المخاطر القانونية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي

د. عبد القادر ورسمه غالب

خرجت بريطانيا قبل فترة قصيرة من معضلة انفصال اسكتلندا، وهي ما زالت تلاحق أنفاسها حتي ظهرت معضلة الخروج من الاتحاد الأوربي الذي ظلت جزءا هاما منه منذ بداياته. ومن البديهي أن في الاتحاد مع الجماعة قوة وفي الانعزال الفردي ضعف، وهذه الابجديات ليست غائبة علي بريطانيا التي كانت تسمي "العظمي" لأن الشمس لا تغيب عن مستعمراتها من أقصي الدنيا لأدناها. ولكن هذا هو الوضع الحالي حيث يريد البعض منهم الانعزال والتقزيم والتشرنق.

ان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي يتوقف علي ما سيحدث في الأيام القليلة القادمة، والأمر برمته بالطبع يعود لهم دون غيرهم وعليهم تحمل تبعات ما قد يحدث. واذا حدث الخروج، فهناك الطامة الكبرى التي تأتي بمخاطر عديدة علي بريطانيا وكذلك علي الاتحاد الأوربي وهذا سيلقي بظلاله علي كل الاقتصاد العالمي.

كما ذكرت فهناك مخاطر عديدة اذا حدث الخروج (بريكست)، وما يهمنا هنا وجود العديد من المخاطر القانونية العويصة التي يجب علي بريطانيا وشعبها مواجهتها بحنكة وصبر والعمل علي امتصاص مردودها من أجل تجاوزها أو العيش معها في ضنك دائم أو الي حين. والمخاطر القانونية هنا عديدة متعددة وشائكة لا يمكن تغطيتها في هذه العجالة، ولكننا سنلقي الضوء علي بعض المخاطر القانونية التي ستتعرض لها بريطانيا مع منظمة التجارة العالمية (دبليو تي أو) والدول الاعضاء في هذه المنظمة.

ان خروج بريطانيا سيكون وبالا علي بريطانيا من جهة وعلي منظمة التجارة العالمية من الجهة الأخرى وذلك نظرا لوجود العديد من الاتفاقيات والعقود المبرمة بين المنظمة وبريطانيا بصفتها الدولة العضو في الاتحاد الأوربي، وخروج بريطانيا من الاتحاد (بريكست) يضع هذه الاتفاقيات والبرامج المرتبطة بها وحقوقها والتزاماتها، في مهب الريح، بسبب قرار الخروج الذي يشكل (فورس ما جير) وحدوث ظرف أو قوة قاهرة للدرجة التي تؤدي الي انهاء العقود والاتفاقيات وتوقفها في مكانها اعتبارا من تاريخ الخروج. وفي هذا مخاطر قانونية علي بريطانيا وغيرها من الدول.

ولهذا انعكاسات سلبية بعيدة علي التجارة العالمية، خاصة وأن منظمة التجارة العالمية تهدف أساسا لسريان تدفق التجارة عن طريق ادارة الاتفاقيات المبرمة الخاصة بالتجارة، وتنسيق مفاوضات التجارة الدولية، وفض المنازعات المتعلقة بالتجارة، ومراجعة السياسات القومية المتعلقة بالتجارة الدولية..... الخ. وبريطانيا (العظمي) ظلت جزءا أصيلا من هذه المنظومة وفردا فاعلا في كل نشاطاتها... وكل هذا سينعدم بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي. واذا حدث، فلا بد من جلوس بريطانيا ومنظمة التجارة العالمية للدخول في مناقشة آثار تبعات الخروج علي كل محتويات ملفات المنظمة الخاصة ببريطانيا. وأول المعضلات أو المخاطر القانونية أن مدير منظمة التجارة العالمية قال أن بريطانيا ستفقد امتيازات التفاوض التي كانت تتمتع بها بصفتها عضوا في الاتحاد الأوربي، وهذا يصبح في العدم بسبب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي. وفقدان امتيازات التفاوض يشكل مخاطر قانونية لبريطانيا لأنها لا تدري علي ماذا ستحصل من المفاوضات وهنا يبدأ الشد والمط وحدوث المنازعات والقضايا وجرجرة المحاكم والتسويات والتحكيم، وفي هذا ضربة لبريطانيا لها مخاطرها.

