العلاقة بين القانون والثورة التقنية

د. عبد القادر ورسمه غالب

سؤال جدلي فلسفي هام، أيهما يسبق الآخر القانون أم التقنية، التقنية أم القانون؟ وهذا الأمر بالطبع ينطبق علي كل المجالات الأخرى، ولكن أهمية هذا السؤال تعود لأهمية التقنية في حياتنا المعاصرة وعلي مدار الساعة. بل نستطيع القول أن حياتنا الآن أصبحت "حياة تقنية" لارتباطها المباشر بكل وسائل التقنية الحديثة التي تمثل بل تشكل وقائع حياتنا اليومية في المنزل أو المكتب أو السيارة أو في غيرها من المرافق... فالتقنية أصبحت أساسية في كل حياتنا. ولذا يطرأ السؤال، هل تستمر التقنية في تطورها وثورتها ثم بعد ذلك نضع القوانين المطلوبة لتقنين التقنية، أم نضع القوانين والتشريعات المنظمة للتطور في مجال الثورة التقنية. فأيهما يتقدم الصف هنا ويأخذ بزمام المبادرة وبالتالي يتحدد مسار الطرف الآخر وفق المبادرة التي أتت سابقا من الطرف المغاير...

هذا السؤال مطروح منذ أمد طويل وله انعكاساته في تحديد دور ومسار القانون ومدي أثره بصورة مباشرة في ريادة المجتمع عبر توفير البيئة والأساس القانوني للتطور المطلوب في كل المجالات التي يحتاج لها المجتمع بكافة طبقاته. ونحن في عصر التقنية التي تأتي في كل يوم بجديد لفائدة المجتمع وتقدمه نحو الأفضل، وفي ما يتعلق بمسار الثورة التقنية تحديدا، فقد ظهرت حالات عديدة استوجبت ظهور هذا السؤال المطروح للسطح. ولكننا، في هذه السانحة سنتطرق لحالة معينة في هذا الخصوص وهي حالة الاكتشاف التقني الحديث المثير الذي ظهر قبل فترة باسم "نظارة جوجل".

شركة "جوجل" المعروفة وهي في خضم نشاطاتها التقنية المتوالية قامت بطرح منتج تقني جديد هو عبارة عن "نظارة" ذكية تحتوي علي حاسوب به شاشة مصغرة يتم التعامل والتحكم فيها عبر الأوامر الصوتية. وقامت جوجل ببذل الكثير من الأموال والجهد والأبحاث المضنية لتطوير هذا المنتج حتي وصل للاكتمال وهو يمثل نقلة نوعية متطورة جدا ستدعم الثورة التقنية المستمرة لصالح المجتمع. وقامت "جوجل" بطرح كميات محدودة جدا من هذا المنتج التقني وعلي فئات معينة ومختارة، وبعد ذلك قررت عدم طرحه في الأسواق الي حين الوصول لإجابات قانونية شافية حول بعض الأمور المرتبطة باستخدام منتج "نظارات جوجل"، نظرا لأن الاجابة علي النقاط القانونية لها أهمية خاصة تتعلق بمدي مشروعية الاستخدام وفق القانون لمنتج "نظارات جوجل".

من المسائل الهامة التي يجب دراستها من الناحية القانونية، ان استخدام "نظارات جوجل" قد يؤدي الي انتهاك الخصوصية الذي يقع تحت طائلة العقاب القانوني. وانتهاك الخصوصية قد يحدث لأن هذه النظارات الذكية لها خاصية القدرة علي التسجيل المرئي والصوتي (الفيديو و اليوتيوب). وهنا الخطورة تتمثل اذا دخل شخص مستخدما هذه النظارة الي أي مرفق حساس أو مبني مؤسسة حيوية هامة، فانه وبكل بساطة يستطيع تصوير كل الموقع وكل ما يدور فيه بالصوت والصورة وفي هذا انتهاك للخصوصية الشخصية والسرية الأمنية الخاصة للمكان ومن بذلك المكان. ان "نظارة جوجل" ذات التقنية الحديثة مرتبطة مباشرة بإمكانية التسجيل الصوتي والمرئي المربوط بالحاسوب المدمج بالنظارة وهو مربوط مع الانترنت مباشرة ويمكن الاستفادة من هذه التقنية. ولهذا الوضع جوانب قانونية مرتبطة بالنواحي الأمنية "سكيورتي" والتي يشكل اختراقها تجاوزا للقانون يستوجب المساءلة. وهذا يرجع لأن، مستخدم هذه النظارة التقنية وبمجرد تمريرها علي أي مستند أو تقرير ولثواني فقط فانه يستطيع أخذ صورة كاملة عن التقرير أو المستند ومهما كان حجمه، وتصوير المكان وتفاصيله، وكذلك في نفس الوقت يمكن تسجيل أي نقاش أو حوار بالصوت والصورة الحية...

