[1] ينظر البروفيسورة أنكو ربيعة العدوية، ‘’المشكلات القانونية والقضائية في تطبيقات المؤسسات المالية الإسلامية’’ بحث مقدم في ندوة البركة 27 للإقتصاد الإسلامي بتاريخ 27-28 سبتمبر 2006 م ، ص .8
[2] المرجع السابق ص .17
[3] ينظر القضية في EWCA CIA 19, 2004 و 2004 [2004] All ER (D) 280 (Jan)
[4] المرجع السابق