وبصفة أولية، فان الخروج من الاتحاد الأوربي يحتم علي بريطانيا في شكلها الجديد فرض تعريفة ضريبية اضافية علي الواردات الأوربية، لأنها أصبحت أجنبية، وهذا سيثقل كاهل المواطن البريطاني ومن يعيش في بريطانيا، وفي المقابل أيضا فان الصادرات البريطانية سيفرض عليها تعريفة ضريبية اضافية في الخارج في الدول الأوربية وهذا سيضر بالصادرات البريطانية وقد يخرجها من المنافسة بسبب زيادة السعر... وفي هذا مخاطر مهلكة لأن ما يحدث سينجم عنه قلة التصدير وانهيار الشركات وفقدان الوظائف وفرض الضرائب وارتفاع الأسعار وهروب القروش وخروج الاستثمارات... وتكثر سكاكين تقطيع "الثور" الواقع. والوضع الجديد، بعد البريكست، الذي سيحدث علي الواردات والصادرات البريطانية سينجم بسبب فقدان بريطانيا للترتيبات التفضيلية علي التجارة الدائرة بين كل أعضاء الاتحاد الأوربي. وفي ما أوضحناه خسائر جمة علي بريطانيا قد تقودها للتهلكة والخسران الاقتصادي المبين مما يزلزل أركان المجتمع في بريطانيا (العظمي).

وهناك ميزة خاصة بعضوية منظمة التجارة العالمية، وهذه الميزة تتمتع بها بريطانيا فقط عندما تكون عضوا في الاتحاد الأوربي، وهذه الميزة تمنح الدولة العضو في منظمة التجارة العالمية الحق في فرض نفس التعريفة الضريبية التي تفرضها أي دولة علي وارداتها الآتية لها من أي مكان ولكن اتفاقية منظمة التجارة العالمية تنص علي استثناءات بمنح معاملات تفضيلية بموجب اتفاقيات تجارية بصفة منفردة أو اقليمية أو جماعية بين العديد من الدول. وبريطانيا بخروجها ستفقد هذه المعاملة التفضيلية. وهناك أمثلة أخري عديدة منها، المفاوضات "عبر الأطلنطي للشراكة التجارية والاستثمارية" الجارية منذ مدة بين الدول أعضاء المنظمة من جهة والولايات المتحدة من الجهة الأخرى، والخروج من الاتحاد الأوربي سيفقد بريطانيا هذه الامتيازات التي ظل الاتحاد الأوربي يعمل لها بشراسة لاصطياد بعض الغنائم من فك أمريكا.

من المخاطر أيضا، الدخول في عالم المجهول لعدة سنوات أو ما يعرف بمرحلة "الشك" أو "عدم اليقين" وهي المرحلة الحرجة التي تلي الخروج وحتي الوصول لاستقرار الوضع الجديد. وفي هذه المرحلة يكون هناك شد وجذب وعدم استقرار يتضرر منه الجميع. ولتجاوز كل هذه المخاطر فان الحكومة البريطانية تعمل بكل ثقلها لإقناع شعبها بالبقاء داخل الاتحاد الأوربي، ولقد سعي رئيس الوزراء "ديفيد كاميرون" علي الحصول علي بعض الضمانات من الاتحاد الأوربي بمنح بعض الخصوصية لبريطانيا حتي وهي داخل الاتحاد. وهذا بالطبع يعتبر انجاز له، ولكن أمر البقاء يعود لتقدير الشعب البريطاني الذي سيأتيك بعد حين بالخبر اليقين.

ان الوضع خطير والمخاطر أخطر، وكما قال أحد كبار محللي أسواق المال أن خروج بريطانيا من كأس أوربا لكرة القدم له مفعول سحري يهز أسواق المال فماذا يحدث عند خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي.. ماذا يحدث ؟ وماذا يا تري سيفعل الشعب البريطاني بنفسه وبأروبا وكل العالم المستغرب جدا من تصرفات بريطانيا "العظمي"...