وأيضا، استخدام "نظارة جوجل" قد يؤدي الي انتهاك وسرقة حقوق الملكية عبر امكانية استنساخ الصور والأشكال والنماذج والأفكار الابداعية من التصاميم والصور والنماذج المعروضة في الأماكن التجارية والمعارض الثقافية والمتاحف والقاليري...، وكل هذا يتم علي حساب الطرف الآخر الأصيل مما يشكل اختراقا لحقوق المؤلف وغيره في شتي المجالات الابداعية. وأيضا هناك مخاطر أخري، وبعضها قد يكون غير أخلاقي، خاصة عند ارتداء النظارة ويقوم الشخص بالتجول في أي مكان عام مفتوح فانه، وبصورة تلقائية، يقوم بتسجيل صور كل الأشخاص في شتي الأوضاع التي يمر بها وكذلك تسجيل أصواتهم وأحاديثهم وفي هذا انتهاك صارخ للخصوصية.. وربما يستغله بعض ضعاف النفوس في أمور غير أخلاقية منها الابتزاز التقني وغيره من الجرائم الالكترونية التقنية التي يصعب اثباتها في بعض الحالات...

هذه النقاط أعلاه، مع غيرها، لها تبعات ونواحي قانونية تحتاج للدراسة المستفيضة، ولهذا أحجمت "جوجل" أو لنقل قررت التأخير أو عدم الاسراع في طرح المنتج في السوق للجمهور خوفا من الملاحقة والمساءلة القانونية وذلك الي حين وضوح الرؤية وللمزيد من الدراسات القانونية المتطورة في هذا المجال. وبالطبع، هناك امكانية في أن تقوم "جوجل" بتحويل كامل المسئولية للطرف المستهلك المستخدم للنظارة... ولكن ألا يخشي المستهلك المستخدم للنظارة من المساءلة القانونية ويحجم عن الاستخدام وبالتالي "تبور" أو تكسد بضاعة جوجل التقنية الجديدة. وهنا مربط الفرس، لأن جوجل تسعي نحو طرح المنتج الجديد وعينها علي السوق وتتطلع نحو اقبال الجمهور المستهلك علي منتجها دون وجل أو خوف بل في أمان تام من الملاحقة القانونية...

وهذا المنتج التقني الحديث أوضح ضرورة التكامل والتنسيق بين الجوانب القانونية المقننة للثورة التقنية أو بين الثورة التقنية والجوانب القانونية المطلوبة لتقنين التقنية. وما زال البون شاسعا بين سرعة الثورة التقنية وسرعة القوانين والتشريعات المرتبطة مع هذا المجال ونحتاج  لعمل "وزنة فائقة الجودة" لتقريب السرعة بين هذين المسارين للدرجة التي تمكنهما من الوصول معا للهدف في الوقت المناسب والزمن المطلوب قدر المستطاع.

ونري ضرورة الاستفادة من تجربة قانون "اليونسيترال" النموذجي لتقنين المعاملات الالكترونية وتطويره في نفس الاتجاه ليشمل المعالجات القانونية للنقاط المطروحة أعلاه. ومن دون شك فان، فلسفة القانون، أساسها القيام علي أسس متطورة ومتجددة للدرجة التي تمكن القانون من استيعاب كل التطورات بما في ذلك الثورة التقنية الهائلة، والعمل علي فهمها وهضمها ثم تقنينها في تشريعات جديدة حديثة لتحقيق الفائدة للمجتمع. والمسيرة طويلة وتحتاج للمزيد من العناء...