القانون وحماية خصوصية الموبايل وسمارت فون

د. عبد القادر ورسمه غالب

القانون وحماية خصوصية الموبايل وسمارت فون

د. عبد القادر ورسمه غالب

نستعمل التلفونات وأجهزة الاتصال الحديثة طول الوقت الآن وبها الكثير من الأسرار والأخبار. فهل هناك حماية قانونية كافية للشخص عند تفتيش الشرطة للموبايل والسمارت فون الذي يحمله في ذلك الوقت أو يجده لاحقا في منزله؟

أوقفت الشرطة، في أمريكا، شخصا يقود سيارة بسبب انتهاء فترة الترخيص المدونة في الديباجة الملصقة بزجاج السيارة واتضع لهم أنه ممنوع من قيادة السيارة لأن رخصته للقيادة مجمدة بسبب المخالفات المرورية، وبمعاينة السيارة تم وجود أسلحة بداخلها.

ولذا قامت الشرطة بالقبض عليه ووجد في حوزته موبايل وسمارت فون وفورا قامت الشرطة بتفتيش محتويات الموبايل والسمارت فون ووجدوا صور ورسائل وأشرطة وبيانات كافية توضح لدرجة كافية أن الشخص المقبوض عليه عضو عصابة اجرامية متخصصة في استعمال الأسلحة. فهل هناك حماية قانونية لهذا الشخص عند تفتيش الموبايل والسمارت فون؟

وفي حالة ثانية أوقفت الشرطة شخصا كان يبيع الكوكايين والمخدرات، وبعد القبض عليه قامت الشرطة بتفتيش موبايله والسمارت فون ومنها تم الحصول علي رقم وعنوان وموقع خريطة منزل المقبوض عليه، وتم مداهمة المنزل وهناك تم وجود كمية كبيرة من المخدرات المعدة للبيع والأسلحة غير المرخصة.  فهل هناك حماية قانونية لهذا الشخص عند تفتيش الموبايل والسمارت فون؟

في مثل حالات عديدة كالمذكورة أعلاه، قامت الشرطة بالبحث عن وجود أدلة لتقديم الأشخاص المقبوض عليهم للمحاكمة في جرائم تم العلم بها واكتشافها فقط بعد تفتيش الموبايل والسمارت فون. فهل هذا الاجراء سليم؟ أي القيام بتفتيش الموبايل والسمارت فون وغيرهم من الأجهزة التقنية، للاطلاع علي كافة المحتويات المخزنة بداخله.

قالت المحكمة في حيثياتها أنه يجوز للشرطة عند القبض علي اي شخص، وبعد اخطاره بحقوقه، القيام فورا بتفتيش جسمه وملابسه لضمان سلامتهم أولا وكذلك للحفاظ علي ما يتم وجوده من أدلة وبيانات. ولكن الموبايل والسمارت فون وكل المعلومات المخزنة فيهما لا يشكلان أي خطر حقيقي ماثل علي الشرطي وكذلك  لا يقومان بذاتهما في ذلك الوقت بطمس البينات أو اخفائها.

ولذا، فان تفتيش محتويات الموبايل والسمارت فون وغيرهم غير جائز الا بموجب أمر تفتيش خاص بهم، وعليه لا يمكن الأخذ بالبينة التي تم الحصول عليها عند تفتيش الموبايل والسمارت فون. وقالت المحكمة، أن ما تم يعتبر مخالفة للدستور والقانون لأنه يخدش ويمس الخصوصية الشخصية. ولكن هذه المحكمة أشارت الي وجوب وجود امر تفتيش بصفة عامة ولم تدخل في تفاصيل هذا التفتيش والأشياء التي يشملها.

والمحكمة الثانية أفادت أن الأمر لا يقف هنا، أي اصدار أمر تفتيش للموبايل والسمارت فون وغيرهم، بل يجب أن يتعداه الي تحديد نوع المعلومات المطلوب البحث عنها بموجب الأمر وما يجب حجزه من عدمه خاصة وأن الموبايل والسمارت فون يشمل وفي استطاعته تخزين الكثير من المعلومات التي لا حصر لها وهي أو أكثرها غير مرتبطة بالموضوع.

ولذا يجب أن يكون أمر تفتيش الموبايل والسمارت فون محدد ومحصور في حدود معينة في أمر التفتيش والاحضار، والا يعتبر أن ما حدث فيه تجاوز للدستور والقانون وانتهاك للخصوصية الشخصية والحقوق الذاتية.

وهذا مطلوب، لأن عدم تحديد مجال وحدود التفتيش سيفتح الباب واسعا أمام الشرطة ويهيئ لهم الفرصة للبحث في كل شيء وعن كل شيء وفي هذا مخاطر وعواقب وخيمة تضر بالعدالة والحقوق. ولقد أشارت المحكمة الي ضرورة وجود تشريع ينظم تفتيش الموبايل والسمارت فون بصورة علمية واضحة، خاصة وأن هناك بعض البيانات المخزنة في هذه الأجهزة ولكنها مرتبطة ببينات ومواقع أخري خارجية وهذه المواقع ايضا مرتبطة بغيرها وهكذا السلسلة طويلة وعدم التحديد في التفتيش قد يحدث منه تطفل علي خصوصية أطراف آخرين وأخرين...  

وهذا الوضع بالطبع ينطبق ليس فقط علي أنظمة الموبايل والسمارت فون بل علي كل وسائل السوفت وير المرتبطة بتقنية المعلومات الحديثة التي نجدها ونستخدمها في الهارد وير الموجود في شتي وسائل التقنية الحديثة.  وكما هو معلوم فان ذاكرة "الديسك ميموري" في هذه الأجهزة تستطيع أن تحمل ما لا تقدر عليه الجبال، ولذا تتم الاستفادة منها كثيرا في هذا الخصوص ومن هذا العالم الأثيري غير المحدود تتطور الدنيا وما بها في كل لحظة.

وفي حالات يتم التخزين وكذلك يتم الحذف (ديليشن) لإضافة معلومات جديدة بدلا عن المعلومات القديمة. ولكن كما يقول فقهاء علم الاثبات، احذر فان "الديسك ميموري" في جهازك المحبب قد يكون صديقك طوال الوقت ولكنه في بعض الأحيان قد ينقلب ضدك ويكون عدوك الأول لأن المعلومات التي تعتقد أنك قمت بحذفها منذ مدة يمكن استرجاعها بكل سهولة والاستفادة منها كبينة ضدك.

وهنا نستحضر قضية بيل كلينتون والمتدربة في البيت الأبيض "مونيكا ليونيسكي" حيث تم اعادة استرجاع الكثير من المعلومات والرسائل والصور المحذوفة التي كانت ترسلها لكلينتون ثم قامت بحذفها اعتقادا منها أنها أعدمتها ولكن هي في الحقيقة لم تمت وتكون موجودة في قاع الديسك ميموري.

ولكن كل الخطوات المطلوبة للاسترجاع والاطلاع والبحث في المجاهل التقنية وعالمها الخاص، تحتاج الي أمر تفتيش واضح ومحدد، من أجل حماية الخصوصية الشخصية... والقانون يعلو ولا يعلي عليه.